المملكة الأردنية المؤابية – الملوك

شاطئ البحر الميت الشمالي 1862

مقدمة

اتسمت المملكة الأردنية المؤابية بكثرة صراعها مع جوارها حسب بعض المؤرخين، وخصوصاً العبرانيين، إلا أن هذه السمة سمةٌ اعتباطية فيها الكثير من التعميم وتستند إلى بعض الحروب والصراعات التي خاضها أجدادنا الأردنيون المؤابيون، تناست هذه القراءة أن نشأة هذه المملكة الأردنية اعتمدت بالأساس على قدرتها العالية على صهر المكونات المختلفة في ثقافتها، وأنها نشأت أيضا في لحظة تاريخية كان بإمكان أجدادنا الأردنيين المؤابيين أن يلغوا كامل ثقافة ووجود الإميين الذين استطاعوا انتزاع النفوذ منهم، لكنهم آثروا الاندماج واحترام الوجود الإيمي، وعلى الرغم من ذلك فإن أكثر الملوك الأردنيين شهرة والذين وصلتنا أخبارهم ارتبطت أسماؤهم بصراعات وحروب كان لا مفر منها في ذلك الوقت، وفي بحثنا هذا سنحاول استعراض سيرة موجزة لأبرز الملوك الأردنيين المؤابيين وما استطعنا الوصول إليه من معلومات عن فترة حكمهم.

الملك الأردني المؤابي بالاق

وادي الموجب 1900 نهاية القرن التاسع عشر شمال الكرك وعرف بنهر ارنون وتم ذكره في مسلة ميشع الملك المؤابي الأردني قبل الميلاد (2)

حكم الملك الأردني المؤابي بالاق مع بداية استقرار القبائل العبرانية في المنطقة، ويرد اسمه في المصادر التاريخية على أنه بالاق بن صفور ملك المؤابيين، الأمر الذي يؤكد عراقة النظام السياسي الذي بناه الأردنيون المؤابيون في تلك المرحلة، على عكس ما تناقض به المصادر التاريخية نفسها حين تقول أن نشأة المملكة الأردنية المؤابية تزامنت مع وجود العبرانيين في المنطقة.

تذكر المصادر التاريخية أنه عند استقرار بعض القبائل العبرانية بالقرب من عربوت مؤاب وهي المنطقة المحاذية لوادي الأردن من شمال البحر الميت حتى وادي نمرين، قام أجدادنا الأردنيون المؤابيون بدعوة العبرانيين على ولائم ذبحت قرابيناً للآلهة الأردنية المؤابية فلبّى العبرانيون دعوتهم وشاركوا في الطقوس التعبدية للآلهة الأردنية المؤابية، وشربوا نبيذ العنب الذي صنعه الأردنيون المؤابيون، ووصل بهم الأمر أن سجدوا للآلهة الأردنية المؤابية، هذا الفعل ولد حقداً مستمراً لدى العبرانيين، حيث اتخذوا أناشيد السخرية التي كان يطلقها شعب المملكة الأمورية شمال وادي الموجب في مواجهة الأردنيين المؤابيين، وبدأ كهنتهم بإطلاق اللعنات على الشعب الأردني المؤابي، وقد كان هذا كله استثماراً للدين في الحرب السياسية وغطاءً على أطماعهم في الأراضي الأردنية الواقعة شمالي وادي الموجب (أرنون).

تنبه الملك الأردني المؤابي بالاق إلى جدية المسألة مبكرا، فأرسل في طلب الكاهن الأردني المؤابي الأكبر بلعام ليرد اللعنات على العبرانيين، إلا أن الكاهن بلعام استطاع تقدير الموقف، وتوازن القوى بين الأردنيين المؤابيين وبين العبرانيين المنتشين بنصرهم، فلم يقم برد اللعنات مما يحمل رسالة واضحة للملك الأردني المؤابي بالاق بعدم التهور والاشتباك مع العبرانيين والعمل على تعظيم قوة الأردنيين المؤابيين وانتظار الوقت المناسب، وهذا ما فعله الملك بالاق، واستطاع الحفاظ على السلم في المنطقة لما يقارب الجيلين من بعده.

الملك الأردني المؤابي عجلون

بعد سنوات من حالة التوازن الحذر التي عمت المنطقة، استطاع الأردنيون المؤابيون بقيادة الملك الأردني المؤابي عجلون اعادة سيطرتهم الكاملة على أراضيهم الواقعة إلى الشمال من وادي الموجب (أرنون)، والمسماة عربوت مؤاب، وعقب ذلك استطاع الملك الأردني المؤابي عجلون استثمار الحالة السياسية القائمة وتشكيل حلف يجمع الأردنيين المؤابيين والأردنيين العمونيين والعماليق، حيث أن الأردنيين العمونيين هم بطبيعة الحال حلفاء أبناء عمومتهم الأردنيين المؤابيين، فيما استطاع الملك عجلون استغلال طموح العماليق في العودة إلى أراضيهم بالإضافة لكراهيتهم للعبرانيين، وتوظيفها في تشكيل هذا الحلف الذي استطاع الدخول في عمق أراضي العبرانيين، وفرض السيطرة على أجزاء مهمة منها.

عندما استقر الأمر للملك الأردني المؤابي عجلون، وثبت نفوذه على بشكل كامل على الأراضي التي اجتاحها، قام بفرض الجزية على القبائل العبرانية القاطنة تحت سلطته، واستطاع أخذ الجزية منهم لمدة ثمانية عشر عاماً، في ذلك الوقت كانت إحدى القبائل العبرانية الخاضعة للسلطة الأردنية المؤابية وهي قبيلة بنيامين قد ضاقت ذرعاً بالحال القائم، ولكنهم جبنوا عن المواجهة المباشرة مع الملك الأردني المؤابي عجلون.

رتب أحد زعماء قبيلة بنيامين، وهو أهود البنياميني أمر اغتيال الملك الأردني المؤابي عجلون، حيث زار الملك في معسكره أثناء حملة تفقدية للمناطق الواقعة تحت نفوذه لتقديم الجزية والهدايا، حيث قدمها ثم انصرف ليحاول بث الطمأنينة في قلب الملك وحاشيته، ثم ما لبث أن عاد مدعياً أنه يحمل نبوءة حول الحروب التي سيخوضها الملك عجلون، بالإضافة إلى معلومات عن أعداءه، وطلب أن يجتمع بالملك وحيداً ونتيجة للمقدمات المطمئنة، ولاستبعاد الملك وحاشيته أن يتجرأ العبرانيون على إثارة غضب الأردنيين المؤابيين، فقد وافقوا على أن يجتمع بنيامين بالملك وحيداً، وحينها استطاع بنيامين أن يغتال الملك عجلون ويلوذ بالفرار، واستغل العبرانيون حالة الفوضى القائمة لدى الأردنيين المؤابيين عقب مقتل ملكهم، واستطاعوا الخروج عن السيطرة المؤابية، فيما حاولوا التوغل داخل الأراضي الأردنية المؤابية ولكنهم لم يفلحوا.

الملك الأردني المؤابي كموشيت

قلعة الكرك إبان ثورة الكرك حبث وجد حجر كموشيت

المعلومات الواردة عن الملك الأردني المؤابي كموشيت معلومات ضئيلة، حيث وجدت في إحدى الحفريات الأثرية في محيط قلعة الكرك (قير مؤاب) قطعة حجرية متشظية عن مسلة كتب فيها أربعة أسطر تحمل اسم الملك الأردني المؤابي كموشيت، ويعتقد أن هذه المسلة توثق إنجازات الملك العمرانية، والجدير بالذكر أن الملك كموشيت هو والد الملك الأردني المؤابي ميشع.

الملك الأردني المؤابي ميشع

مسلة ميشع
Henri Sivonen from Helsinki, Finland – Mesha Stele
aka. the Moabite Stone (2007-05-19T14-10-19.jpg)

تعرض أجدادنا الأردنيون المؤابيون  قبيل تولي الملك الأردني المؤابي ميشع لحالة من الضعف، استطاع  العبرانيون خلالها فرض سيطرتهم على المنطقة، إلى أن استطاع ميشع استثمار الروح الوطنية الرافضة للخضوع لدى أجدادنا الأردنيين المؤابيين، وقاد ثورة عظيمة استطاع خلالها تحطيم النفوذ العبراني وملاحقتهم داخل حدودهم وفرض السيطرة المؤابية على أجزاء واسعة من أراضي مملكة يهوذا، الأمر الذي أعطى دافعاً لأجدادنا الأردنيين الأدوميين والأردنيين العمونيين للانقضاض على مملكتي يهوذا واسرائيل.

ولم تتوقف إنجازات الملك الأردني المؤابي ميشع على الانتصار في الحروب بل إن انجازاته الحضارية كانت أكثر أهمية، حيث أطلق ثورة زراعية تهدف إلى تنظيم النشاط الزراعي وتضخيم مخرجاته، جنباً إلى جنب مع نشاط عمراني ضخم، حيث عمّر المدن والقرى المخربة، وأنشأ مدناً حديثة، كما قام ببناء معابد للإله الأردني المؤابي كموش، وقام أيضاً بتوثيق تجربته في نقش على مسلة حجرية تعتبر ذات أهمية تاريخية كبيرة بالإضافة إلى المصداقية لتغطية تلك المرحلة الهامة من تاريخ الإقليم التي تعرضت لكثير من الاختلاق والتشويه.

المراجع

  1. A.H.Van Zyl، تعريب وإعداد، ياسين، د. خير نمر، (1990)، المؤابيون، الجامعة الأردنية عمان
  2. أبحاث إرث الأردن، الملك الأردني المؤابي ميشع
  3. أبحاث إرث الأردن، المملكة الأردنية المؤابية – مراحل القوة والضعف