تفاصيل تلحين وكتابة أغنية “تخسى يا كوبان”

تخسى يا كوبان ، ما انتَ ولف لي

ولفي شاري الموت ، لابس عسكري

 

أغنية انطبعت في وجدان الأردنيين منذ العام 1971 وحتى اليوم وستظل خالدة للأبد، ولكن قليلون الذين يعرفون كيف صُنعِت هذه التحفة الفنية المسموعة، ونقرأ في تفاصيلها وكواليسها عن الأسطورة الأردنية وصفي التل، عن اهتمامه بصناعة الحالة الوطنية من كل الجوانب وتدخله التقني المباشر في رسم ملامح هذه الحالة النادرة والتي هي بطبيعة الحال امتداد تاريخي غير مستغرب للصيغة التي اختارها الأردنيون منذ آلاف السنين لحضارتهم الموصوفة بالمِنعة والمتانة والرصانة.

 

هذه الأغنية الأيقونة كتب كلماتها الشهيد وصفي التل والخالد حابس باشا المجالي مع الشاعر الوطني حسني فريز، وبعد أن فرغوا من كتابتها في يوم أحدٍ (وكان هذا هو يوم عطلة موظفي القسم الموسيقي في الإذاعة الأردنية)، طلب وصفي أن يتم إستدعاء الموسيقار الأردني جميل العاص فوراً بناءً على تقدير الحاجة لأغنية تعبر عن الخطاب والرواية الوطنية الملحة بوقتها. وعندما لم يجده على التلفون الأرضي، أرسل دوّرية شرطة للبحث عنه وبالفعل وجدته الشرطة بعد ساعاتٍ من البحث على دوّار فراس العجلوني يأكل البوظة عند كشك لبيع المثلجات “البوظة”، وأخبروه بأنه مطلوب للحضور حالاً إلى دار رئاسة الوزارء ورفضت الشرطة طلبه بأن يلحقهم بسيّارته.

استقبله الشهيد التل على الباب وقال له ممازحاً “وينك يا فصيح؟ احنا بندور عليك وانت بتوكل بوظا؟”، وأدخله إلى المكتب وعرض عليه الكلمات، ثم أخبره بأنه خصص له مكتبًا فيه علبتي سجائر وسخان قهوة والمطلوب أن لا يخرج من المكتب إلا وقد لحّن هذه الكلمات.

 

وبالفعل دخل الموسيقار جميل العاص إلى الغرفة المخصصة، وأغلق وصفي التل الباب واحتفظ بالمفتاح في جيبه، وجلس الجميع منتظرين أن يخرج جميل باللحن، ويُقال أنه في ذلك اليوم قدّم مجموعة من الألحان وظل يكرر المحاولات بطلب من وصفي التل حتى خرج باللحن الذي نعرفه اليوم. الخطوة التالية، طلب الشهيد التل عازف مزمار مشهور من لبنان (محمود عزعوز) واستضافه في فندق الأردن لفترة اسبوع ليُجري البروفات والتمارين قبل تسجيل اللحن على آلة المزمار.

 

وفي يوم التسجيل وصل إلى استوديو الإذاعة الأردنية وصفي التل وحابس المجالي وصلاح أبو زيد ومجموعة من المختصين اللغويين من الجامعة الأردنية للإشراف على تسجيل الأغنية، وبالفعل تم تسجيلها بعد أن تعطل العمل لمدة يومين بسبب إشكالية حول كلمة (القنص) والحيرة بينها وبين تصريف آخر لها (القنيص) حتى استقر المختصون في النهاية على كلمة (القنص).

 

ثم كانت التحفة، وصدحت سلوى العاص بهذه الأغنية الوطنية.

 

هكذا يصنع الإرث، هكذا يرسم الأبطال حاضرهم، وينيرون الأمل في مستقبل الأجيال القادمة.
المراجع هي روايات شفوية متطابقة لشهادات من الدرجة الأولى والثانية. نترككم مع الأغنية: