آلات النفخ الموسيقيّة الأردنية

مقدمة

تُعرَّفُ آلات النفخ الموسيقية على أنها الآلات التي يصدر منها الصوت عبر مرور الهواء من خلال أجزائها، وتعتبر الآلات النفخية أوّل الآلات الموسيقيّة التي عرفها الإنسان في التاريخ، إذ كانت الرياح التي تمر بين ثقوب خشب الأشجار والصخور والعظام تصدر صفيرًا لَفَت سمع الإنسان وجعله لاحقًا يستفيد منه في صنع نماذج بدائية لآلات نفخية أحاديّة الصوت يستخدمها لمحاكاة أصوات الطبيعة، ثم اهتدى لاحقاً إلى فكرة إحداث الثقوب في الأنابيب لإخراج عدة أصوات من الأنبوب الواحد، ومع مرور الزمن وتطوّر الحضارة الإنسانيّة ظلت هذه النماذج تتطوّر حتى أفضت إلى ابتكار آلات موسيقيّة نفخية مازالت حتى يومنا هذا تُستخدم في أداء الموسيقى.

عرف الإنسان الأردني، منذ أزمانٍ بعيدةْ، الآلات الموسيقيّة، صُنعًا وتطويرًا وأداءً، ودلّت الآثار التاريخيّة على أهميّة الموسيقى في الحضارات الأردنيّة القديمة، وكنا قد تناولنا في أبحاث سابقة الموسيقى عند الأردنيين الأنباط ودور المرأة النبطية في الحياة الموسيقيّة آنذاك. فيما نتناول في هذا البحث الآلات النفخية الأردنيّة التي عرفها الأردنيون قديمًا ولازالت تُستخدم لمرافقة الغناء والرقصات الشعبيّة والعروض الرسميّة، وهي : الشبّابة، المجوز، اليرغول، والقربة.

الشبابة

أو الشُّبّيبة، وهي آلة نفخية تمتاز بصوت الصفير العذب، موجودة منذ حضارة الأردنيين الأنباط، إذ ظهرت في لوحة يعزف عليها طفلٌ مُجنَّح يُعتقد أنه الإله بان، ويرى باحثون أنها الآلة التي تطوّرت عنها نماذج أدّت إلى ظهور آلة الناي و Flute الشهيرتين في الشرق والغرب.

لوحة نبطية يُعتقد أنها للإله بان

تُصنعُ الشبّابة من القصب (القُصّيب)، وتتكون من قصبة واحدة مستقيمة وجوفاء، مفتوحة الطرفين، ويتم ثقبها في خمس أو ست مواضع على ظهرها، وتكون الثقوب متساوية الاتساع وتفصل بينها أبعادٌ محدّدة. وبالرغم من نضوب مجاري المياه الطبيعيّة في الأردن وندرة القصب الذي ينبت على حوافّ الأنهار والسيول، لم يخفت اهتمام الأردنيين بهذه الآلة، بل لجؤوا لصناعتها من مواد صناعيّة بلاستيكيّة أو معدنية للحفاظ على وجودها بين الآلات الموسيقيّة الشعبيّة.

تُعتبرُ آلة الشبّابة الأكثر انتشارًا في الأردن، إذ أنها حاضرة وبقوّة في الأرياف والبوادي على حدٍّ سواء، فهي في الرّيف من الآلات التي ترافق الدبكات، في حين أنها في البادية ونيسة الراعي ورفيقة دربه في المنحدرات والأودية وفضاءات الرّعي الواسعة.

الراعي الفتى يعزف على شبّابته أثناء الرعي في ربوع الأغوار الأردنية عام 1914

هناك العديد من الألوان الغنائية الأردنيّة مثل الدلعونا والزجل والعتابا وظريف الطول ويا علّا .. وغيرها من الألوان الغنائية التي يزدحم بها الإرث الموسيقيّ الأردني، يرتبط غناؤها بمرافقة آلة الشبابة حصرًا دونًا عن الآلات النغمية الأخرى، وبالذات في شمال الأردن، كما أننا نجد الشبّابة حاضرة وبقوّة مع الدبكات الأردنية، ولعل الدبكة التسعاوية الشهيرة في محافظة معان جنوب الأردن نموذجٌ حيٌّ على مرافقة الشبّابة للدبكات.

يكون العزف على الشبّابة بواحدةٍ من الطريقتين التقليديتين المتعارف عليهما في الأردن، الأولى أن يضع العازف الفتحة العلوية للشبّابة على الشفّة السفلى لفمه وينفث الهواء بشكلٍ جانبيٍّ، وهي طريقةٌ شبيهة بآلية العزف وإخراج الصوت من آلة Flute التي تعتبر من أهم آلات النفخ في الأوركسترا السّيمفوني. أما الطريقة الثانية فتكون بأن يضع العازف الفتحة العلوية لأنبوب الشبّابة على نابه العلوي، وهذه الطريقة مريحة أكثر للعازف بحيث لا تتسبّب بإجهاد شفتيه أو تعرّضهما للإصابات خصوصًا عند العزف لفترات طويلة وبشكل متواصل. ينحصر المدى الصوتي لآلة الشبّابة بين ست وسبع نغمات موسيقيّة بالكاد تمثّل سلّمًا موسيقيًا كامل الدرجات، ويمكن الوصول إلى عدد نغمات أكبر من ذلك بحسب مدى براعة العازف واحترافيّته وقدرته على مضاعفة قوّة النفخ وشدّ الشفاه للحصول على نغمات عالية تُدعى بالـ “جوابات”. وكمثل آلة الربابة التي يصنعها عازفها بنفسه، فإن ثمة علاقة خاصة بين عازف الشبّابة وشبّابته تنعكس على أدائه الموسيقي عليها، لذا فإنه يصعب عليه إعارتها لغيره، أو العزف على شبّابة أخرى، ويعود ذلك للثقة الآتية من الاعتياد على مقاسات الآلة وطبيعة صوتها التي تعتمد على الاختلاف البسيط في المقاسات والتفاصيل وجودة الخشب من شبّابة لأخرى.

المجوز

تعتبر آلة المجوز في المرتبة الثانية بعد الشبّابة من حيث مدى انتشارها، ويرتبط أداؤها بالدبكات والرقصات الريفيّة، ويكاد لا يكون لها وجودٌ في البادية. والمجوز هي آلة نفخية تمتاز بصوتها القوي والصادح، وتُصنَع قديمًا من القصب وعظام النّسر، وحديثًا من المواد الصناعية مثل المعدن والبلاستيك.

تدل الآثار المُكتشفة عن حضارة الأردنيين الأنباط على وجود آلة المجوز منذ ذلك الزمن وحتى يومنا هذا، إذ ظهرت هذه الآلة في التمثال الشهير الذي يمثّل أول فرقة موسيقية أردنية مكتشفة في التاريخ، يعزف عليها أحد العازفين الذكور وعلى جانبيه إمرأتان موسيقيتان تعزفان على القيثارة والخرخاشة، ويُعرف المجوز في المراجع والكتب المتخصصة في الآثار والتي تشرح تفاصيل هذا التمثال على أنه “الناي المزدوج”، في إشارة واضحة لأصول تسمية المجوز الذي نعرفه اليوم.

رسم توضيحي لتمثال نبطي يمثّل أول فرقة موسيقيّة أردنيّة يظهر فيها المجوز ويُعرف بالناي المزدوج

يصنعُ آلة المجوز عادةً عازفُها بنفسه، وتتكوّن بشكل رئيسي من أنبوبتين متساويتي الطّول، ملتصقتان ببعضهما البعض بواسطة شمع العسل الذي يُذاب ويُستخدم كمادة لاصقة، وتتكون آلة المجوز من مكوّنات فرعية هي كما يلي :

  • البنيّات : وهما قصبتان رفيعتان مكونتان من عقلتين صغيرتين من قصب الغاب (البوص)، طول الواحدة منها حوالي 5 سم وقطرها 1 سم، تكونا مفتوحتين من أحد الطرفين ومغلقتين من الطرف الآخر، لكنّهما مشقوقتان طوليًا عند الطرف العلوي المُغلق، ووظيفة هذا الشق هو إصدار الصوت ذات الطابع التزميري، فتصبح هاتان البنيّتان بمثابة الزمّارة (الزمّيرة)، أو الجزء المصوّت الذي يصدر منه صوت المجوز الأساسي. وبمعنى آخر فإنه من الممكن اعتبار البنيّات على أنها (Mouth Piece ) في المجوز.
  • العرايس : وهما قصبتان من خشب الغاب (البوص)، وتمثلان حلقة الوصل بين البنيّات واللعّابات، تدخل كل عروسة في واحدة من البنيّات من طرفها العلوي، وبإحدى اللعّابتين من الطرف السفلي.
  • اللعّابات : وهما قصبتان ملتصقتان طول الواحدة منهما تقريبًا 30 سم، واللعابة هي الأنبوب الذي يصل إليها الصوت الصادر من البنيّات عبر العرايس، ويتضخم فيهما عبر ارتجاجه في الجدار الداخلي لكلّ لعّابة. وعلى الوجه العلوي لللعّابتين خمس أو ست فتحات متساويات في القطر وفي الأبعاد التي تفصل بينها.

يكون المدى الصوتي لآلة المجوز بالعادة بين 5 إلى 6 نغمات، بعدد الثقوب الموجودة على ظهر اللعابتين، مضافًا إليها نغمة أخرى هي الصادرة من خلال الفتحتين الرئيسيتين السفليتين لهما. ويصدر الصوت من آلة المجوز عبر اصطدام الهواء الذي ينفخه العازف ويدفع به عبر البنيّات، والتي سبق وأن وضحنا في أعلاه أنهما الجزء المصوّت في آلة المجوز، وينتج عن اهتزاز الهواء في البنيّات صوت الزمير الذي ينتقل عبر العرايس إلى اللعّابات ليتم تضخيمه فيهما، وعندئذٍ تكون النغمة الصادرة هي النغمة الأساس للآلة، يتم تغييرها من خلال سد وفتح الثقوب الموجودة على ظهر اللعابتين بواسطة أصابع العازف. وتتميّز آلة المجوز بأنها تُصدر صوتًا مكررًا من الأنبوبتين معًا في نفس اللحظة  (Unison)، وهذا هو السر الصوتي لآلة المجوز والتي يميّزها عن الشبّابة. يتطلب العزف على آلة المجوز استخدام تقنية تدوير الهواء من قِبَل العازف، وهي تقنية ليست بالسهلة، إذ يقوم العازف بتزويد رئتيه بالهواء عبر الأنف في الوقت نفسه الذي يقوم به بنفخ الهواء عبر فمه، ويمكن تحقيق ذلك من خلال جعل الفم مخزن للهواء المدفوع بقوّة عضلات الوجه لحين انتهاء عملية الشهيق من الأنف.

اليرغول

آلة اليرغول هي الآلة الأقل انتشارًا بالمقارنة مع الشبّابة والمجوز، وعلى الرغم من ذلك فهي مشهورة ومعروفة في المناطق الشمالية والوسطى وبنوعٍ خاصٍ في الأغوار الأردنية، ويمكن القول أن اليرغول قد تكون آلة تطوّرت مع الزمن عن آلة المجوز، وذلك بالنظر إلى شبه التطابق الكلّي في المكوّنات الرئيسية وأسلوب العزف عليها والتشابه الكبير في الصّوت الناتج عن الآلتين، وأيضًا؛ فإن اليرغول كالمجوز، آلة يتم العزف عليها لمرافقة الأغاني والأهازيج والدبكات والرقصات التي تؤدّى في مناطق انتشارها.

تُصنع آلة اليرغول من ذات المكوّنات التي تُصنع منها آلة المجوز، وتتكوّن من ذات الأجزاء الرئيسيّة التي في المجوز، من البنيّات، العرايس. إلا أن ما يميّز اليرغول هو وجود لعّابة واحدة فقط، وبجانبها لعّابة طويلة أخرى تُدعى الدوّاية، وسبب تسميتها بهذا الاسم لأنها تحافظ على دوي صوت ثابت طيلة العزف، بينما تقوم اللعّابة بنفس الدور الذي تؤديه في المجوز، ويكون طول اللعّابة في اليرغول كما في المجوز، إلا أن الدوّاية يتجاوز طولها 30 سم ولا يتم ثقبها بأية ثقوب، وتكون صفة الصوت الصادر من الدوّاية أنه صوت غليظ مستمرّ لا يتغيّر يُعطي نغمة القرار (3) للمقام الموسيقي الذي تؤدّى عليه المعزوفة أو اللحن.

القربة

في السياق الذي يتصل بتميّز السلوك الموسيقي الأردني بصفة الانفتاح والتفاعل الإيجابي مع الحضارات الأخرى منذ عهد الأردنيين الأنباط الذين أخذوا نماذج موسيقيّة من حضارات أخرى وتبنّوها وصارت جزءًا من ثقافتهم الموسيقيّة، فإن آلة القربة نموذج معاصر على هذا السلوك المتجذّر في الشخصيّة الأردنية.

دخلت آلة القربة إلى عائلة الآلات النفخية الأردنية واشتهرت من خلال فرقة موسيقات القوّات المسلّحة الأردنيّة، والتي تشكّلت أولى أنويتها مع طلائع جيش التحرير الذي قاد معارك الثورة العربيّة الكبرى للتخلّص من نير الاحتلال العثماني، وقد أخذتها الفرق العسكرية الأردنية الأولى عن الجيش البريطاني الذي كان حليفا لقوات الثورة، ولاحقاً بموجب الانتداب كان يُشرف على تدريب نواة القوات المسلحة الأردنية. وآلة القربة أو Bagpipes هي آلة نفخية رئيسية في موسيقات الجيش البريطاني، إلا أنها في الأردن ومع مرور الزمن تزيّن صوتها بأداء الألحان التراثية والمارشات العسكريّة الأردنية، حتى بات طابعها الصوتيّ في فرق وأوركسترا موسيقات الجيش الأردني متميّز عن نظيرتها البريطانيّة في الرّوح الأدائيّة والإيقاعيّة للألحان التي تُعزَف عليها.

تتكوّن آلة القربة من المكوّنات التالية :

  • أنبوب الهواء : يضعه العازف على فمه ليقوم بتزويد القربة بالهواء.
  • القربة : وهي مخزن الهواء الذي يقوم بتوزيعه على مخارج الآلة التي تصدر منها الأصوات.
  • اللعّابة : وتُسمّى باللغة الإنجليزية Chanter، وهي أنبوب يحتوي على عدد من الثقوب، ويتصل بأسفل القربة، يضع عليه العازف أصابع يديه ليقوم بتنغيم الصوت الصادر عن اهتزاز ريشة العزف Reed Chanter ومروره بالأنبوب.
  • الدوّايات : وبالإنجليزية تُسمّى Drones، وهي أنابيب طويلة تخرج من أعلى القربة، وتُصدر أصواتًا ثابتة طيلة العزف، وتشبه بدورها ما تقوم به الدوّاية في آلة اليرغول. وفي الوقت الذي تمتلك فيه القربة الإنجليزية التراثية دوّاية واحدة، فإن القربة الأردنية والمأخوذة عن الاسكُتلندية فإنها تمتلك عدّة دوّايات.

فريق الموسيقى النسائي في سلاح موسيقات القوات المسلّحة الأردنية

تمثّل القربة اليوم آلة نفخية مهمّة في موسيقات القوّات المسلّحة الأردنيّة، وهي تعزف ألحانًا هامة في البرنامج الموسيقيّ العسكري، الذي تمثّل ألحانه طقوسًا ومراسم عسكرية متنوّعة في الاستعراضات الاحتفالية والجنائز العسكريّة وغيرها. كما أن أجيالاً من المتقاعدين العسكريين من سلاح الموسيقات ساهموا بنقلها إلى الحياة المدنيّة، من خلال تشكيل فرق الاحتفالات الشعبيّة التي ترتبط بمناسبات الزفاف والتخرّج. كما أن القربة باتت اليوم الآلة الموسيقية الرئيسية في فرق الكشّافة والشبيبة الكنسية، وتؤدّى عليها العديد من الألحان الوطنية والشعبيّة في الاحتفالات الكنسية واستقبال رجال الدين المسيحي رفيعي المستوى خلال زياراتهم الرعوية للأردن.

تعريف مفردات البحث

  • Mouth Piece : أي قطعة الفم، وهي إحدى أجزاء الآلات النفخية (الخشبيّة والنحاسية) التي يتم تركيبها عند أعلى الآلة ليضعها العازف على فمه ويتمكّن من نفخ الهواء عبرها لتصدر الصوت منها وينتقل إلى تجويف جسد الآلة النفخية ويتضخّم فيه.
  • Unison : عزف أو غناء نغمتين بنفس الدرجة الصوتية في آنٍ معًا.
  • نغمة القرار : النغمة الأساس في المقام والسلّم الموسيقي، وتُسمّى أيضًا بدرجة الرّكوز.

المراجع

  • غوانمة، محمّد، آلات النفخ الموسيقيّة الشعبيّة في الأردن، جامعة اليرموك، إربد، الأردن.
  • حجاب، نمر حسن، الأغنية الشعبيّة في عمّان، 2003، موسوعة عمّان التراثيّة (5)، منشورات أمانة عمّان الكبرى، عمّان، الأردن.
  • الخشمان، مصطفى، الأغاني الأردنيّة في الجنوب، 2016، وزارة الثقافة الأردنيّة، عمّان، الأردن.
  • الزّعبي، أحمد شريف، الأغاني الشعبيّة الأردنيّة، 2015، وزارة الثقافة الأردنيّة، عمّان، الأردن.