الأردنيون الغساسنة: الترف الحضاري والحرية والعقلية العلمية

 

مقدمة

لقد كانت مملكة آل غسان التي امتدت لأكثر من أربعة قرون على قدر عال من الرقي الحضاري. يعتبرها الباحثون في شأن الحضارات القديمة حلقة الوصل التي نقلت بدو القبائل الأردنية في البادية الأردنية الشرقية والبادية الجنوبية إلى الحياة المدنية.

رغم نقص المصادر الحاد في ملامح الحياة الاجتماعية إلا أننا استطعنا تتبع أهم محاور حياة الفرد الأردني الغساني عن طريق الاعتماد بشكل رئيس على ما كتبه الباحث البروفيسور والمؤرخ عرفان شهيد (1926- 2017) فقد كتب الراحل شهيد بالإنجليزية ثماني مجلدات تحت عنوان “الإمبراطورية البيزنطية والعرب” تعد من أهم ما كتب عن العرب من القرن الرابع حتى السادس ميلادي متناولا جميع جوانب حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

الأردنيون الغساسنة، سكان البلقاء وصولا إلى معان، تركوا بصمات كبيرة في التكوين الحضاري الاجتماعي للإنسان الأردني اليوم، وفي هذا البحث سنشعر بمدى قرب هذه الحضارة لحياتنا اليومية.

تركيبة السكان: قبيلة آل غسان

تعد الروابط القبلية من أقوى الروابط في العالم. ويعرف علماء الاجتماع القبيلة على أنها “جماعات متجانسة تحمل نفس الكنية وتعترف برئيس واحد فيما يخص المسائل العليا” (العيسى: 2007)

وتتلخص مهام شيخ القبيلة في تنظيم مظاهر الحياة الاجتماعية كالرعي والاستسقاء إضافة لكل ما يتعلق بأمن وأمان القبيلة كشن الحروب والغارات والثأر. وبحسب التقاليد، يجب أن يكون الشيخ أكثر الناس كرما وشجاعة وأكثر قدرة على إبقاء شعور الأخوة والعدالة بين أفراد القبيلة.

لقد أخذ الشكل التنظيمي القبلي شكلا أكثر حضارية وتعقيدا في المجتمع الأردني الغساني، فسرعان ما قويت شوكتهم وتنامى نفوذهم فغطى القبائل العربية جميعها في المنطقة لدرجة أن الإمبراطورية الرومانية أطلقت لقب ملك على الحارث بن جبلة الغساني وصار رئيسا لما يشبه الحكومة المركزية في الأردن.

الحياة البدوية- الحضرية (تأثير القبيلة على المجتمع  الأردني الغساني)

انتقل الأردنيون الغساسنة إلى نظام المدينة سريعا، ولكنهم رغم ذلك لم يتخلوا عن العادات والتقاليد البدوية. فكما ناقشنا، لدى الأردنيون الغساسنة شيخ أو رئيس وبحسب العادة يذكر الأشراف والشيوخ في المخطوطات والنقوش ولأن التأثير الروماني طال بعض جوانب الحياة  الأردنية الغسانية فقد خلدت أسماء الأعلام المشهورة باليونانية خصوصا في التأريخ المسيحي.

فحسب المصادر اليونانية، يذكر الحارث باسم “أريتاس” ويوصف بأنه “قائد جميع مسيحيي الحواضر” ويمكننا رؤية هذا التجانس الحاصل من تلاقي التنظيم القبلي المتمثل بشيخ القبيلة البدوي وبين التوسع الحضري الذي شهدته المدينة الأردنية  الغسانية فانتقل الحارث من شيخ إلى قائد فملك. (العيسى: 2007)

ونستشف من النقوش أن قبائل آل غسان كان فيها ما يعرف بطبقة الأشراف الذين يُعتبرون “حكم الأقلية” وهم على خلاف المجتمع القبلي في شبه الجزيرة العربية  لهم تأثير لا بأس به على قرارات الحاكم.  وهنالك الطبقة المتوسطة طبقة المزارعين وتليها طبقة التجار الصغار والكبار والحرفيون وتقبع طبقة العبيد نهاية السلم الاجتماعي.

الطعام

الطعام هو أحد الأوجه الحضارية المهمة للغاية فعند الأردنيين يعكس الطعام قيمة أخلاقية محورية في حياة أي أردني وهي قيمة الكرم. ويمتاز الأردنيون بأنهم يمتلكون نار مخصصة لإطعام الضيف تسمى نار القِرى وكانت نار الأردنيين الغساسنة لا تنطفئ أو كما نقول في الأهازيج الأردنية التقليدية اليوم” نارهم وقّادة”.

 لقد قيل في أدبيات التراث الشعبي العربي “أوقر للضيف من بني غسان” أي أنه يكرم الضيف أكثر مما كان يفعل آل غسان دلالة على أن الأردنيين الغساسنة كانوا مضرب مثل في الكرم والجود.

وقد عرف الأردنيون الغساسنة بين العرب بكونهم مختصين “بالطيبات” كما عرف الفيلارخ امرؤ القيس أحد ملوك آل غسان “بقاتل الجوع” لأنه أجار الناس في المجاعة.

ورغم أن المؤرخين اليونان وصموا عرب القرون الأولى للميلاد بالتأخر الاجتماعي إلا أنهم أنصفوا الغساسنة فقالوا عنهم أنهم ذوو ذائقة حسنة وتقدم اجتماعي وانفتاح كبيرين. (شهيد: 2009) يعرف آل غسان بآل جفنة وجفنة بالعربية تعني الطبق الكبير، أي أنهم سموا كذلك نسبة لشدة كرمهم وجودهم.

ميّز الأردنيون الغساسنة أنفسهم عن باقي القبائل بأنهم أهل الطيبات وبأن مأكولاتهم تمتاز بالترف والبذخ. وذكر المؤرخون بأن نساء الغساسنة كن يعرفن من عدم أكلهن لطعام بقية العرب. وقد عرف الاردنيون الغساسنة طبقا يسمى “الثريدة” وهي خبز بمرق اللحم أو اللبن وقد اشتهرت هذه الأكلة فقيل لا ثريدة أطيب من ثريدة آل غسان (شهيد:2009 )  .

ويمكننا أن نرى الثريدة حاضرة في المائدة الأردنية التقليدية. فعندما تتبّعت إرث الأردن الأطباق الأردنية من الشمال إلى الجنوب خلصنا إلى نتائج مذهلة. العديد من الأطباق الأردنية ترتكز على فكرة الثريدة من تقطيع الخبز وتشريبه بمرق اللحم أو اللبن (الجميد) وتمتد هذه الأطباق من البلقاء وصولا إلى الجنوب في معان والكرك ونذكر منها على سبيل المثال الفطيرة الكركية والمجللة الطفيلية والفطيرة المعانية.

وقد عرف الغساسنة طبقا آخر مميزا سمي “المَضيرة الغسانية” وهو لحم مسلوق يقدم مع اللبن الحامض والجريش، ألا يذكّر هذا بالمنسف الأردني الشهير؟ ارتبطت المضيرة  بالحاكم الأموي معاوية بن أبي سفيان فسميت أحيانا بمضيرة معاوية، ويعود السبب لأن معاوية زار عاصمة الأردنيين الغساسنة الأولى الجابية (شمال حوران الأردنية ) في بداية حكمه وقد كانت الوجبة الرئيسة في المائدة التي حضرت له وقتها. (شهيد: 2009)

الموائد الأردنية الغسانية: الترف الحضاري والحياة الاجتماعية الثرية

يذكر الباحث عرفان شهيد مدى تأثر الغساسنة بأجدادنا الأردنيين الأنباط. لقد تداعت المملكة الأردنية النبطية عام 106 ميلادي إلا أن الوجود النبطي الاجتماعي لم ينمحِ من المنطقة. لقد عُرف عن الأردنيين الأنباط حبهم لإقامة الولائم حتى أنهم سموا “سادة الولائم أو الموائد” وقد انصبغ الإرث الغساني وتأثر تأثرا كبيرا بعادات الأردنيين الأنباط الغذائية كما يظهر جليا واقتبسوا لقب سادة الولائم منهم.

باعتبارهم أبناء جفنة الذين يضرب في كرمهم وطعامهم المثل عند العرب لا بد لنا من وقفة عن أبرز الموائد التي كان يبسطها الأردنيون الغساسنة عند مناسباتهم. وتتباين هذه المناسبات من اجتماعية ودينية.

كان الغساسنة يبسطون المائدة في مناسبات الزواج وكانت تسمى مائدة النكاح أو مائدة القرى. ويقول الأردنيون إلى اليوم عن مائدة الزواج بأنها مائدة “لقرا/ لجرا”. تقدم المائدة قبل عقد القران، حيث يلقي كبير العائلة أو شيخ القبيلة خطبة ويتم على إثرها الزواج ويتناول الضيوف الطعام وهذا أيضا ما يعرف لدى الأردنيين اليوم بغداء العرس.

تعددت الولائم الأخرى بين غداء الجنازة ووليمة الانتصار في الحرب أو وليمة إنجاب الأبناء. احتلت الموائد الدينية مكانة خاصة كذلك. فقد كانوا يعقدون وليمة في عيد الميلاد المجيد، كما كان لهم احتفالات دينية خاصة بتعميد الطفل حديث الولادة وكانت ترافقها الموائد الفاخرة وموائد أخرى تنصب عندما يبلغ الطفل السابعة من العمر وتسمى “مائدة العقيقة” وهي عادة أردنية لا زلنا نراها إلى الآن مارسها مسيحيو الأردن ومسلموه في وقت لاحق.

الخبز

 اختلف المؤرخون على سبب توافر الخبز في الحمية الغذائية الغسانية فرجح بعضهم أن ذلك من تأثرهم بالإمبراطورية الرومانية ولكن اقترح آخرون أنه عائد لكون أراضي البلقاء وحوران الأردنية أراض خصبة كان الأهالي يزرعونها قمحا. (شهيد: 2009) يُصنع الخبز من دقيق القمح وسمي عند الغساسنة “حوارة” ولا غرابة في ارتباط هذا الاسم باسم منطقة حوارة في اربد شمال الأردن فقد اكتسبت اسمها من الحكم الغساني؛ وربما يعود ذلك لارتباطها بإنتاج الدقيق فحوارة تعني بالعربية “البيضاء”.

كان الأردنيون الغساسنة، كما يفعل الأردنيون اليوم، يغمسون الخبز الأبيض بالجبن والعسل وزيت الزيتون وكانت وجبة (الخبز وزيت الزيتون) من الوجبات الشهيرة المفضلة لديهم لأن الأراضي الأردنية كانت من المناطق الأكثر إنتاجا لزيت الزيتون في العالم آنذاك (شهيد: 2009)

الفواكه والبهارات

اشتهرت الفواكه كثيرا عند الغساسنة وذكرت بشكل متكرر في الأشعار والأدبيات، وكانت أشهر الأصناف هي التفاح والعنب والتين. لقد استفاد الأردنيون الغساسنة من الأرض الزراعية فأنتجوا المحاصيل وقاموا بصناعة العديد من المنتجات الأخرى عبر استخدام تقنيات التجفيف والحفظ. فاشتهر لديهم الزبيب والفواكه المجففة والمربيات.

لم تذكر البهارات بشكل كبير ولكن يمكن الاستدلال على أن الغساسنة استخدموا عدة أنواع من البهارات كالزنجبيل والكافور.

الماء والحليب والخمر

لقد كان تأمين الماء من أهم أولويات القبائل الأردنية البدوية وقام الغساسنة بتأمين احتياجاتهم من الماء من الآبار والينابيع وغيرها. لقد تميز ماء الشرب الغساني بأمر لم يعرفه سواهم وهو تنكيه المياه بالفواكه خصوصا العنب والتين ولا تذكر المصادر أكثر من ذلك بخصوص هذا الأمر.

عاش الغساسنة حياة جمعت بين الحضارة والبداوة والفلاحة فمارسوا التجارة والرعي وتربية الماشية إضافة للزراعة، ولهذا نجد أن الحليب ومشتقاته الكثيرة كانت أصنافا رئيسة في المائدة الغسانية. ويعد حليب الجمال من أهم أنواع الحليب وأشهرها لديهم.

احتفى الغساسنة بالخمر وعدوها “ابنة العنب” وكانت منتشرة في المجالس والبيوت وذكرت كثيرا في الشعر الغساني الذي أنشده حسان بن ثابت والنابغة الذبياني والنابغة الجعدي وغيرهم. كانت كروم العنب منتشرة في البلقاء وسهول حوران الأردنية وغيرها من المناطق إلا أن أشهر مورد للعنب والخمور كانتا منطقتين إحداهما في الأردن. الأولى في بيت راس   ( كابيتولياس) شمال الأردن والثانية في غزة.

مدرّج بيت راس

لقد استدل العلماء باستخدام التحليل الكربوني للفخار في بيت راس إلى أنها واحدة من أكبر مناطق إنتاج العنب وهي مدينة أردنية غسانية. إضافة لبيت راس كان هنالك مكد maqadd  وهي منطقة أردنية على حدود نهر الأردن، ويرجح أن تكون جرش (جراسا) إحدى المدن التي أنتجت الخمر بشكل كبير أيضا فقد وردت بعض الإشارات التاريخية إلى وجود مدينة اعتبر مسيحيو الشرق أن خمرها مقدس، وجاء ترجيح العلماء لجرش بسبب وجود معبد ديونيسيوس إله الخمر فيها.

على الجانب الأيسر من شارع الأعمدة تقع البوابة الضخمة الغنية بالأشكال المنحوتة لمعبد (ديونيسيوس الروماني) والذي بني في القرن الثاني للميلاد، ثم أعيد بناءه في القرن الرابع للميلاد ليكون كنيسة تسمى حالياً (الكاتدرائية)

يقودنا استعراض أهم مكونات الحمية الغذائية للفرد الأردني الغساني لعدة استنتاجات، أهمها أن لا شيء مما يقوم به الفرد الأردني اليوم وليد الصدفة، إننا بكل تفاصيل حياتنا اليومية نتيجة انصهار كرم أجدادنا الأنباط مع ذكاء وترف أجدادنا الغساسنة. أحجار فسيفساء ملونة تكون الصورة الكبيرة الجميلة والغنية لحياة الإنسان الأردني اليوم.

الملابس

مما لا شك فيه أن الهوية الحضارية تتجلى في الملابس كذلك. لقد أراد الأردنيون الغساسنة أن يتمايزوا عن الرومان واليونان وحتى عرب الجزيرة واتخذوا لهم لباسا مميزا كان مزيجا يعبر عن هويتهم الخاصة. يعكس اللباس عند الغساسنة الكثير من الصفات الاجتماعية كالسن والجنس والطبقة الاجتماعية والمهنة والترتيب السياسي والديني. (شهيد: 2009)

رسم توضيحي للزي الغساني في القرن الرابع الميلادي. المصدر: موقع World4u

استمر الغساسنة بارتداء زي قريب للزي العربي فكان لديهم البُردة[1] والحَبَرة[2] والحُلّة[3] وغيره. والمعلومات والأدلة محدودة في المدن الغسانية، فلم تكتشف الكثير من الآثار التي يمكن استغلالها في وضع تصور واضح للباس الغساني ولذلك عمد الباحثون لمقارنة ما وجدوه في الحيرة عاصمة المناذرة. لقد وجدوا أدلة على وجود أسواق للنساجين وعلامات تجارية “كأثواب الرضا” وهذا قد يلمح لنا عن الحالة التي كان عليها الرداء الغساني رغم العداء السياسي بين المملكتين والتوافق الاجتماعي والاقتصادي.

لا يقتصر تأثر اللباس الغساني بتأثرهم بعرب الجزيرة العربية ولكنهم بوصفهم في صف الإمبراطورية الرومانية تأثروا كثيرا في الزي الروماني. يمكن تلخيص تأثرهم في الحضارة الرومانية بارتباط الزي بالألقاب التي تمنحها الإمبراطورية للأمراء العرب فمثلا يمتلك “الفيلارخ – الوالي” زيا خاصا، إضافة لذلك، فقد كان الأباطرة الرومان يغدقون بالهدايا على الأمراء وكانت الملابس والمجوهرات من أهم أصناف الهدايا التي تقدّم (شهيد: 2009).

رسم توضيحي لملابس الأردنيين الغساسنة  من القرن الرابع حتى السادس الميلادي. المصدر: موقع world4u

ولا يمكن أن نغفل عن الازدهار التجاري الذي حصل بعد تنامي تجارة الحرير فالمملكة الأردنية الغسانية تعتبر إحدى مضارب طريق الحرير الواصل إلى روما قلب الإمبراطورية الرومانية.

ملابس الملك والأمراء

لا نمتلك الكثير من المصادر حول لباس الملوك والأمراء الغساسنة ولكن بحسب تحليل الباحثين للشعر الغساني فإنه الأسرة الغسانية الحاكمة كانت تمتلك زيا يسمى ” باسيلية” يورثه الملك لولي العهد ويوصف هذا اللباس بكونه رداء بنفسجي اللون مقصب بالذهب وعلى صدره “بروش أو قلادة” فضية. ويمكن أن يرتدي الملك طيلسانا[4] أو قبعة فضية تكشف جزءا من الرأس. كل الأقمشة التي تحاك منها ملابس الأسرة الحاكمة حريرية ثمينة ومقصبة بالذهب أو الفضة ومزينة ببعض الحلي الغالية. (شهيد: 2009)

وبما أن الإمبراطورية الرومانية كانت قد منحت الأمراء الغساسنة ألقابا شرفية فقد منحتهم أيضا ألقابا كنسية رغم اختلاف المذهب الديني بين المملكة الغسانية والإمبراطورية. وكما هو معلوم، فإن الأردية الكنسية الدينية تتميز بطابع مختلف عن الأردية العادية أو تلك التي تلبس في المناسبات والاجتماعات السياسية. فيتحدث الشاعر النابغة الذبياني مثلا عن أردية خاصة تعلق على مشاجب (علّاقات) يلبسها الأمراء والملوك فقط في أحد الشعانين (Palm day) وهو عيد مسيحي لإحياء ذكرى دخول السيد المسيح إلى بيت المقدس.

رسم متخيل لملابس النساء الأردنيات الغسانيات في القرون الميلادية الأولى. المصدر: موقع world4u

كما عرف البلاط  الملكي الغساني  الرداء الأبيض الطويل إلى ما بعد الركبة بقليل، إذ كان مشهورا وترتديه الأميرات الغسانيات كما يُهدى منه إلى الشعراء الذين يمدحون الملوك في البلاط (شهيد: 2009)

وكان الخمار لباسا مشهورا لدى نساء العرب منذ القرن الأول ميلادي. تغطي النساء من العوام ومن الأسرة الحاكمة وجوههن بطبقة رقيقة من القماش على ثوب أبيض طويل من الحرير أو القطن وقد ذكر هذا في عدة مصادر تاريخية.

ورغم أن الحاكم الأموي معاوية ابن أبي سفيان قد جعل من الجابية -عاصمة الغساسنة الأولى- عاصمة ومقرا له إلا أن الزي الغساني التقليدي استمر في الوجود حتى قرون متأخرة واكتسب أهمية اجتماعية. وجد الباحثون في الجابية والجولان وسهول حوران العديد من الأدلة كقطع قماش قديمة تعود إلى تلك الحقبة إضافة لكون الشعر أهم مصدر يمكننا استخدامه للبحث عما ارتداه الغساسنة. (شهيد: 2009)

بهذا نكون قد رسمنا صورة قريبة قدر الإمكان لملابس  الأردنيين الغساسنة. لقد كان للغساسنة توليفة جميلة ومتنوعة من الملابس والأقمشة واهتموا كثيرا بجعل كل لباس يلائم المناسبة التي يقصدونها.

الفنون (الرقص والغناء)

لقد كان المجتمع الغساني مجتمعا يقدر الفن. فقد برع الغساسنة بالشعر وكما هو معلوم، يقوم الشعر على الأوزان الموسيقية. وكانت ظاهرة مجالس الغناء والرقص مشتهرة ومنتشرة وقد شكلت جزءا لا يتجزأ من المشهد الحضاري الغساني. ولم تكن العقيدة المسيحية (المونوفيزية[5]) التي كان يدين بها الأردنيون الغساسنة تنبذ الفنون بل تشجعها وترى فيها سبيلا للروحانية والاتصال بالسماء.

ورغم نقص المصادر التي يمكن أن يعتمد عليها بشكل كبير إلا أننا نمتلك شعر حسان بن ثابت والذي يعده الباحثون الوثيقة الاجتماعية الأهم لحياة الغساسنة الاجتماعية. يذكر حسان بن ثابت في شعره وصفا دقيقا لمجلس الغناء فهناك “المُسمِعة” أي المغنية وهنالك “المنشِد” وهو المغني وهنالك “الساقي” الذي يصب الخمر لمرتادي المجلس.

كما يصف لباس المغنيات وهو لا يختلف كثيرا عن لباس النسوة الأخريات عدا عن أنهن يرتدين الحلي الغالية جدا مما يحصلن عليه جراء غنائهن. ويذكر أسماء المغنيات اللواتي كن يرتدن ديوانه أيضا فهنالك ليلى وزينب وشذى والنادرة وأم عمر والعامرة ولميس. وللمغنيات تحديدا العديد من الألقاب الوظيفية عدا عن المسمعة، فقد سماهم الغساسنة “مدجِنة، داجنة، صادحة، رومية ” (شهيد: 2009) وبإمكاننا أن نعتبر أن تعدد مسميات الأمر عند العرب هو دلالة على أهميته ولا يمكننا أن نغفل عن الثورة الشعرية التي أحدثتها القيان في أوزان البحور الشعرية فقد كان وجودهن محفزا للشعراء على الإبداع والتجديد (الأسد: 1969)

الآلات الموسيقية

صورة للآلات الموسيقية القديمة ويظهر فيها القيثار والجلاجل والصنج والمزمار والقصاب

تنوعت الآلات الموسيقية التي استخدمها الأردنيون الغساسنة بين الآلات النفخية والآلات الوترية وآلات الضرب. ويعد (العود) أحد أهم الآلات الوترية ويمكننا أن نستدل بعدد الأسماء التي حملها العود والتي استخدمها الشعراء الغساسنة في شعرهم. سمي العود عند الغساسنة إذن بعدة أسماء نذكر منها: المِزهَر، الكِران، البربط، الموتّر. (الأسد: 1969)

صورة لآلة العود الحديثة

كما وجدت العديد من الآلات الأخرى، فمن الآلات الوترية وجدنا الصّنج، ومن الآلات النفخية وجدنا القُصّاب والمِزمَر. لقد رسم لنا شعر الغساسنة صورة زاهية الألوان لمجلس تجتمع فيه تلك الآلات يرافقها غناء القيان (المغنيات) في جو من الترف الحضاري والحرية (الأسد: 1969)

نموذج قديم من آلة الصنج

الموسيقى والاحتفالات الدينية

 قلنا سابقا بأن المذهب المسيحي الذي اعتنقه الأردنيون الغساسنة لم يكن يتعارض مع الموسيقى بل كان يشجع عليها. وقد أسس لهذا التناغم القديس بطرس الذي أدخل الترانيم المغناة وعلمها لآباء الكنائس. إذن، لقد شجعت البيئة الدينية أيضا على تعلم الموسيقى بوصفها أمرا روحيا يترافق مع تلاوة المزامير المقدسة والترانيم والتسابيح بل يعتبر الباحثون أن كنائس الشرق خصوصا في جرش ومادبا وكثير من مدن شمال الأردن هي السبب الرئيس في تطور الترتيل المسيحي الذي نعرفه اليوم. (شهيد: 2009)

لقد كان للغساسنة أوزان شعرية وأنماط غنائية تترافق حصرا مع التراتيل الدينية مثل الزمزمة والرجعة والهينمة والسبحة والجعرة وقد اختفت تماما مع مجيء الإسلام (شهيد: 2009)

الطب والعلوم

تصوير كنسي لأطباء غساسنة

ربما يكون القديسين قزميان ودميان (Cosmas and Domian) من أهم الشخصيات التي يمكننا أن ندلل بها على رقي العلوم والحضارة عند الغساسنة. في جرش، تستقر كنيسة القديسين على مصطبة عالية بجانب كنيستين. بنيت الكنيسة لتمجيد ذكرى القديسين اللذان اتجها لمعالجة المرضى والمحتاجين مجانا خدمة للرب. تعج الكنيسة بواحدة من أكبر وأجمل وأسلم الصور الفسيفسائية في المنطقة وتصور هذه اللوحات القديسين وهما يستخدمان عدة الجراحة والنباتات العطرية العلاجية ويصنعان الأدوية ويعالجان المساكين مرتديان الزي الأردني الغساني.

إحدى التصاوير المسيحية للشهيدين قزمان ودميان

ورغم أنهما ولدا في حلب إلا أنهما تنقلا كثيرا هربا من الاضطهاد الديني واستقرا في بلاد الغساسنة ومارسا الطب، قتل القديسين مع أمهما وأخواتهما على يد الإمبراطور الروماني دقلديانوس الذي ارتد عن المسيحية وعاد للوثنية. ” لقد ظلت ذكراهما تتردد لمدة طويلة وقد بنيت العديد من دور العبادة للاحتفال بذكراهما خلال العصور البيزنطية الوسطى في سورية وإيطاليا وغيرها من البلاد. ولكن الكنيسة في جرش هي أقدم كنيسة بنيت لذكراهما وظلت قائمة حتى يومنا هذا. إن بقايا الجدران والأسس والفسيفساء وبقايا الهياكل العامة هي الوحيدة التي ظلت لتمجد ذكرى القديسين قزمان ودميان، كما بقيت لتعزز أمجاد مواقعنا التاريخية.”[6]

لم يقتصر المشهد العلمي عند الغساسنة على الأطباء الذين ينذرون أنفسهم وحياتهم لخدمة العلم والفقراء. لقد كان الأردنيون الغساسنة على صراع دائم مع المناذرة ولم ينعموا بالسلم لمدة طويلة؛ لهذا فقد كانوا بمواجهة ما تخلفه الحرب من جروح وأمراض. إضافة لذلك، فقد هاجمهم وباء الطاعون الدملي الذي أودى بحياة أكثر من 25-50 مليون شخص في عهد الإمبراطور جوستنيان الأول حتى سمي الطاعون بطاعون القرن السادس.

صنع الأردنيون الغساسنة مضادات سمية وعلاجات كثيرة لمختلف الجروح والإصابات. ذكر الشاعر حسان بن ثابت في شعره “البياطرة” أي أطباء الحيوانات ويظهر أن الغساسنة برعوا في علاج الأحصنة ومداواتها.

 شهد القرن السادس ظهور المستشفيات الرومانية ولم تكن بلاد الغساسنة ببعيدة عن هذا التطور ولكنه هذا التطور سرعان ما اكتسى بطابع ديني حيث انتشرت فكرة التنقل لعلاج المرضى مجانا إرضاءً للرب كما هو الحال في قصة القديسين قزمان ودميان. رغم انتشار هذه الظاهرة إلا أن المجتمع الديني لم يكن يتقبل العلاج الطبيعي وكان يؤمن في كثير من الأحيان بالعلاج الإلهي، إلا أن الملك الغساني الحارث استعان بالأطباء كي يعالج المصابين بالطاعون في بلاده وقد أسس هذا لعقلية الغساسنة التي تحترم العلم والطب على عكس العديد من المجتمعات المسيحية المجاورة لهم آنذاك وأمست العلاقة بين الدين والطب علاقة تكامل لا علاقة صراع (شهيد: 2009)

وبحسب النتائج التي وصل إليها الباحث عرفان شهيد فإن الأردنيين الغساسنة كانوا قد نقلوا معارف الطب اليونانية وحفظوها وطوروا عليها ويعود لهم الفضل في إدخال مهنة الطبيب بصفة علمية بعيدة عن السحر والشعوذة. كما أن أطباءهم استمروا في الوجود حتى العهد الأموي . وارتبط عندهم الإيمان المسيحي باحترام الأطباء والعلماء بسبب موقف ملكهم الحارث عند انتشار الطاعون. وأخيرا، لا يمكننا أن نتأكد ما إذا كان الغساسنة قد أسسوا مستشفيات أم لا. (شهيد: 2009)

لم تكن المرأة بمعزل عن المشهد العلمي، ويمكننا أن نستدل على ذلك بشعر حسان بن ثابت الذي أنشد في الطبيبات. كما يمكننا أن نفهم مدى أهمية الدور الذي لعبته المرأة من واقعة يوم حليمة بين الغساسنة وأعدائهم المناذرة، وقد سمي هذا اليوم نسبة إلى أميرة غسانية تدعى حليمة كانت مسؤولة عن تطبيب الجرحى وساهمت مساهمة عظيمة في انتصار الغساسنة حتى قالت العرب “ما يوم حليمة بسر” أو “أشهر من يوم حليمة” دلالة على شهرة هذا اليوم.

يمكننا أن نستنتج أن الأردنيين الغساسنة كانوا قد تحلوا بعقلية علمية جعلتهم يبرعون في الطب خصوصا، ومن المثير أن ترتبط شخصياتهم المهمة وأحداثهم التاريخية بأمور علمية كما هو الحال عند القديسين قزمان ودميان والأميرة حليمة.

خاتمة

الطعام، الملابس، الفنون والعلوم أوجه الحضارة الأردنية الغسانية التي كانت – كما استعرضنا –  على قدر عال من الترف الحضاري والحرية والرقي. لقد أحبوا الموسيقى وبرعوا فيها، قدسوا مهنة الطب وجعلوها مهنة سامية وأخيرا تركيبتهم السكانية التي لم تتخل عن المبادئ والقيم البدوية ولكنها أضفت عليها طابعا حضاريا.

لقد صدَر الغساسنة ثقافتهم للجزيرة العربية، أثروا وتأثروا بالرومان والفرس. إننا لا زلنا نمارس إلى الآن عادات وتقاليد غسانية الأصل، وقد صُبغت الحياة الأردنية بمكونات ثقافية تمتد جذورها إلى القرون الميلادية الأولى.

مراجع

  • Irfan Shahid (1996) Bazantinum and Arab in the sixth century, Vol2, Part 2 Dumbarton Oaks, Harvard University.
  • الأسد، ناصر. (1969)، القيان والغناء في العصر الجاهلي (ط2)، دار المعارف: مصر

[1] البردة: كساء مخطط يلتحف به. المصدر: معجم المعاني الجامع

[2] الحبرة هي الثوب الحريري. المصدر: معجم المعاني الجامع

[3] الحلة رداء من قطعتين. المصدر: دولة بيزنطة وعرب القرن السادس ميلادي، المجلد الثاني، الجزء الثاني

[4] غطاء عربي للرأس

[5] عقيدة مسيحية تؤمن بأن للمسيح طبيعة واحد عبارة عن اندماج الطبيعة الإلهية والبشرية معا وهي نختلف عن عقيدة الرومان الذين يؤمنون بالميافيزية أي  وجود طبيعتين منفصلتين للمسيح.

[6] المصدر: أبحاث إرث الأردن، الكنائس الأردنية القديمة: كنيسة قزمان ودميان