الهندسة الأردنية النبطية في بناء خزّانات المياه

مقدّمة

برع الأردنيون الأنباط في إنشاء وتطوير المنشآت المائية التي كان وما زال بعضها محط لغز لدى العديد من دارسي هذه الحضارة الأردنية العظيمة، ومن المعروف أن الأردنيين الأنباط انتشروا بنفوذهم في الأراضي الجنوبية من الاردن بداية تأسيسهم للمملكة الأردنية النبطية والتي كانت عُرفت بشُح المياه وتذبذب المواسم المطرية، فضلا عن  توسع رقعة المملكة ما بين القرنين الأول والثاني الميلادي، والزيادات السكانية الحاصلة فإنه كان من الضروري المحافظة على المصادر المائية وإدارة كل نقطة ماء، وكان من المهم تكريس جهودهم لتأمين احتياجاتهم وابتكار عدة وسائل لحصاد المياه وإدارة توزيعها، وبالتالي أسس الأنباط أنظمة عديدة لحفظ المياه ما هي الآن إلا بقايا لشبكة متطورة مواكبة للشبكات المائية الحالية وتفوق بعضها تطورا وعبقرية.

وقد اختار الأردنيون الأنباط البترا كعاصمة لمملكتهم، حيث تقع البتراء جنوب البحر الميت وشمال خليج العقبة في منطقة جبلية ذات تعاريج وعلى حافة حفرة الانهدام، وعند إلقاء النظر على البترا من الأعلى نرى مجموعات من الكتل الصخرية على ارتفاعات مختلفة تتراوح بين 900 إلى 1200 متر فوق سطح البحر، أما الحالة المناخية للبترا فوقوعها عند ملتقى المنطقتين المتوسطية والصحراوية يفسر التباين المناخي حيث تنتمي البترا للمناطق متوسطة الهطول بمعدلات هطول تتراوح بين 200 إلى 300 ملمتر سنوياً، أما المناطق االشمالية من المملكة الأردنية النبطية كالذريح والسلع التي تعتبر من مناطق الجبال إذ تتخللها أهم الوديان كوادي الموجب ووادي الحسا، وتتراوح نسبة الهطول فيهما بين 300 و600 ملمتر سنوياً، وفي المناطق الأخرى كمنطقة وادي عربة فبالكاد أن تصل نسبة الأمطار إلى 100 ملمتر سنوياً بل تصل في فينان إلى 50 ملمتر سنوياً، وتقل نسبة هطول الأمطار قلة ملحوظة في منطقتي وادي رم ورأس النقب بانتمائها للنطاق الصحراوي بمعدلات الهطول التي لا تتجاوز 50 ملمتر سنوياً .

وفقاً لهذه الظروف المناخية فقد كانت أبرز التحديات التي شغلت بال الأردنيين الأنباط كانت تتمثل في قلة نسب الأمطار وتباينها من منطقة إلى أخرى، فوجدوا لها الحلول التي كان لها الدور الكبير في حماية المظاهر العمرانية والحضارية للمملكة الأردنية النبطية، كما كانت الطرق المستخدمة في تخزين المياه تسمح باستثمار الأراضي الزراعية وزيادة انتاجيتها .

الهندسة الأردنية النبطية في بناء خزّانات المياه

استفاد الأردنيون الأنباط من طوبوغرافية الأراضي التي قامت عليها مملكتهم، فتمكنوا من إنشاء خزانات المياه على ارتفاعات عالية، كما استفادوا من أماكن التقاء السيول مع المنحدرات الصخرية فأنشؤوا فيها الخزانات المائية، بحيث يمكن توزيع المياه المخزنة فيها بما يتناسب مع احتياجاتهم اليومية وبنيتهم الاقتصادية وخطط التطوير الحضري التي وضعوها للنهوض بالمملكة الأردنية النبطية.

خزّانات المياه في المملكة الأردنية النبطية 

عند الولوج إلى العاصمة الأردنية النبطية البترا نصادف العديد من الخزانات، يُمكن تقسيمها إلى أنواع حسب الحجم وطرق التزود بالمياه بالإضافة إلى تعدد وظائفها، كما أن بعضها تُوجد منفردة والأخرى مرتبطة مع بعضها البعض.

أولاً: خزّانات الرملة “قلاع المياه”

يُطلق مصطلح قلاع المياه على المنظومة الوحيدة والفريدة من نوعها والتي تتكون من خزانات الرملة في البترا، وتكمن أهمية هذه الخزانات بقدرتها التخزينية الكبيرة والتي تبلغ حسب المعايير القديمة 1083 متر مكعب بالنسبة للحوض الشمالي و1440 متر مكعب للحوض الجنوبي، فقد كان الإمداد متواصلاً لهذين الخزانين عن طريق قناة واردة من وادي موسى، ولم تكن هذه الخزانات مسقوفة بالطبع بسبب حجمها الكبير وطوبوغرافية المكان المرتفع والواسع، وقد اختار الأردنيون الأنباط هذا الموقع نظراً لارتفاعه الذي يبلغ 1100 متر والذي يفوق ارتفاع حوض البترا بـ 900 متر، مما حافظ على مستوى المياه المخزنة في هذه الخزانات فضلاً عن سهولة إمداد القنوات المتصلة بها بالمياه .

خزّان الرملة الشرقي : هذا الخزّان يتكون من حوضين كبيرين متصلين فيما بينهما ولدعم مقاومة الجانبين الغربي والجنوبي للخزانين قام الأردنيون الأنباط ببناء جدارين يبلغ عرضهما 1.80 متر محاذيين لبعضهما البعض وقد شكلت الكتل الحجرية الداخلية والخارجية متوسط طول 0.60 متر وبعرض 0.40 متر وبارتفاع 0.30 متر، وشدت هذه الكتل بواسطة ملاط رمادي ” خليط من كسر الصوان والكلس”، وكانت هذه الجدران مغطاة بالقصارة كما هو الحال في أغلب الخزانات في المملكة الأردنية النبطية .

خزّان الرملة الجنوبي : يعتبر هذا الخزان ذو أهمية كبيرة من حيث المساحة واحتفاظه بشكله الأصلي إذ يبلغ طول هذا الجانب الغربي من الخزان 12 متر وبعرض 1.80 متر وارتفاع 3 متر مصحوباً بثمانية مداميك، وفي الجهة الجنوبية يوجد درج ينزل إلى قاع الحوض وقد كان هذا الدرج مخصصاً للتنظيف والتخلص من الرمل والشوائب، أما الجدار الشمالي للخزان فقد بلغ طوله 18 متر لكي يتصل بالخزان الشمالي.

خزّان الرملة الشمالي : تتشكل أغلب جدران هذا الخزان على إطار تم قطعه في الصخر، حيث يوجد بئر يرتفع جزء منه فوق الخزان، وكانت تتم تغذية الخزّان عن طريق القنوات الآتية من عيون موسى، حيث يتم ملؤه عن طريق تجويف مقبّب يصل قطره إلى متر واحد ليتم غرف المياه عن طريق الفتحة العليا للخزان ولا يزال هذا الخزان مستعملاً من قبل القرى المحيطة، يبلغ طول الجدار الشمالي للخزان 18 متر مع ارتفاع يبلغ حوالي 3 أمتار أما الجانب الغربي فيختلط بناؤه مع مقطع صخري طوله 6 أمتار، بينما تعرّض الجانب الغربي من الخزان للانهدام كلّيا .

ثانياً: الخزّانات التي تتزود من مياه العيون 

هذا النوع من الخزانات كان يتزود من العيون الكبيرة مثل عين موسى، براق ودبدبة عن طريق القنوات، وتقع هذه الخزانات عند ممر القناة كما القنطرة، أو عند نهاية مجرى القناة لتُتِم وظيفتها بعملية توزيع المياه الموجودة فيها، ومن الأمثلة عليها الخزّان الموجود بالقرب من قبر القصر، وقد كانت الخزّانات التي تقع عند مجرى القنوات تلعب دور الأحواض المنظمة وهذا الأنواع من الخزانات لم يكن لها سقف علوي لأنها لا تُخزن فيها المياه لمدة طويلة .

ثالثاً : الخزانات التي تتزود من مياه الأمطار

يُقام هذا النوع من الخزانات على سفوح الحواجز الصخرية وجوانب المرتفعات، كالخزانات الجنوبية الغربية في المعيصرة الشرقية ووسط الهضاب الصخرية أو في المنخفضات الطبيعية والأغوار وكان مثل هذا النوع من الخزانات يتم بناؤه من مدماك مزدوج من الحجارة بحيث يتم إغلاق أطرافه بجدارين من الحجارة ويتم ترتيب هذه الحجارة حسب استخدام هذا الخزان، وتتزود هذه الخزانات عن طريق القنوات الجانبية في المرتفعات والأودية المجاورة بحيث تنسكب المياه مباشرة أو من خلال حوض التصفية قبل أن تنساب المياه للخزان، وكان يستخدم هذا النوع من الخزانات للاستعمال المنزلي والري.

حوض التصفية في الخزانات

ويوجد في الجهة الجنوبية من منطقة المدرس في البترا، حيث تمت تهيئة أرضية الحوض وتصميمها بشكل متقطع لترسيب الشوائب فيها، كما وجد مجرى أُقيم في الجهة العلوية من الحوض والذي كان يربط حوض التصريف بالخزانات، كما وجدت عدة نماذج على أحواض التصريف في المملكة الأردنية النبطية في البقعة الواقعة شمال البترا وأيضاً في قطار الدير .

تم بناء خزانات تتخذ شكل صالة صخرية بداخل الحواجز الصخرية والذي حلَت محل تسقيف الخزانات وكانت المياه تنتقل إلى هذه الخزانات بطريقتين، إحداهما عن طريق قناة جانبية والأخرى بواسطة قناة أعلى من مستوى الخزان، والذي استدعى إقامة مثل هذا النوع من الخزانات كي يتم فيها تخزين المياه لعدة أشهر، يُوجد هذا النوع من الخزانات في منطقة الخبثة إلا أنه لم يتبقَ منه سوى بعض التجاويف الصخرية، كما وُجد خزان صخري محفوظ بطريقة جيدة في منطقة مُغر المطاحة، ووفقاً لدراسة هذا الخزان يُمكن القول بأن جزءاً كبيراً من هذا النوع كان غير مرئي .

معظم هذه الخزانات كانت قد غُطيت بطبقة من القصارة ذات سمك يترواح بين 0.30 إلى 0.50 متر، بحيث كانت تُنفذ الطبقة إما لمرة واحدة أو مرتين بشكلين مختلفين متباينين من حيث النعومة والخشونة، حيث كانت الطبقة الأولى تتكون من خليط من الجير والرمل وكسر الصوان والفخار، بينما الأخيرة تتكون من الرمل فقط وفي الحالات الاستثنائية كانت تُغطى بأربع طبقات حيث يتراوح سمك طبقاتها بين 0.05 متر والأخيرة 0.15 متر، أما بالنسبة لقصارة الخزانات في المملكة الأردنية النبطية فكانت تتم أحياناً باللون الأبيض أو الرمادي .

وتم تزويد الخزانات من مياه الأمطار أو من مياه الينابيع من خلال أدراج تُسهل عملية وصول المياه إلى الخزان وتخليصها من الترسبات والرمال .

الخزانات الثانوية

بنيت هذه الخزانات لتناسب احتياجات التجمعات البشرية المحدودة من السكان، وتمتاز ببساطة تصميمها إذ أنها مجرد خزانات قُطعت في باطن الصخر كما يوجد لها فتحة تعمل كبوابة للخزان حيث لا تحتوي على أدراج أو سقف، كما في الخزان الذي وُجد في ساحة منزل دورثيوس في وادي المطاحة، كما أن بعضاً من هذه الخزانات لا يزال فعالاً إلى الآن كالخزانات التي تقع في منطقة وادي مطاحة على حافة الحاجز الشمالي الغربي للخبثة، كما نجد خزاناً مميزاً أمام المسرح بسبب حفره داخل الحاجز الصخري هناك بحيث بلغ طول ضلعه ستة أمتار، وكان يتزود من مياه الأمطار عن طريق شلال يقع على يمينه حيث تتجمع مياهه داخل قناة صغيرة ومن ثم تُسكب في الخزان ولا يزال هذا الخزان مستخدما أيضا، مما يدلل على ديمومة الهندسة النبطية وعبقريتها.

الأحواض الملحقة

تُعتبر الأحواض منشآت مائية لتخزين المياه تُضاف للخزانات ” أو تًذكر عند ذكر الخزانات “، وتوجد هذه الأحواض في الأغلب عند مداخل الصالات أو المضافات أو بالقرب من الأبنية الدينية كما أنها تتخذ شكلاً مستطيلاً بالعادة، وهذه الأحواض كانت تتزود بالمياه عن طريق الخزانات الثانوية المجاورة وتوجد مثل هذه المنشآت في السيق البارد والذي يتصل بالخزان الرئيسي عن طريق قناة حيث يتم ملؤه بالمياه ثم سكبه في قناة التصريف .

الآبار

حُفرت الآبار في الأراضي ذات الطبيعة الكلسية لضمان عدم تسرب المياه من خلالها وحفظها لمدة طويلة، ووفقاً للطراز الكلاسيكي كانت تتخذ الآبار في البترا شكلاً مستطيلاً أو مربعاً إضافة إلى أشكال أخرى كالآبار الكمثرية في المملكة الأردنية النبطية، وكان عُمق هذه الآبار يفوق عرضها حيث يُقدرعمقها بأربعة أمتار، ويتم تزويدها بالمياه عن طريق فتحة علوية ضيقة للتقليل من عملية التبخر،  ومن الآبار التي اكتشفت تلك التي تُوجد في الرملة وسد المعاجن وغيرها كما تم العثورعلى الآبار في مرتفعات أم البيارة في البترا، وثمة أمثلة عديدة أخرى على هذه الآبار كتلك الموجودة في قمة الدير وكذلك في وادي فرسا الغربي بالإضافة إلى شمال العاصمة الأردنية النبطية البترا وتحديداً في منطقة السيق البارد، بينما اتخذت هذه الآبار شكلاً دائرياً بعد أن حُفرت في الأرض، وقد وصف ثيودور الصقلي الآبار في المملكة الأردنية النبطية بقوله : ” في الأراضي الرملية تتوغل خزاناتهم التي لا تتوفر سوى على فتحة ضيقة إلى بلثير واحد – ما يُعادل ثلاثين متراً- من حيث الطول والعرض، وهي مُغطاة بقصارة لمنع التسرب ويملؤونها بمياه الأمطار ثم يغلقونها “، ولم يكن من السهل أبداً حفر الآبار بالتزامن مع الحقبة التي وُجدت فيها المملكة الأردنية النبطية نظراً لأولية المواد والآلات المستخدمة لكن العبقرية النبطية  والمعرفة الدقيقة بطبيعة الصخور والأرض المراد استخدامها واجهت هذا التحدي بذكاء، ومن الجدير بالذكر أن هذه الآبار كانت تستخدم لغايات الشرب وفي بعض الأحيان لغايات عسكرية، وحفاظا على مواردهم اللوجستية كان الأردنيون الأنباط  يخفون الآبار ويضعون عليها إشارات دالة وإغلاقها بالحجارة كي لا تصلها الجيوش المعادية أو تستفيد منها أثناء الحروب وللحفاظ على ديمومتها من الغرباء والمخربين .

القدرة الاستيعابية للخزانات والآبار 

وصلت القدرة التخزينية “الاستيعابية” للخزانات التي تتزود من مياه العيون مثل خزانات الرملة “قلاع المياه” إلى 2500 متر مكعب، أما الخزان الواقع بالقرب من قبر قصر فكانت قدرته التخزينية تصل إلى 500 متر مكعب، أما خزاني وادي فرسا الشرقي فتراوحت قدرتهما بين 100 إلى 900 متر مكعب، وقدرت في الخزانات التي تقع في جنوب الكاردو بـ500 متر مُكعب والواقعة شمال الكاردو بـ 250 متر مكعب.

أما بالنسبة للخزانات التي تتزود من مياه الأمطار فعلى فرض بأنه يتم تعبئتها خلال فترة الشتاء ثُم تُستطرد كمية المياه المخزنة خلال الصيف، فإن خزانات وادي فرسا الشرقي والغربي تُخزن ما مجموعه 2150 متراً مكعبا أما قمة الدير فكانت نسبة التخزين فيها 2500 متر مكعب، ومجموع ما تم تخزينه في خزانات المعيصرة الشرقية والغربية 2000 متر مكعب، وخزان مغر المطاحة بـ 500 متراً مكعباً وصولاً لخزان الخبثة والذي يصل إلى 500 متر مكعب، وخزان قطاع المدرس الذي استُخدم لأغراض الزراعة والري فكانت تُقدر قدرته الإستيعابية بـ 8300 متراً مكعباً . أما بالنسبة للآبار فإن بئر سد المعاجن على سبيل المثال كانت تقتصر قدرته التخزينية على 250 متر مكعب .

ومن الجدير بالذكر أن متوسط استهلاك الفرد الواحد في المملكة الأردنية النبطية وتحديداً في بلدة وادي موسى يصل إلى 30 لتراً، أما المنازل فكانت تصل نسبة الإستهلاك فيها إلى 180 لتراً .

لقد تميز الأردنيون الأنباط بقدرتهم الواسعة على فهم الطبيعة والموارد الطبيعية والتعامل معها على أفضل وجه، وما هذه المنشآت المائية إلا دليلٌ واضح على مستوى التقدم الحضاري الذي وصلوا إليه، والاسهام الحضاري والإنساني الذي قدموه للبشرية طيلة قرون نفوذهم وحتى يومنا هذا  .

المراجع 

عباس ، إحسان ،  تاريخ دولة الأنباط ،الطبعة الأولى ، 1987 ، (بيروت – لبنان)

 المحيسن ، زيدون ، هندسة المياه والري عند العرب الأنباط ، بيت الأنباط ، الطبعة الأولى ، 2002 ، (البتراء – الأردن)

الحموري ، خالد ، مملكة العرب الأنباط : دراسة في الأحوال الاجتماعية و الاقتصادية ،الطبعة الأولى ، البتراء:بيت الأنباط ، 2002 ، (عمان – الأردن)