رزنامة المواسم والفصول الأردنية

أشجار الفصول الأربعة ar.pngtree.com

مقدمة

كان للقبائل الأردنية ولمجتمع البادية الأردنية عموما تميزها العلمي بعدة مجالات حيث تطورت مهاراتها ومعارفها حتى كوّنت لنفسها علوما مستقلة بحد ذاتها قائمة إلى يومنا هذا، ومن أبرز هذه العلوم علم الفلك الشعبي الذي من خلاله طوّرت حسابات فلكية متعددة ساعدتها على مراقبة طوالع النجوم ومنازلها التي عرفتها بخبرتها وما تعلمتها من أجدادنا الأردنيين الأوائل، فيعزى اهتمام أبناء القبائل الأردنية في مجتمع البادية تحديدا بالحسابات الفلكية لارتباط هذه الحسابات بشؤون حياتهم المعتمدة كلياً على الطقس والمناخ والنشاطات الجوية.

راقب أجدادنا الظواهر الطبيعية ومطالع النجوم بكثب نظراً لارتباطها بالظروف المناخية فتكون عندهم تصور كامل يمكنهم من تنظيم رزنامة مواسم خاصة بهم، حيث استطاعوا ربط بدايات المواسم اعتمادا على طلوع بعض النجوم فرتبوا أيام السنة وقسموها على أساس طلوع بعض النجوم تحديدا النجوم التي تطلع في منازل القمر الـ28.

من الجدير بالذكر هنا أن علم الفلك الشعبي الأردني لم يكن مقتصرا على أبناء البادية فقط، لكن أبناء البادية الأردنية على وجه الخصوص وظفوا الفلك الشعبي في كل مجالات حياتهم لذلك تم اختيارهم كعينة بحثية لبحثنا هذا لكننا سنتعرض بالطبع لبعض ممارسات علم الفلك الشعبي الأردني في مجتمع الريف والمدينة الأردنيين.

الحساب ومعرفة مواقيت المواسم والفصول

من أهم العوامل المؤثرة على الحساب الشعبي وعلى الرصد الفلكي ككل، هي جغرافية المكان وطبيعة التضاريس بالإضافة للديموغرافيا التي تؤثر بشكل مباشر على اهتمامات الأفراد والمجتمعات؛ فحتما تختلف اهتمامات المزراع عن مربي الإبل وتحديدا في سياق بحثنا، إذ لن تكون النشاطات المناخية التي يهتم بها المزارع هي ذات النشاطات التي يترقبها مربي الإبل، حيث أن الجزئيات المهمة تختلف تبعا لطبيعة المجتمعات، وبالرغم من هذه الاختلافات إلا انها لا تشكل تعارضاً كبيراً لعدة أسباب منها أنه لا يشترط أن تتغير حالة الطقس عند طلوع النجم الخاص بالموسم فهناك عوامل عديدة قد تؤثر على دخول الموسم مثل عدم وضوح الرؤية بالنسبة للراصد؛ فعدم صفاء السماء ووجود الغيوم قد يحجب الرؤية ويصعب عملية الرصد وبالتالي التيقُّن من دخول الموسم ومن أبرز الأمثلة على هذا الظرف هو تحري هلال بداية ونهاية شهر رمضان واختلاف ثبات الرؤية من دولة لأخرى.

وبالرجوع لما سبق نستنتج أن دخول الموسم ليس شرطا أن يكون مرتبطا بطلوع أو غياب نجوم المواسم فمثلاً ربيع البادية الأردنية ينتهي مبكرا قبل أن ينتهي الربيع في جبال عجلون مثلا، حيث أن الصيف يبدأ مع طلوع نجم الثريا الذي يوافق طلوعه في السابع من شهر حزيران ( يونيو ) وقد يوافق انتهاء الربيع أحيانا في البادية الأردنية النصف الأخير من شهر نيسان (أبريل)، وبالرغم من كل ما سبق يبقى المتعارف عليه فلكيا أن دخول الصيف يكون مع طلوع الثريا، ونشير هنا أيضاً أن سبب هذا الاختلاف يعزوه بعض الباحثين والخبراء في علم المناخ هو أننا نتجه في زمننا هذا نحو حقبة التقلب المناخي نظرا لتلوث البيئة وتوسع ثقب الأوزون بينما ما قبل القرن العشرين كانت المواسم منظمة بشكل أقرب ما يكون للدقة المطلقة حيث لم يكن لدينا هذا الكم الهائل من المتغيّرات البيئية والملوّثات.

التنبوء بالطقس واستقبال المواسم 

تعاملت القبائل الأردنية مع الطبيعة بعلم ومعرفة مبنية على أساس متين متزن واضح المعالم حيث استطاعوا أن يتنبئوا بالطقس ويستقرئوا المواسم وتقلباتها بسرعة بديهة فطرية، فالبادية الأردنية ألزمتهم أن يحتاطوا دائما من سيلها وبردها؛ فكان لا بدّ أن يبحثوا دائما عن الأماكن التي تحميهم من هذه التقلبات المناخية.

الصيف 

يبدأ فصل الصيف فلكياً مع طلوع نجم الثريا في السابع من شهر حزيران (يونيو) ثم يتنهي مع طلوع نجم سهيل في  الخامس من شهر أيلول (سبتمبر) تقريباً؛ حيث قد تعارف أجدادنا على تقسيم فصل الصيف لأقسام وهي :

مربعانية القيظ 

من المعروف لدى الأردنيين أن مربعانية الشتاء هي أربعون يوماً من البرد القارص ولذلك أسقطوا هذا الاسم على أول أربعين يوما من الصيف أيضا دلالة على شدة حرارة هذه الأيام وتطلع في هذه الفترة ثلاثة نجوم؛ أول هذه النجوم نجم الثريا الذي يطلع بالتاريخ الذي ذكرناه سابقا معلنا بداية أيام شديدة الحرارة فيبدأ النهار يطول تدريجيا وتكتسي الأرض باللون الأصفر حيث يبدأ الحصاد، وبه قال أجدادنا مثل شعبي مشهور: “يغيب على طرش حابس ويطلع على غمر يابس” فعندما يقترن نجم الثريا مع القمر (أي يطلع النجم بجانب القمر) يحبس الطرش – مجموعة الإبل أو الأغنام أو البقر – بسبب نهاية الربيع وعدم وجود مراعي ثم تطلع على غمر يابس دلالة على الحصاد؛ عموما يدور هذا المثل حول حبس الأنعام بسبب جفاف المراعي، والغمر هي وحدة قياس استخدمها أجدادنا لحساب كمية النباتات المحصودة حيث أن كمية الغمر تكون تحديدا ما يستطيع الإنسان حمله من النبات المحصود على مستوى قطر تشابك الأيدي بشكل شبه دائري.

تستمر مربعانية القيظ بالرغم من غياب الثريا، فيلحق غياب نجم الثريا طلوع الدبران؛ الذي يسمى (مقيدح) أو مجيدح دلالة على شدة حرارة الأيام التي ترافق طلوعه حيث أنهم يشبهونه بالقدّاح الذي يسبب الشرار. يطلع نجم الدبران بعد الثريا بثلاثة عشر يوما وتكون شمسه حارقة والليل في أقصر حالاته أمّا النهار فيكون طويلا جدا.

تنتهي مربعانية القيظ بطلوع نجم الجوزاء آخر نجوم هذا الموسم، وقد أطلق عليها أجدادنا اسم محنِّنْة الجمل دلالة على أن الجمل يحن للماء بسبب شح المياه وجفاف كل مصادر المياه المفتوحة.

خمسينة القيظ (جمرة القيظ)

يبدأ في السادس عشر من تموز (يوليو) أصعب خمسين يوما في الصيف، فتكون درجات الحرارة في أعلى مستوياتها والرياح لافحة ثم يطول النهار ويقصر الليل، حيث أن أغلب الثمار الصيفية تبدأ بالنضج لذلك أسماها أجدادنا الأردنيين (طبّاخات العنب) دلالة على شدة حرارة أشعة الشمس، نجم الهنعة؛ نجم الشعرى؛ الكليبين ونجم الطرفة هم نجوم هذا الموسم.

 

 

من مجموعة الأمثال الشعبية؛ ويضرب بحرارة الصيف.

الخريف (الهريف – الصفري – الوسم)

يبدأ الأردنيون بإعداد عدتهم عند بداية موسم صفر أو الوسم وهي الأسماء الشعبية لفصل الخريف (Autumn / (Fall؛ حيث يتضمن شهر أيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني وتسمى أحيانا (الصفاري الثلاث).

السادس من شهر أيلول (سبتمبر) يوافق طلوع نجم الجبهة أول نجم في فصل الخريف وينتهي عندما يغيب نجم الزباني في السادس من شهر كانون الأول (ديسمبر)، حيث يطلع في فصل الخريف سبعة نجوم مجموع أيام طلوعها مجتمعة اثنان وتسعون يوما؛ فأيام سهيل تسمى (صفري) أما الباقي يطلق عليه (الوسم).

يطلق على أول جزء من الخريف اسم الصفري، ويتضمن طلوع الثلاثة نجوم الأخيرة من موسم طلوع سهيل ( آخر مطلع نجم في الصيف)؛ ونجم الجبهة أول نجم في فصل الخريف وأول نجوم الصفري (الجزء الأول من الخريف) حيث تبدأ درجات الحرارة بالاعتدال قليلاً ويبدأ استعداد الطقس للانقلاب؛ فتقل حاجة المواشي للمياه بشكل مستمر وتبدأ بعض الشجيرات الصحراوية بالإزهار مثل الحمض؛ والشنان أيضاً.

نبات الحمض

ثاني نجوم صفر هو نجم الزبرة الذي يطلع في العشرين من شهر أيلول (سبتمبر) ويحدث في فترة طلوعه الاعتدال الخريفي حيث يبدأ طول النهار يقصر، ثم إن أمطاره من أفضل الأمطار التي قد تستفيد منها الأرض وتسمى بمطر (الهريف).

آخر جزء من فصل الخريف يطلق عليه اسم (الوسم) حيث أن الوسم لغة هو العلامة أو الندبة وسمي بذلك دلالة على أمطاره التي تجعل الأرض تكتسي بالخضار مبكرا، يبدأ الوسم بطلوع نجم العواء الذي يطلع بتاريخ (16/10)؛ وينتهي الوسم بغياب نجم الزباني اللذي يطلع بتاريخ (24/11) حيث أن السادس من شهركانون الأول (ديسمبر) يكون فلكياً أخر يوم في فصل الخريف .

الشتاء

يبدأ فصل الشتاء فلكياً في السابع من شهر كانون الأول (ديسمبر) وينتهي تقريبا في السابع من شهر آذار (مارس) وهو أصعب الفصول التي يتعرض لها أبناء البادية الأردنية؛ أصعب أيام الشتاء هي أيام الأربعينية أو (المربعانية) فبردها قارس جدا يصل لحد (القحيط) ومطرها قد يكون شحيحا أحيانا والمربعانية هي أربعون يوما من البرودة العالية التي تنبع من الأرض فلا ينبت زرع.

بعد انتهاء مربعانية الشتاء تبدأ فترة سماها أجدادنا الأردنيين خمسينية الشتاء وأيامها خمسون، موزعة على النحو الآتي:

1.الشبط: هو الموسم الذي يلي موسم المربعانية حيث أن مدته ست وعشرون ليلة تبدأ في الخامس عشر من شهر كانون الثاني (يناير) وتنتهي في التاسع من شهر شباط (فبراير)، حيث أن أيامه باردة ويتجمد الماء الراكد، وأطلق عليها أجدادنا  اسم (مبكية الحصيني) نظراً لشدة البرودة وقلة الطعام.

2.العقارب: مقسمة على ثلاثة نجوم صنفها أجدادنا كالتالي (أولها سم، وأوسطها دم، وآخرها دسم) فالأول والثاني هما آخر فصل الشتاء وأيضا يسميان (سعد الذابح وسعد بلع) وسميت العقارب لأن بردها يأتي فجأة فيلسع كالعقرب، فالعقرب الأول (عقرب السم) أو سعد الذابح ؛ برده شديد يشبه السم، أما العقرب الثاني (عقرب الدم) أو سعد بلع وسمي عقرب الدم لأن البرد يبدأ فيه بالانحسار فيعود الدم بالتحرك في الجسد دلالة على الدفء.

 

الربيع

يبدأ فصل الربيع في الثامن من شهر آذار ( مارس ) عند دخول نجم سعد السعود (عقرب الدسم)، وينتهي مع غياب نجم البطين في السادس من حزيران، وهو أفضل فصل بالنسبة للأردنيين حيث تزهر الأشجار وتكثر الأعشاب ويكثر حليب المواشي.

1.عقرب الدسم: وسمي عقرب الدسم نظراً للشحوم التي تبدأ بالتكوّن عند المواشي بسبب العشب الوفير والمراعي الخضراء.

2.الحميمين: وهما نجمي سعد الأخبية والفرغ المقدم: وسميا بهذا الاسم إشارة إلى حمو الأرض، وسعد الأخبية هو الحميم الأول يميل الطقس فيه للدفء تورق الأشجار وتزهر ويعتدل الربيع بالحادي والعشربن من آذار (مارس)، وفي الحميم الثاني (الفرغ المقدم) يبدأ العشب بالجفاف النسبي وتشتد حرارة الشمس.

 

المراجع

  • أبو الغنم، أحمد سلامة ،”البادية عادات وأعراف“،منشورات وزارة الثقافة،2013.
  • الدينوري، أبو محمد عبدالله بن مسلم،”الأنواء في مواسم العرب“.
  • رزنامة إرث الأردن.
  • عبندة، علي، “الفلك والأنواء في التراث“، دار الفرقان للنشر والتوزيع،1998 .
  • العثمان، عواد ملهّي، “علم الفلك الشعبي وحساب المواسم والفصول“، دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، عمان-الأردن، 2018.