المرأة النبطية الأردنية: قراءة في ورقة بحثية

مقدمة

على الرغم من كون الحضارة الأردنية النبطية مركز اهتمام العديد من الدراسات إلا أن المعلومات التي وصلتنا لا تزال ضئيلة ولا تفسر كل جوانب حياتهم كما لا نملك تأريخا دقيقا لأحداث تلك الحقبة. ورغم وجود أكثر من أربعة آلاف نقش أردني نبطي إلا أننا لا زلنا في بداية الطريق لفهم هذه الحضارة العظيمة.

تطال أوجه النقص في معلوماتنا حول الحضارة الأردنية النبطية وضع الأفراد والملكيات والطبقات الاجتماعية والدينية، إلا أن الدراسات الحديثة التي يجريها الباحثون تفضي دوما لما يثير الدهشة ويبعث على احترام عميق تجاه هذه الحضارة. لقد كانت دراسة الباحثين الأردنيين مهدي الزعبي وفردوس العجلوني وإياد المصري التي تمت في الجامعة الهاشمية ونشرت فيما بعد في المجلة العالمية [1](Mediterranean Archaeology and Archaeometry) إحدى الدراسات الرائدة التي أجابت سؤالا مهما وهو: كيف عامل الأردنيون الأنباط المرأة النبطية الأردنية ؟ وفيما يلي قراءة لأهم محاور هذه الدراسة.

 

المرأة النبطية الأردنية والسياسة

(عملة أردنية نبطية يظهر فيها وجهي الملك الحارث الرابع والملكة شقيلات الأكثر شهرة.  المصدر: vcoins.net)

حظيت المرأة النبطية الأردنية بحضور سياسي قوي. نستطيع الاستدلال على صحة هذه الفكرة من العملات الأردنية النبطية التي تم اكتشافها في مراحل عدة. إن العملات ليست وجها اقتصاديا للحضارة فحسب إنما كانت وسيلة لعكس مدى نفوذ وقوة السلطة الحاكمة آنذاك. لقد وجدت العديد من النقوش على العملات الأردنية النبطية تذكر أسماء عدة ملكات مثل: كالدو أو خلدو (تترجم خالدة للعربية) زوجة الملك الأردني النبطي الحارث الرابع (9 ق.م. -41م.) وشقيلات الزوجة الثانية الملك الأردني النبطي للحارث الرابع أيضا.إضافة إلى شقيلات الثانية زوجة الملك الأردني النبطي مالك الثاني (40-70 ميلادي) شقيلات والدة الملك الأردني النبطي الحارث الثاني وزوجته الأولى جمالات والثانية هاجروث.”

(الملك الحارث الرابع وزوجته/ أخته الملكة هولدو. المصدر: vcoins.net)

 

كما أشار الأردنيون الأنباط إلى الملكة النبطية بلقب “ملكت” وهي مؤنث “ملك” وأشاروا بشكل خاص للملكات شقيلات وهولدو بلقب “ت ملكو” والذي يعني الملكة الأخت. ويدور الجدل بين الباحثين فيما إذا كان لقب الأخت دلالة على التأنيث أم أنهما كانتا فعلا أختي الملك الحارث الرابع. لا أدلة كافية لتشرح العلاقة بين الحارث الرابع وهاتين الملكتين حتى الآن ولكن تذكر المصادر التاريخية أنهما حكمتا المنطقة حكما فعليا خلال فترة تولي الملك الأردني النبطي الحارث الرابع. ولم يقتصر الحكم الفعلي للمرأة النبطية الأردنية على هاتين الملكتين فالملكة شقيلات زوجة الملك الأردني النبطي مالك الثاني كانت هي الحاكمة الفعلية بعد موت الملك وكون ولي عهده، ابنها الحارث الثاني صغيرا في السن. كما لعبت الملكة النبطية الأردنية دورا سياسيا آخر وهو الزواج لتقريب العلاقات السياسية بين الدول ويعد زواج ابنة الملك الأردني النبطي الحارث الرابع من هيرود أنتيباس أشهر هذه الزيجات.

 

(عملة نبطية أردنية للملكة جمالات والملك الحارث الثاني. المصدر: vcoins.net)

 

أما بالنسبة لشكل ورسم الملكة على العملة النبطية الأردنية فقد ارتبطت غالبا برموز نباتية خصيبة كإكليل الغار والنخل والعناقيد الزهرية البيضاء وغيرها. تربط هذه الرموز الملكة بالآلهة الأنثوية الزراعية التي عبدها الأردنيون الأنباط كاللات والعزى اللتان ارتبطتا بالخصب والإثمار ووهب الحياة. كذلك كانت الملكات النبطيات الأردنيات حاكمات خيّرات قدن دفة واحدة من أعظم الحضارات في العالم.

 

المرأة النبطية الأردنية والدين

حضرت المرأة في الحضارة النبطية الأردنية بقوة كمعبودة وراعية وجالبة للحظ، متحكمة بالخصب والموت والقدر. ولا نلاحظ ذلك فقط من تصوير الملكات على العملات النبطية الأردنية إنما من كل الجوانب الدينية الأخرى التي تعزز هذه الفكرة.

كان الأردنيون الأنباط ينحتون ويصورون آلهتهم الأنثى على شكل المرأة الحسناء، فقد صورت اللات مثلا كامرأة جميلة جزؤها العلوي مكشوف، كما ركزت التماثيل على أماكن الخصوبة كالثديين والأرداف وقد صور بعضها المرأة – الآلهة تقوم بإرضاع وليدها أو حتى إنجابه! لم يكن جسد المرأة سوى كيان مقدس، يرى النبطي الأردني فيه فتنة إعادة الخلق وهبة الحياة.

كذلك كانت المرأة النبطية الأردنية على قدم المساواة في الطقوس الدينية النبطية. إضافة لطقوس الدفن وملكية القبور، حيث يذكر المؤرخ Glueck جلوك أن المرأة النبطية الأردنية شاركت بكل الطقوس التعبدية، فكانت تشارك في احتفالات الخصب وتقدم القرابين والأعطيات. كما كانت تشارك الرجال في العزف أثناء الاحتفالات الدينية ربما كمتعبدة أو كراهبة في المعبد. وقد ترك لنا الأردنيون الأنباط تماثيل فخارية تصور فرقة موسيقية مكونة من امرأتين ورجل.

تمثال فخاري نبطي أردني لفرقة موسيقية نبطية تتكون من امرأتين ورجل

وكشفت التنقيبات عن وجود نقوش تصور الآلهة النبطية الأردنية “العزى” وهي حزينة بسبب زوجها، وقد يلمح هذا لنا بقدسية رباط الزواج وبقدسية الأنثى كذلك، فربما اعتبر الأردنيون الأنباط أن حزن الأنثى من زوجها هو حزن للآلهة ذاتها. كما صورت النقوش الأخرى الآلهة “فيرجو” أو العذراء التي يزين رأسها سمكتين وتحمل شبكة صيد وحزمة قمح في إشارة للخصب والخيرات.

(الآلهة الأردنية النبطية فيرجو (العذراء) وتزين رأسها سمكتان تشكلان تاجا. المصدر: nabatea.net)

المرأة النبطية الأردنية والحياة الاجتماعية

كشفت الأدلة التي جمعها الباحثون من مناطق مختلفة كانت خاضعة للحكم النبطي الأردني أن المرأة حظيت بمكانة مرموقة. تتضمن هذه الأدلة نقوشا وتماثيل ورسومات ارتبطت بطقوس الدفن أو توثيق المعاملات التجارية.

كما كشفت التماثيل الفخارية والطينية عن أن المرأة النبطية الأردنية كانت ترتدي الحلي كثيرا وبكل الأشكال؛ الحلق والأساور والخلاخيل والتيجان وغيرها. وتكشف هذه الحلي عن الدرجة الاجتماعية للمرأة النبطية الأردنية فالملكات يرتدين التيجان والأحجار الكريمة للنساء من مستوى اجتماعي عال أما باقي الحلي فهي لعامة النسوة.

(عشرة قلائد ذهبية وتسع خرزات من المقتنيات المدفونة. حقوق الصورة محفوظة للباحث ديفيد جونسون)

وقد ذكرت الأبحاث وجود عدة أنماط لملابس النساء النبطيات الأردنيات أولهما هو حزام ملفوف على حلق ذهبي والثاني هو لباس ملتف مطوي من الداخل من النصف حتى النهاية الجسد ومن ثم يقلب حتى يغطي الرأس والجسد من الوراء ويكون بطول الكاحل.

أما بالنسبة لحقوق الملكية فتكشف التنقيبات والنقوش أن المرأة النبطية الأردنية كانت على قدم المساواة في حقوق التملك. فعلى واجهات القبور ونقوشها وجدت نقوش توثق ملكية القبر للنساء أو توثق حصة المرأة من القبر والأرض التي عليه إضافة لقدرتها على توريث هذه الملكية لأبنائها.

نقش نبطي يؤرخ للعام 31/23 م. في مملكة الحجر إحدى الممالك الأردنية النبطية جنوب العاصمة البتراء. ترجمة النقش: هذا القبر الذي بناه حسايكو ابن حُميدو لنفسه  ولذريته ولغزيعات وسلامو أختيه، ابنتا حميدو ولذريتهما. ولا يملك أي أحد حق الكتابة على هذا القبر أو شرائه أو الدفن فيه غير أصحاب الحق من الورثة. ومن يفعل ذلك فلن يكون له حق شرعي فيه.  في شهر أيار، السنة الأربعون من حكم الملك الحارث، ملك الأنباط المحبوب من شعبه. روما وعبد عبادة، البناؤون. حقوق النص والصورة للباحثة كورتني إيورت.

 

كما تم الكشف عن عقد نبطي أردني قديم يوثق لاستدانة زوج من زوجته “أدانت أماتيسي زوجها موقيمو 150 قطعة فضية” كما كشف الباحثون عن عقد آخر لامرأة نبطية أردنية اشترت شجر نخيل وباعته لرجل آخر. تثبت هذه العقود محافظة جداتنا الأردنيات النبطيات  على حقوقهن كما يثبت امتلاكهن لذمة مالية خاصة بهن. ولا تقتصر مشاركة المرأة النبطية الأردنية على هذا الجانب فيرجح بعض الباحثين أنها عملت في وظائف أخرى مستدلين بأسماء أنثوية مثل “حاطبات” والتي يمكن أن تدل على وظيفة لا أن تكون اسم علم فحسب.

 

خاتمة

 

استعرضت هذه الدراسة الفريدة من نوعها العديد من جوانب حياة المرأة النبطية الأردنية. لقد سلطت الضوء على أمور كنا نجهلها إضافة لكسر تلك الصورة النمطية التي ارتبطت بكون المرأة مظلومة على الإطلاق في الحضارات الماضية. لقد كان حضارة أجدادنا الأردنيين الأوائل على قدر عال من التطور والرقي وقد سبقت حضارات أخرى ظلمت المرأة وقيدتها. اليوم، لا زالت المرأة الأردنية سباقة للعلم والإنجاز والمشاركة المجتمعية الفاعلة، ولا زالت تغذ الخطى كجداتها الأردنيات النبطيات الملكات الرائدات.

 

 

المراجع:

  • Alzoubi, M., Almasri, E. & Alajloiny, F. (2012), Woman in the Nabatean Society, Mediterranean Archeology and Archaeometry, 13, No. 1, p. 153-160

[1] http://www.maajournal.com/ موقع مجلة علم الآثار الشرق متوسطي