من النبطية إلى العربية: رحلة تطور الكتابة في البادية الأردنية

مقدمة

إن اللغة هي الواجهة الحضارية للأمم، وإن كانت الحضارة الأردنية النبطية على هذا القدر العالي من التعقيد والتطور مقارنة بغيرها من الحضارات في ذات الفترة فلا بد أن اللغة التي استخدمها أجدادنا عكست عبر خصائصها هذا التطور.

الأردنيون الأنباط، أو كما سموا أنفسهم “نبتو nbtw” نقلوا اللغة والكتابة في المنطقة نقلة نوعية أشاد بها الكثير من الباحثين والمستشرقين. كان الأردنيون الأنباط يسجلون معاملاتهم التجارية كافة إضافة لأمورهم الدينية وقد أدى هذا لتطور الكتابة السريع. في هذا البحث سنناقش كيف مهد الخط (الأبجدية) الأردنية النبطية لظهور الخط العربي الكوفي الذي دونت فيه أولى المخطوطات الإسلامية وكيف أن النقوش النبطية والعربية أظهرت التغيرات والتطورات التي طرأت على أحرف النبطية. كما سنستعرض أهم النقوش الصفوية التي تؤرخ لمراحل هذا التطور والتي أرجعت تاريخ اللغة العربية ثمانية قرون على الأقل.

الكتابة واللغة المحكية

لقد تناولنا في بحث منفصل عن اللغة النبطية الأردنية القديمة موقع اللغة النبطية من خريطة اللغات السامية، وكيف أنها، أي اللغة المحكية النبطية كانت لهجة طورها أجدادنا الأردنيون الأنباط  نتيجة مخالطتهم بالشعوب التي تنطق الآرامية والعربية واليونانية. أما الأبجدية والكتابة النبطية فهي التي تعد ثورة في تلك البقعة من العالم. لقد أدى التراكم الحضاري الرائع الذي صنعه الأردنيون الأنباط إلى تطور اللغة والكتابة بشكل لا يصدق. دعت الحاجات الدينية والدنيوية في ذلك الوقت للتركيز على الأبجدية وابتداع طرق وأساليب جديدة في الكتابة سنأتي عليها بشيء من التفصيل في هذا البحث.

الخط النبطي هو خط آرامي في الأصل ولكن مع الكثير من التحسينات والتطورات في شكل الحروف وتباين مواقعها واستخدامها في الكلمة. ورغم أن النقوش والكتابات النبطية تعد قليلة مقارنة بغيرها إلا أنها أعطتنا معلومات كثيرة. فكان يستدل من النقش على المدفن كل من اسم الميت ومهنته وزمن الوفاة وملكية المدفن، كما تعرف الباحثون على أسماء الآلهة التي عبدت آنذاك والملوك والملكات وغيرها من الأمور التي تتعلق بملامح الحياة الاجتماعية عامة (المحيسن:2009). يرجع العلماء هذا النقص في المصادر النقشية إلى حملات السلب والنهب التي تعرضت لها المدن الأردنية النبطية منذ انهيار النظام الملكي فيها على يد الرومان عام 106 ميلادي.

بالعودة إلى الخط النبطي فهو خط يميل للشكل المربع وتتشابه فيه بعض الأحرف مثل الباء والياء والتاء وتستخدم النقاط للتفرقة (كانتينو: 2016).

الصف الأول: الكتابة النبطية ويظهر استخدام الأنباط للنقاط للتفريق بين الراء والزاي.
الصف الثاني: استخدام السريانية للتنقيط للتفريق بين الراء والزاي.

دراسات على أصل اللغة العربية وعلاقتها بالنبطية

الخط العربي: سرياني أم نبطي

لقد دار الجدل منذ القرن التاسع عشر حول أصل الخط العربي الكوفي، وكان أول من أرجعه للنبطية هو المستشرق الألماني نولدكه وبعد نصف قرن، تبنى الباحث ج. ستاركي نظرية أخرى تفيد بأن أصل الخط الكوفي هو الخط السرياني النسخي وقد اعتمد على مظهر الحروف النبطية وعدم استنادها على السطر بل تدليها منه. وقد اعتمد أيضا على رواية البلاذري التي تقول بأن ثلاثة رجال من قبيلة طيء التقوا في منطقة بقّه قرب الحيرة عاصمة اللخميين[1] واتفقوا على الخط العربي (جرندلر: 2004) تفتقر هذه النظرية للإثباتات والنقوش  وبهذا ظلت النظرية التي وضعها نولدكه بأن الخط العربي ذو أصل نبطي هي الأكثر قبولا في المجتمع العلمي.

النقوش الصفاوية وإعادة كتابة تاريخ اللغة العربية

لقد أرخ العلماء اللغة العربية إلى القرن الرابع ميلادي بالاستناد إلى نقشيين رئيسيين: نقش (فهرو) أو كما يسمى (نقش أم الجمال الأول) وهو نقش وجده الباحث ليتمان في مدينة أم الجمال التي كانت إحدى مراكز المملكة الأردنية النبطية واستعان ليتمان بنقش إغريقي وجد بالقرب منها وكان ترجمة للنقش النبطي. وتكمن أهمية هذا النقش في كونه استخدم الخط النبطي المتأخر ويرجح أن يكون عائدا إلى 250-270 م.

نقش أم الجمال الأول: الترجمة الأولى على اليمين وهي تعتمد على النقش الإغريقي لتفسير النقش. بينما الترجمة الحديثة على اليسار وفيها يوضح الباحث سعد الدين استخدام العربية الفصحى في كلمة “مملك” واستخدام كلمة “نفس” بمعنى قبر كما هو الحال لدى الوثائق اللغوية المكتوبة بالمسند- وكيبيديا

والثاني هو نقش نمارة المؤرخ لعام 328م. يعرف النقش باسم نقش امرؤ القيس وقد قرأه المستشرق دوسو على أنه شاهد لقبر ملك من ملوك الحيرة؛ على أن دراسات الباحث سعد الدين أبو الحَب أفادت بان ذكر امرؤ القيس كان على سبيل التعظيم لا أكثر وأن النقش يتناول سيرة حياة مقاتل اسمه عكدي.[2]

صورة عالية الجودة لحجر نقش النمارة معلق على جدران متحف اللوفر الفرنسي في باريس   © Marie-Lan Nguyen / Wikimedia Commons

وبعد نقش نمارة بسنين، أفادت دراسات الباحث أحمد الجلاد التي أجراها على نقوش الصفاوي والتي توجد حصرا في المنطقة الواقعة شمال البادية الأردنية إلى أن أصل اللغة العربية يعود إلى القرن الثاني أو الرابع قبل الميلاد. وبهذا أعيد تأريخ اللغة العربية ثمانية قرون على الأقل وأكدت أبحاثه على فكرة أن اللغة العربية لم تنطلق من شبه الجزيرة العربية وتمتد إلى الشمال إنما انطلقت من البادية الأردنية وامتدت إلى الجنوب باتجاه الحجاز وشبه الجزيرة العربية.

نقش صفوي من بادية الأردن الشمالية الشرقية

إن نقوش الصفاوي تعد ثورة هائلة أعادت ترتيب الخارطة الزمنية والمكانية لنشأة اللغة العربية.  فالنقوش عربية وتقرأ قراءة عربية إلا أنها مكتوبة بالخط النبطي. وقد واجهت الباحث أحمد الجلاد عدة صعوبات تتعلق بقراءة هذه النقوش فالعربية تمتاز بأصوات العلة القصيرة (الحركات) والتي لا تكتب في النبطية وقد استعان بالنقوش النبطية المكتوبة باليونانية والتي تُكتب فيها هذه الأصوات وبهذا خرج الباحث الجلاد بقراءة عربية للنقوش الصفاوية.

لقد أشارت الباحثة إنعام الور، إحدى أهم الباحثات في اللهجات المحلية على مستوى العالم، إلى أن القراءة العربية للنقوش الصفاوية أفضت إلى استنتاج مدى التقارب بين اللغة المستخدمة في النقوش واللهجة الأردنية المحلية. وقد ساقت على ذلك عدة أمثلة نذكر منها الفعل “يخربش” والذي يستعمل إلى الآن في لهجتنا المحلية، والفعل “يشتّي” والذي لا زال مستخدما أيضا . فمن كان يتصور أن ما نقوله اليوم في أحاديثنا اليومية يمتد للقرن الثاني-الرابع قبل الميلاد وقد خلّده أجدادنا الأردنيون الأنباط في نقوشهم وباستخدام أبجديتهم. [3]

والجدير بالذكر أن النقوش الصفائية قد تجاوزت العشرين ألف نقش مؤرخ. وتتابع الاكتشافات لهذه النقوش ففي عام 2013 اكتشف الباحثان الأردنيان الدكتور سلطان المعاني والدكتور مهدي الزعبي أكثر من 2000 نقش صفوي جديد في منطقة الحرة الأردنية في بعثة علمية ممولة من قبل الجامعة الهاشمية.

الدكتور عبد القادر الحصان مع النقش الصفاوي النادر المكتشف عام 2017 – المصدر: جراسا نيوز

 أما في عام 2017 فقد اكتشف الباحث الدكتور عبد القادر الحصان نقشا صفاويا جديدا يعود للعقد الرابع من القرن الأول ميلادي في منطقة وادي علي، الصفاوي في البادية الأردنية الشرقية. ويقول الدكتور واصفا النقش وأهميته ” أن أهمية النقش تكمن في تاريخ صاحب النقش حيث نقشه بحادثة هامة وتاريخية حدثت آنذاك للملك الأردني النبطي الحارث الرابع والذي حكم من العام 9 ق.م.-40 م ونجاته من مؤامرات حاكم الجليل اليهودي هيرود أنتيباس والحرب التي شنها عليه في العام 34 م في موقعة جملة شمال نهر اليرموك. وذكر أنه تم الانتصار في تلك الواقعة على اليهود ودحرهم نحو شمال فلسطين كم أنه نجا من محاولة أخرى من قبل اليهود بالتعاون مع الرومان بقيادة القائد الروماني فتيليوس بأمر من الحاكم الروماني وبوشاية من هيرود طيباريوس ولكن موت الحاكم في نفس السنة أدى إلى إلغاء الحملة العسكرية لقتل الملك الأردني النبطي وتدمير ملكه”

رحلة النبطية إلى العربية

امتازت الكتابة النبطية كما أسلفنا بشيء من التعقيد، فقد كانت تتباين أساليب الكتابة بحسب المناسبة والموقف فللنقوش القبورية أسلوب مختلف عن النقوش والكتابات المتعلقة بالتجارة والمعاملات. يلخص الباحث جرندلر التغيرات التي مهدت الكتابة النبطية لتفضي إلى العربية بما يلي:

  • “الفوارق بين الحروف في المواقع المختلفة (اختلاف رسم الحرف الواحد)
  • ارتباط الحروف
  • مزج اللام ألف (لا)
  • قوام الخط القاعدي (أن تكون للحروف قاعدة استنادية)
  • اندماج الحروف
  • اختلاف العلامات الصوتية المميزة للحروف المتجانسة رسما” (جرندلر: 2004)

الجدير بالذكر أن هنالك نوعين من أنواع الخط النبطي الأول هو النقشي أي المستخدم في النقوش التذكارية والنُصُب والثاني هو النسخي المكتوب على اللفائف والصحف. والمشكلة بأن النوع الثاني، أي النسخي، غير متوافر بسبب تلف المواد المستخدمة للكتابة فيه فلا يسع العلماء إلاّ أن يعتمدوا على الخط النقشي (جرندلر:2004) وهذا قد يبرز تساؤلا مهما: ماذا إذا كان الخط النسخي قد سبق الخط النقشي في تحوله للخط العربي؟

إلى اليمين الأبجدية العربية وفي الوسط النبطية وأخيرا الآرامية. ونلاحظ مدى تشابه العربية والنبطية[4]

يورد الباحث تيسير خلف في  سياق أحدث النقوش المكتشفة في الأردن اكتشاف نقوش نبطية شديدة التأخر في العقبة. وتسد هذه النقوش سلسلة انتقال الخط الأردني النبطي إلى العربي الكوفي وتقدم لنا مادة علمية غنية تؤكد لنا هذه الرحلة. فتؤرخ هذه النقوش التي تعود لأواخر القرن الخامس الميلادي (450م تقريبا) إلى أسماء ملوك الأردنيين الغساسنة الذين امتد حكمهم من البلقاء شاملا ما يعرف اليوم بسوريا ولبنان وأجزاء واسعة من السعودية. يسمى الخط النبطي في تطوره خط “الجزم” وهو الخط الذي أهداه إلينا أجدادنا الأنباط.

النقوش المكتشفة في العقبة جنوب الأردن وتؤرخ لمرحلة متأخرة من تطور الخط الأردني النبطي

ومن هنا يمكن القول بثقة أنه رغم انهيار النظام الملكي في المملكة الأردنية النبطية والتحول نحو النظام القبلي مجددا وعبر الحكم الذاتي في المناطق التي احتلها الرومان إلاّ أن الشعب والثقافة متمثلة باللغة والدين استمرا في التوغل والانتشار في المنطقة. قد تمخض ذلك عن ولادة الخط العربي الكوفي الذي استخدم من فترة ما قبل الإسلام وصولا إلى جعله الخط الرسمي للدولة الأموية في عهد مروان بن عبد الملك، حيث استخدم بالدواوين والمعاملات واستخدم أيضا لإعلان المواقف السياسية (جرندلر: 2004).

خاتمة

يكشف لنا العلم والتاريخ دوما بأن هذه الأرض عظيمة وبأن هذا الشعب وهذه الأمة ليست وليدة الصدفة إنما سليلة تاريخ يمتد لملايين السنين. إننا وما نكتب وما نقول نتيجة تراكم حضاري رائع أبهر به أجدادنا الأردنيون الأوائل العالم أجمع.

المراجع:

  • المحيسن، ز.، الحضارة النبطية، 2009 عمان: الأردن، منشورات وزارة الثقافة
  • جون كانتينو، اللغة النبطية، مهدي الزعبي، 2016، سلسلة دراسات
  • بأي لغة تكلم أجدادنا الأنباط؟، أبحاث إرث الأردن سلسلة الأردنيون عبر التاريخ
  • النقوش الصفاوية واللهجة الأردنية، محاضرة الدكتور إنعام الور على موقع إرث الأردن
  • المعاني، س.، العجلوني، ف.، تاريخ الخطوط والكتابة العربية من الانباط إلى بدايات الإسلام، جرندلر 2004، عمان: الأردن، مشروع بيت الأنباط للتأليف والنشر
  • اكتشاف نقش أثري نادر في الصفاوي، موقع جراسا نيوز 2017
  • 2000 نقش صفوي في الحرة الأردنية الشمالية الشرقية، صحيفة الرأي 2013

[1] المناذرة أو اللخميون، وهي سلالة عربية من قبيلة لخم من تنوخ وقد حكموا العراق قبل الإسلام.  المصدر: وكيبديا

[2] لمزيد من التفصيل انظر: بحث “ماذا تكلم أجدادنا الأنباط؟” المنشور على موقع مؤسسة إرث الأردن

[3] للمزيد انظر محاضرة الدكتورة إنعام الور حول اللهجات الأردنية والنقوش الصفوية المنشورة على موقع مؤسسة إرث الأردن

[4] للمزيد انظر https://en.wikipedia.org/wiki/Nabataean_alphabet