المملكة الأردنية المؤابية – مراحل القوة والضعف

مقدمة

تمثال عين غزال، العصر ما قبل الفخاري
The art of Jordan, treasures from an ancient land,edited by Piotr Bienkowski, alan sutton publishing.

عرف الإقليم الذي وجد به الأردن بالاضطرابات السياسية منذ فجر التاريخ، ومع أن الأردنيين الأوائل قطعوا شوطا طويلاً بالتطور، من مجتمعات الجمع والالتقاط، إلى الدولة الوطنية (دولة الأمة)، مروراً بالمجتمعات الريفية الزراعية البسيطة، ونظام الدولة المدينة، إلا أن الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون)، لم تنتزع وجودها بسهولة وبتطور سلس، إذ عانى أجدادنا الأردنيين الأوائل العديد من المصاعب، وتعرضوا للكثير من الانتكاسات، حتى استطاعوا حفر تاريخهم في ذاكرة العالم، بحروف خطت بالعرق والدماء.

المملكة الأردنية المؤابية – عنفوان البداية

صورة لتل ذيبان الأثري عاصمة مملكة مؤاب الأردنية – جريدة الغد- محمد أبو غوش

كان الشعور الوطني لدى أجدادنا الأردنيين المؤابيين في ذلك الوقت، والذين كانوا نواة تشكل المملكة الأردنية المؤابية يدفعهم لاحتواء سكان البلاد، والقبائل البدوية المحيطة بهم، لدمجهم في مشروع دولة تستطيع النمو والتطور والدفاع عن نفسها في منطقة محط لأطماع العديد من الدول والشعوب المحيطة، وسرعان ما اصطدمت هذه الدولة الناشئة بأطماع المحيطين بها، فبدأ الصراع مع الشعوب المحيطة التي تريد فرض نفوذها على أجدادنا الأردنيين المؤابيين، فتصدوا لهذه الاعتداءات في نفس الوقت الذي شرعوا به ببناء الدولة، وتثبيت أركانها، وتطوير النشاط الاقتصادي، وكانت عملية بناء جبارة، في وجه طبيعة قاسية لا يملك القدرة على تطويعها سوا الأردنيين.

على هذه القاعدة بدأ أجدادنا الأردنيون المؤابيون تأسيس دولتهم، بعنفوان وعزيمة منقطعتي النظير، حيث بدؤوا عملية البناء جنبا إلى جنب مع عملية إثبات الوجود وترهيب كل الطامعين بالتغول على الأراضي الأردنية المؤابية.

استطاع الأردنيون المؤابيون، انتزاع أراض من القبائل الأمورية شمال وادي الموجب (أرنون)، وتثبيت حدودهم، وفرض الرهبة على الساكنين غرب البحر الميت، كما صدوا جميع الهجمات القادمة من القبائل الشرقية، وبنوا الحصون فأمنوا بذلك حدود مملكتهم.

الصدام المؤابي الأول مع القبائل العبرانية 

عند وصول القبائل العبرانية إلى الأردن قادمين من مصر، حاولوا بداية المرور عبر أراضي المملكة الأردنية الأدومية، إلى أن أجدادنا الأردنيين الأدوميين رفضوا هذا الأمر، من ثم حاولت هذه القبائل العبور عبر أراضي المملكة الأردنية المؤابية، وقوبل طلبهم بالرفض والوعيد بقتالهم اذا ما حاولوا المرور عبر الأراضي الأردنية المؤابية.

منذ أن وقعت هذه الحادثة، ضمرت القبائل العبرانية العداء والحقد لأجدادنا الأردنيين الأوائل، في الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون)، إلا أن الأردنيين المؤابيين، لم يستشعروا خطر القبائل العبرانية آنذاك، معتمدين على قوتهم وقناعة منهم أن لا أطماع لدى القبائل العبرانية في الأراضي الأردنية.

في هذه الأثناء استطاعت القبائل العبرانية هزيمة المملكة الأمورية شمال وادي الموجب (أرنون)، وبدت أطماعها واضحة في الأراضي المؤابية الأردنية، إلا أن أجدادنا الأردنيين المؤابيين لم يكترثوا لهذه المخاطر، ايماناً منهم بقوتهم العسكرية التي أثبتت حضورها في أكثر من معترك.

عندما نزل العبرانيون في المدينة الأمورية (شطيم)، أغواهم الأردنيون المؤابيون من سكان المناطق المجاورة لتناول ولائم قدمت كقرابين للآلهة المؤابية، كما جعلوهم يسجدون لآلهة مؤاب، امعاناً باحتقار العبرانيين الطارئين على المنطقة وتحجيمهم، هذا الأمر زاد من حقد وكراهية العبرانيين لأجدادنا الأردنيين المؤابيين، حتى قالوا أن ذرية مؤاب لن تدخل في جماعة الرب.

تمركز العبرانيون في المناطق التي سيطروا عليها، وعندما تخلصوا من الأخطار المحيطة بهم، وثبت الأمر لهم، قام العبرانيون القاطنون في شيحون الأمورية، بإعادة ترديد أناشيد السخرية التي كان يستخدمها الأموريون ضد الأردنيين المؤابيين، هذه الأناشيد التي تمزج بين الاستهزاء واستجلاب اللعنات على الأعداء، الأمر الذي نبه الملك الأردني المؤابي بالاق إلى أطماع القبائل العبرانية، وتحديدا في أراضي مؤاب الأردنية.

قام العبرانيون بالسيطرة على بعض الأراضي المؤابية الأردنية الواقعة إلى الشمال، في هذه اللحظات وفي محاولة لإبطال مفعول أناشيد السخرية التي رددها العبرانيون، دعا الملك الأردني المؤابي بالاق، الكاهن المؤابي الأعظم بلعام، للاجتماع معه ومع كبار الحكماء الأردنيين المؤابيين، وقد جهز الملك بالاق الأضاحي للآلهة في انتظار أن يقوم الكاهن الأعظم بلَعْن العبرانيين، إلا أن الكاهن الأعظم كان يعلم أن القبائل العبرانية في عز قوتها في هذا الوقت الأمر الذي جعله يمتنع عن الرد على لعنات العبرانيين، فدب الحذر والتوجس في نفس الملك الأردني المؤابي بالاق، واكتفى باتخاذ تدابير وقائية في مواجهة العبرانيين، ومهادنتهم.

الملك الأردني المؤابي عجلون – مرحلة ذهبية في تاريخ المملكة الأردنية المؤابية

عقد الملك الأردني المؤابي عجلون، حلفا سياسياً عسكرياً مع أشقاءه الأردنيين العمونيين، ومع جيرانه العماليق في مواجهة التغطرس الذي يمارسه العبرانيون، بعد أن استطاع طردهم من الأراضي الأردنية، إذ أنه دخل هذا التحالف في موقف من القوة لا الضعف.

واتفقت مصالح هذا الحلف على توسيع رقعة سيطرتهم على الأراضي وتقليص نفوذ العبرانيين قدر المستطاع، وصد هجمات القبائل الخارجة عن نفوذ المملكة جنوبا وشرقا.

استطاع الملك المؤابي الأردني عجلون، توسيع رقعة مملكته حيث ضم أراض واسعة تقع شرقي نهر الأردن والبحر الميت، ووسع نفوذه السياسي داخل مناطق نفوذ العبرانيين، حيث فرض الجزية عليهم لمدة ثمانية عشر عاماً.

اغتيال الملك الأردني المؤابي عجلون 

على سبر القادة والزعماء الأردنيين، منذ فجر التاريخ، لا يمكن ترهيبهم أو شراء مواقفهم، ولا يمكن الحد من انطلاقتهم سواء بالقتل والغدر، قضى الملك الأردني المؤابي عجلون، غيلة على يد أحد زعماء القبائل العبرانية.

جاء اهود البنيامين أحد زعماء القبائل العبرانيين والذين كانوا يدفعون الجزية للمملكة الأردنية المؤابية، وقام بتقديم الجزية والهدايا بين يدي الملك الأردني المؤابي عجلون، ومن ثم قام بالخروج، ليستطيع إقناع الملك وحاشيته بحسن نواياه، ثم عاد بعد ذلك بوقت قصير وطلب لقاء الملك بشكل انفرادي، حيث ادعى أنه يحمل نبوءة تخص الحروب القادمة التي سيخوضها الملك عجلون مع أعداءه، فلم يخطر على بال الملك ومستشاريه أن هذا الرجل يخطط لاغتيال الملك، وكان اهود البنيامين قد أخفى سيفا تحت ثيابه، وعندما اختلى بالملك قام بطعنه طعنة قاتلة ولاذ بالفرار.

في اللحظة التي وصل بها اهود إلى قومه، قام بحثهم على محاربة المؤابيين، الذين كانوا في حالة من الصدمة والتشتت بسبب قتل ملكهم، فهاجموا الحصون المؤابية في الأراضي التي احتلوها لينسحب المؤابيون بدورهم إلى حدودهم القديمة، ولكنهم لم يستطيعوا التقدم أكثر من ذلك.

الحلف الأردني المؤابي العموني وتوازن القوى

عاشت المنطقة نحو جيلين من السلم بعد حادثة اغتيال الملك الأردني المؤابي عجلون، انشغل فيها الجميع باستصلاح الأراضي وتطوير إمكانياتها، إلا أن هذا السلم لم يدم، حيث بدأت العديد من القبائل العبرانية بالزحف جنوبا وشرقا داخل الأراضي الأردنية المؤابية والعمونية، مما دعا المملكتين الأردنيتين لتشكيل حلف عسكري لطرد هذه القبائل من داخل حدودهم قبل أن تقوم بتثبيت أوضاعها داخل هذه الأراضي، فاستطاع هذا الحلف الأردني صدّ هذه القبائل وإعادتها خارج الحدود الأردنية، وانتهت هذه الفترة بحالة من توازن القوى.

الملك داوود – اللجوء للأردنيين المؤابيين من ثم الانقلاب عليهم

أثناء الصراع الذي دار بين داوود قبل أن يصبح ملكاً والملك شاؤول، لجأ داوود إلى المملكة الأردنية المؤابية، مع أبوه وأمه، واحتمى فترة من الزمن داخل المملكة الأردنية المؤابية، وعندما عاد إلى بلاده ليكمل صراعه مع شاؤول، ترك أبواه أمانة في المملكة الأردنية المؤابية، وحفظ الأردنيين المؤابيين هذه الأمانة.

ولكن عندما انتصر داود على شاؤول، وأصبح ملكاً على جميع القبائل العبرانية، وبعد أن استقر له الأمر، واستعاد والداه، قام بالانقلاب على الأردنيين المؤابيين، وحاربهم، واستطاع الانتصار عليهم على حين غرة، وفرض سيطرته على مملكة مؤاب الأردنية.

الملك سليمان – استمرار النفوذ العبراني ولكن

استمرت طبيعة النفوذ العبراني على الأردنيين المؤابيين كما هي في عهد الملك سليمان، إلا أنه كان يحترم المعتقدات الدينية للشعوب الأخرى، ولقد تزوج من امرأة مؤابية وبنى لها معبداً للإله المؤابي كموش، ويعتقد بعض المؤرخين أنه كان يؤمن بآخر أيام حياته بمعتقدات الأردنيين المؤابيين والعمونيين، الأمر الذي دفع المؤابيين للحفاظ على هذه الحالة من الاستقرار وعدم الثورة عليه، على عكس شعبه الذي أبدى تململا من تصرفات الملك سليمان.

الملك الأردني المؤابي ميشع – ذروة قوة المملكة الأردنية المؤابية

مسلة ميشع
Henri Sivonen from Helsinki, Finland – Mesha Stele
aka. the Moabite Stone (2007-05-19T14-10-19.jpg)

استطاع الملك الأردني المؤابي ميشع تحرير مملكته من النفوذ العبراني، وحارب مملكتي اسرائيل ويهوذا، واحتل أجزاءً واسعة من أراضيهم، وضرب أمثلة عظيمة بتضحية القائد، حيث قدم ابنه قرباناً لحماية الكرك (قير حارسة).

بدأ الملك الاردني ميشع بعد ذلك بتثبيت أركان حكمه، وبسط نفوذه على مناطق واسعة مجاورة لمملكته، كما شرع بعملية البناء، للمدن والحصون، وأشعل ثورة عظيمة في مجال الزراعة، لتعيش المملكة الأردنية المؤابية في عهده مرحلة من العظمة والتطور، استطاع فيها أجدادنا الأردنيون المؤابيون العيش في ظروف من الرفاهية، أتاحت لهم الفرصة للتطور الثقافي والفني.

الخاتمة

بعد وفاة الملك الأردني المؤابي ميشع، بدأت الحالة السياسية والعسكرية تتراجع بشكل عام داخل المملكة الأردنية المؤابية، بالإضافة إلى بدء انهيار المنظومة الإقليمية والدولية السائدة منذ عدة قرون، حيث نشأت امبراطوريات على ركام امبراطوريات أخرى، وبدا أسلوبها بالتعامل مع الأقاليم الغير خاضعة لسلطتها المباشرة بالتغيّر، هذه الأمور جميعها حدت بالمملكة الأردنية المؤابية إلى الاضمحلال شيئاً فشيئاً ككيان سياسي، إلا أن الثقافة والوجود الحضاري الأردني المؤابي امتد قروناً لاحقة، وبالطبع استمرت ذكرى الأردنيين المؤابيين، سراجاً مضيئاً في مجمل التاريخ البشري.

المراجع

  1. كفافي ، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية و الحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  2. A.H.Van Zyl، تعريب وإعداد، ياسين، د. خير نمر، (1990)، المؤابيون، الجامعة الأردنية عمان
  3. أبحاث إرث الأردن، الملك الأردني المؤابي ميشع
  4. أبحاث إرث الأردن، نشأة مملكة مؤاب الأردنية
  5. أبحاث إرث الأردن، مدخل عام لنشأة الدولة الوطنية في الأردن القديم