التراويد

مقدمة

تُعتَبَرُ التراويد من قوالب الغناء الشعبي الأردني التي تختزلُ جانبًا من جماليات الإرث الموسيقيّ الأردنيّ الغني بالقصائد والألحان الموروثة عبر أجيال الأردنيين خلال العصور المختلفة. يغنّي كُل مِن الرجال والنساء التراويد على حدٍّ سواء، مع اختلاف في المضمون بين الجنسين، وتعلو التراويد مع الزغاريد ومشاعر البهجة والفرح والنشوة الجماعية في الأفراح التي اعتاد الأردنيون على اقامتها في بيوتهم الرحبة وساحاتهم الوسيعة، فيجعلون من “السطوح” و “العلالي” و “حيشان الدُّوْر” مسرحًا عفويًا للغناء والرقص لإعلان الفرح واستقبال الضيوف المشاركين بالتهنئة والمباركة.

أصل التسمية

التراويد (ومفردها ترويدة، ويُقال لمَن يغنّيها أو تغنّيها : الروّاد/الروّادة)، والتي أصلها في اللغةِ النّحوية من (روَّد/يروِّد)، جاءت تسميتها من فعل “الإرادة” المُستخدم في اللغة/اللهجة الأردنية بمعنى : الحب، فكلمة “أريدك” بالأردنية تعني : أحبّك، ومن الشواهد على ذلك الأغنية الشهيرة : ريدها ريدها .. كيف ما أريدها؟

وعليه؛ فإن تسمية التراويد اشتُقَّت من الكلمة التي يعبّر بها الأردنيون عن الحُب والعشق، وفي ذلك سمة جمالية تعطي لهذا الغناء ملمحًا خاصًّا يعبّر عن الإغراق المتّزن في التعبير عن المشاعر لدى الأردنيين، ليس فقط عن طريق القصائد والألحان، وإنما أيضًا باشتقاق أسماء القوالب والألوان الغنائية من تسميات تتعلق بنشاطات أو انفعالات أو مشاعر، كالهجيني والسّامر والدلعونا، والترويدة.

يمكن تصنيف أغاني التراويد في الأردن إلى ثلاثة تصنيفات :

تراويد العروس : وهي الأغاني التي تغنيها الفتيات للعروس في “ليلة الحِنّة”، ويكون شكل الغناء في الغالب تبادليّ بين مجموعتين من الروّادات، وتتضمن هذه التراويد أبيات شعر على شكل قوالب مُكرّرة يتم فيها التغنّي بجمال العروس وأصلها وعائلتها وعشيرتها. ومن وظيفة هذه الأغاني أيضًا الإعلان عن وداع العروس لبيت أهلها، فيغلب على بعضها طابع من الحزن المتواري خلف نغمات الفرح وأضوائه، والذي يتصاعد تدريجيًا ليصل إلى درجة الانتحاب، وخصوصًا إذا كانت العروس بالتعبير الأردني “غريبة” : أي تزوّجت شابًا من غير بلدتها وستنتقل للعيش معه بعيدًا عن أهلها، ومن التراويد التي تُقال للغريبة :

كَنّك غريبة وهِلّي من الدّمع جرّة              يا أهل الغريبة يمرّوا بالسّنة مرّة

كَنّك غريبة وهِلّي من الدّمع طاسة            يا أهل الغريبة يدوسوا بالسّنة فراشي

ومن التراويد التي تُقال في الغريبة أيضًا ما فيه من العتب على الأهل الذين لم يسعوا لتزويج ابنتهم من أحد أقاربها :

يا الاهل يا الاهل لا يبري ليكو ذمّة           وشّو عماكو عن ابن العمّ والعمّة

يا الاهل يا الاهل لا يبري ليكو بال           وشّو عماكو عن ابن العمّ والخال

وفي ترويدة أخرى تناشد الفتيات العروس بعدم البكاء :

خيّة يا (فلانة) لا تبكي ولا دمعة             خيِّك حنيِّن يزورك ليلة الجمعة

خيّة يا (فلانة) لا دمعة ولا ثنتين             خيِّك حنيِّن يزورك ليلة الاثنين

ومن أهم مراحل الفرح عندما تقوم أم العروس بتمشيط شعر ابنتها يوم الزفاف، وهي التي تقوم بتزيين الفرس التي ستُزَف عليها ابنتها، فيُغنِّن الروّادات على لسان العروس الترويدة الشهيرة :

لُمّي يا لُمّي وهيّي لي قراميلي         طلعت من البيت وما ودّعت أنا جيلي

لُمّي يا لُمّي وشدّيلي على الفاطِر              الليلة عندِك وبكرا من الصّبح خاطِر

تراويد العريس : وهي الأغاني التي يغنّيها الشباب لصديقهم العريس بمناسبة زواجه وتحديدًا خلال تخضيب يديه بالحنّة، ولكن تختلف تراويد الرجال عن تراويد النساء بالأداء القوي الذي يعبّر عن سمات الشخصيّة الذكورية. وتؤدّي التراويد مجموعتان من الرجال اللتان تتبادلان الغناء دون مرافقة أيٍّ من الآلات الموسيقيّة، ومن الأمثلة عليها :

رحت أحوّش القطن صادفني غزال          يا غزال الهولِ مِلا هو غزال

قلت يا (فلان) ومنين لك هالغزال            قال حُشتُه البارحة حين المنام

تراويد الطهور : وهي الأغاني التي تغنيها النساء (والرجال أحياناً) بمناسبة طهور (ختان) الأطفال الذكور، وهي أغانٍ تخاطبُ كلماتها المُطهِّر، وتحذره ضمنيًا من أن يؤذي الطفل المُطهَّر خلال التطهير، وذلك من خلال حوار غنائي بين الروّادين والروّادات. ومن الدوافع النفسية للغناء بهذه المناسبة هي طمأنة الطفل وأهله والابتهاج بطقوس هذه المناسبة، وعند مقارنة استخدامات التراويد في الأعراس والطهور معًا، نجد أن الأردنيين اعتبروا، ضمنيًا، الطّفل المُطهّر عريسًا لأهله. ومن تراويد الطهور :

بالله عليك      يا مطهِّر الصبيان     بالله عليك

ندعي عليك    إن وجّعت (فلان)     ندعي عليك

يُذكر أن طقوس وألحان التراويد الأردنية لمناسبة الطهور قد انتشرت في عددٍ من البلدان المجاورة، وأبرزها في مصر بحسب بعض الباحثين الذين أشاروا لاستخدام ذات الألحان الأردنية في مناسبة الطهور.

الخصائص الفنّية

عند النظر في أركان الترويدة، نجد أن الكلمة تمتاز في الغالب بالبساطة والمرونة والقدرة على التعبير الرمزي الخاطف عن الصور والأفكار والمضمون الموضوعي للمناسبة، بأسلوب ذي مدلولات اجتماعية ترتبط بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس، مما يعطي للأغاني بُعدًا وظيفيًا هامًّا. كما تمتاز ألحان التراويد بجُمل لحنية قصيرة وجذابة ورشيقة الطابع، قلّما تتباعد درجاتها النغمية عن بعضها البعض، مما منحها سهولة الانسياب على الألسن ليشارك الجميع في أدائها، حالها كحال أغلب القوالب الغنائية الشعبيّة، وهو ما سهَّل أيضًا انتشارها أفقيًا بين الناس وعاموديًا عبر الأجيال. كما أن هذه الألحان ارتبطت بإيقاعات بسيطة ومتكررة تتماشى وتعكس بساطة النص الشّعري وسلاسة التركيب النغمي، وهي ايقاعات مستوحاة من الأوزان الشعرية للتراويد ومنتشرة في أغلب مناطق الأردن ومرتبطة بالعديد من الرقصات والدبكات الرّيفية.

ومن الأغاني الشهيرة التي جاءت على لحن التراويد وفي كلماتها، أغنية “لا تطلعي ع الدّرج” التي غنّتها الرائدة سلوى العاص بمصاحبة الفرقة الموسيقية للإذاعة الأردنية في القرن الماضي، وكان قد صاغ كلماتها من الإرث الأردني الشاعر الكبير رشيد زيد كيلاني وقام بإعداد لحنها وتوزيعها الموسيقار جميل العاص.

المراجع :

  • العبّادي، أحمد عويدي، المناسبات البدوية (سلسلة من هُم البدو 3)، 1979 الطبعة الأولى، دائرة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام الأردنية.
  • غوانمة، محمّد، أغاني التراويد، 2006، مجلّة دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعيّة، مجلّد 33، العدد 3، عمادة البحث العلمي/الجامعة الأردنية، عمّان، الأردن.
  • غوانمة، محمّد، أغاني النساء في الأردن، 2009، المجلّة الأردنيّة للفنون، مجلّد 2، عدد 1، عمّان، الأردن.