السّامر : طقس البهجة والاحتفاء بالقيم الأردنيّة

مقدّمة

يُعتبر السامر طقسًا فنيًا كبيرًا من جملة الممارسات الإبداعية التي طوّرها الإنسان الأردني لتكثيف وتركيز قدراته على التعبير في المناسبات وإبراز قيمه التي يحرص على تأكيدها وتوريثها للأجيال القادمة من خلال ممارسته لها في المناسبات كلما سنحت الفرصة له بذلك. وعندما نقول “السّامر”، فإننا نقصد بذلك نظامًا متكاملاً من الغناء (شعرًا ولحنًا)، والرّقص والأزياء، وما هو على هامش ذلك من الترتيبات الديكوراتيّة المرتبطة بكل ما سبق ذكره من العناصر الفنيّة التي تشكّل مجتمعةً “طقس السّامر”.

التسمية

ترتبط تسمية هذا الطقس الاحتفالي بالسّمر، أي السّهر، والسّهر عادة يمارسها الأردنيّون بتسميات مختلفة مثل “التعليلة” – أي حلقات السهر المصغّرة في المضافات والبيوت – التي ترتبط بجرّات آلة الربابة وغناء القصيد والهجيني. في حين يُقام طقس السامر في السهرات الكبيرة التي يجتمع فيها عدد كبير من الأقارب والضيوف على هامش مناسبة سعيدة مثل العودة من السفر أو الطهور، أو الأعراس التي غالبًا ما تكون على مدى عدّة أيام بحسب عادات الأردنيين. ويُعتبرُ طقس السّامر الذي يُقام ليلةَ الزفّاف، وسيلة للإعلان عن الفرح، ولدعوة السامعين في المناطق المجاورة لمشاركة أهل المناسبة السّهر وشرب القهوة وتناول طعام العشاء، حيث يبدأ الزوّار بالتقاطر نحو بيت الفرح المزيّن بمشاعل النيران والرايات البيضاء ودق المهابيش ودلال القهوة الدوّارة.

الطقس

تعني كلمة “طقس” (وهي مأخوذة عن الكلمة اليونانيّة τάξις تاكسيس  “taksis” ومرادفها في الإنجليزية Rite) : النظام والترتيب الشعائري، بمعنى ترتيب مجموعة من المراسم والفقرات الأدائية بنسقٍ محدّدٍ وواضحٍ، وعلى مراحل متتاليّة، جديدة ومتكرّرة، ويشتمل هذا النظام على وتيرة سير دقيقة، إضافة إلى عددٍ من العناصر المرئية والملموسة، ويشترك في أدائه شخص أو مجموعة من الأشخاص الذين لهم مهمّات محدّدة وقد ترتبط بارتدائهم لأزياء معيّنة، أو بتمتّعهم بصفاتٍ نوعيّة.

وإذا أردنا أن ننظر إلى السّامر على سبيل التحليل، فإننا نجده طقسًا احتفاليًا يشتمل على العناصر التالية مجتمعةً في نظام أدائي مرتّب ومنسّق :

  • العناصر السمعية : الألحان والأبيات الشعريّة وطرق الغناء المتنوّعة مع التصفيق الإيقاعيّ وإصدار الصيحات الحماسيّة.
  • العناصر الحركية : الرّقصات التي يتم أداؤها في مختلف مراحل هذا الطقس.
  • العناصر البصرية : الأزياء والأدوات المُستخدمة خلال الرّقص، والزينة التي يتم إعدادها بحسب المناسبة في موقع إقامة طقس السّامر.

فيما يشترك في تأدية فقرات هذا الطقس مجموعة من الشخوص الذين تكون لهم أدوارٌ واضحةٌ وموصوفة، وعلى بعضهم التمتّع بنوعٍ خاصٍ من المزايا التي تخوّله للقيام بدوره في طقس السّامر، ومن جملة هؤلاء الأشخاص :

  • القاصود (أو البدّاع) : وهو الشخص الذي يستلم مهامّ القيادة الموسيقيّة لغناء شعر السّامر، ويمكن اعتباره على أنه قائد جوقة المُنشدين، ومن المميزات التي ينبغي أن يمتاز بها القاصود؛ الذاكرة الشعريّة الكبيرة التي تمكّنه من استحضار وارتجال أبيات شعرية تتناسب مع التوقيت وطبيعة المناسبة والحاضرين، إضافة لامتلاكه الصوت الجهوري، والقدرات الإيقاعية التي تمكّنه من قيادة سرعة الغناء وتغييرها بحسب الجو العام. كما أن القاصود يجب أن يتمتّع أحيانًا بقدرات مسرحيّة وكاريزماتيّة لتساعده على التعبير عن معاني الشّعر بشكلٍ دراميٍّ ينسجم مع تأثيرها في وجدان السامعين.
  • الردّيدة : وهي بمثابة الجوقة من المُنشدين، الذين يصطفون على هيئة صفٍّ واحدٍ، وفي بعض الأحيان على صفّين متقابلين، ويقومون بإعادة ترديد أبيات الشّعر التي يغنّيها القاصود، أو بالرّد على غنائه بمردّات ثابتة. ولا يقتصر دور الردّيدة على الغناء وحسب، بل على التصفيق الذي يضبط إيقاع وسرعة الغناء، إلى جانب دورٍ رئيسيٍّ آخر في طقس السّامر، وهو التفاعل مع الحاشي في رقصها، ومن ثم أداء رقصة الدحّية، الصحجة، أو الرزعة.
  • الحاشي : الراقصة الرئيسيّة في طقس السّامر، وتاريخيًا فإن إحدى نساء القبيلة أو فتياتها تأخذ هذا الدور، أما في الحاضر فإنه من الممكن أن يكون مشتركًا بين النساء والرّجال أو على الرّجال وحدهم. وصفة رقص الحاشي؛ هي أنها تقوم بأداء حركات تمايليّة واستعراضية أمام صفّ الردّيدة، مستخدمةً السيف أو البندقيّة أو العصا، ومتلثّمةً بملفعها أو طرف عباءتها، وتتدرّج من اليمين إلى اليسار وبالعكس ذهابًا وإيابًا أمام صف الردّيدة، مُشْعِلةً في نفوسهم الحماس الذي يتصاعد تدريجيًا وصولاً إلى ذروة الرّقص في طقس السّامر.

كيف يُقام طقس السّامر؟

يُقام طقس السّامر بترتيبٍ واضحٍ ومنسّقٍ ودقيقٍ، حيث يبدأ بالعناصر البصريّة، ثم العناصر السّمعيّة، ثم العناصر الحركيّة، وتكون وتيرة طقس السّامر في البداية تتّسمُ بالسرعة المتوسّطة وتتصاعد تدريجيًا كلما تراكمت أنواع عناصره الثلاثة معًا، البصريّ فالسّمعيّ فالحركيّ، بشكل متتالٍ وبصفةٍ تراكميّة فيها تقنيّة تعزّز وتركّز الانطباعات الحسّية للحاضرين والمشاركين.

يبدأ طقس السّامر قبل أن يبدأ فعليًا، بالتحضير الرّوحي والنفسيّ للفرح الجمعي الذي ما أن يقترب موعده حتى تتصاعد مشاعر الحماس التي تدفع الجميع للتعاون الكامل بالتجهيزات اللوجستية التي ينتج عنها موقعًا مميزًا لإقامة الفرح في بيت صاحب المناسبة. ومن المعروف عند الأردنيين في المناسبات على اختلاف أنواعها التزامهم بقيم الفزعة والعونة التي تمثّل رابطًا روحيًا سرّيًا ينساب فيه جميع الأقارب والجيران والمعارف دون تفكير أو تخطيط في تشكيل فريق عمل عفوي يعبّر عن الرّوح الأردنية التي صنعتها تراكمات آلاف السنوات من النشاط الإنساني المتداعي لتحقيق ذرى حضاريّة تتغلّب على الفروقات والظروف والتحدّيات التي ما انفكّت تواجه الأردنيين منذ عصور قديمة ولازالت، أظهر خلالها الأردنيّون الفزعة والعونة الجماعيّة لبعضهم البعض ولجيرانهم التاريخيّين في أحداث سجّلها التاريخ. ولا يمكن النظر إلى فزعة الأقارب وتقديمهم العون في تجهيز ديكور الفرح وموقع إقامة المناسبة التي يعلو فيها طقس السّامر، بمعزلٍ عن فهمٍ عميقٍ لهذا السلوك الجمعي التاريخيّ الذي لطالما أخذ أشكالاً سياسيّة وعسكريّة على مدى آلاف السنين.

وعليه؛ فإن العناصر البصريّة التي تُعتبرُ جزءًا من طقس السّامر، والتي تشتمل على تجهيز الحطب لإشعال النيران وتوفير المقاعد والمراكي وأدوات ومواد تحضير القهوة والشّاي الذي يدور به المعازيب على الضيوف، وتزيين البيت بمشاعل النّار والرايات الملوّنة وبالذات الراية البيضاء التي قد تتوسّط بيت الفرح فوق المواقد، تعتبر جميعًا من العناصر البصرية التي تُعَدُّ إيذانًا ببدء الطقس الاحتفاليّ.

بعد أن يجتمع أهل الفرح والأقارب، يباشر صاحب المناسبة بدعوة الحاضرين لدخول السّاحة الأماميّة للبيت والبدء بالغناء، فيتصدّى لهذه الدعوة مجموعة من الشبّان ومعهم القاصود، فتتشكّل أولى صفوف الغناء والرّقص في طقس السّامر، وتكون هذه الانطلاقة الرسميّة للعناصر السّمعية في طقس السّامر، حيث يبدأ الغناء على النحو التالي :

القاصود :

الله يمسّيكو بالخير .. اظيوفن مع امحليّة

أول مسا للأجاويد .. ثاني مسا للكلّية

أول مسا للأجاويد .. ثاني مسا للوليّة

الله يمسّيكو بالخير .. الظيف اللي لفى سلّمْ

يا ظيفن يقريه العذر .. وظيفن عشّاه امولِّمْ

فيما تقوم مجموعة الردّيدة في كلّ مرّة بالرّد على القاصود :

هلا وهلا بك يا هلا .. لا يا حليفي يا الولد

ويستمر الغناء مع التصفيق بإيقاع متوسّط السّرعة لدقائق عديدة، قد يتخلّله أبيات شعرٍ تعالجُ موضوعات أخرى غير الترحيب، كمثل مدح أهل المناسبة، أو التفاخر ببعض القيَم والصفات، وغيرها من الموضوعات المتنوّعة التي جادت بها السليقة الشّعريّة الأردنية على مختلف ألحان الإرث الموسيقي فأغنت محتواها حتى غدا حصره صعبًا لكثرته وغزارته.

تُعتَبرُ الفقرات الغنائية الأولى في طقس السّامر إعلانًا لدعوة عامّة يتلقّاها كلُّ سامعٍ بالقبول والتلبية، فيتقاطر الضيوف من مختلف مضارب الجيران القريبة والبعيدة، وينضمّون مباشرةً إلى صفّ الردّيدة قبل دخولهم إلى البيت، بحيث يأتون من خلف الصّف ويخترقونه ويصبحون جزءًا منه وهم يصفّقون الإيقاع المسموع. ولهذه المشاركة قيمة كبيرة في نفوس الأردنيين، فالمشاركة بالغناء أو الرقص أو مجرّد التصفيق هو تعبيرٌ غير ملموس على المشاركة في إنجاح الحفل وتعظيم صوته وصورته، إذ يمكن اعتبار هذه المشاركة نقوطًا معنويًا يقدّمه الضيف لأهل البيت في فرحهم، وهو ما ينسحب أيضًا على المناسبات الحزينة حيث تتسابق النساء لغناء المعيد أو النواح أو اللطم وشقّ المدارق للتعبير عن مشاركتهم المشاعر لأهل الفقيد.

تُدعى مجموعات الضيوف التي يجذبها صوت السّامر إلى البيت الفرح بالـ “سراه، أو السرّى“؛ أي الذين يسرون تحت جناح الظلام ويتبعون صوت الغناء، وعند وصولهم والتحاقهم بصفّ السّامر فإنهم يعبّرون عن حضورهم بالغناء :

حنّا يومن سرينا .. تعليلة طَرَت علينا

والله لولا معزّتكو .. ما جينا ولا تعنّينا

ويستمرّ الغناء لفترة معيّنة على النحو السابق ومثيله، ثم يتوقّف للحظات معيّنة مع استمرار التصفيق دونما غناء، وتعني هذه اللحظات التهيئة للانتقال من الغناء المجرّد إلى دخول العنصر الحركي، مع كل العناصر التي سبق أن تراكمت في المراحل السابقة. وبعد هذا الصمت يقوم أحد القواصيد أو البدّاعين بالغناء :

يا من عين لي المعزّب .. يا من يذكّره ليّي

مرودي لربوعي حاشي .. ودّي البنت النشميّة

إلا يا معزّبنا تخيّر .. السّتر ولّا الفضيحة

مرودي لربوعي حاشي .. من البنات المليحة

هاتون الحاشي هاتونه .. هاتونه يلّي اتعرفونه

خلّه يتخضّع بردونه .. ليحوشي على الدحيّة

وتكون هذه الأبيات الشعريّة، إستئذانًا رسميًا جماعيًا يقدّمه المشاركون في صف السّامر من المعزّب لدخول الحاشي ومباشرتها الرّقص أمام الصّف، التي بدورها تدخل أمام الصّف برفقة صاحب الفرح الذي سيكون بطبيعة الحال من أحد أقاربها، ممسكًا بطرف مدرقتها أو ثوبها حتى تصل إلى الصّف فيتركها، وتباشر الحاشي التمايل والرقص بخفّة متناسبة مع سرعة الإيقاع المغنّى، والسير الراقص الاستعراضي للصّف من اليمين إلى اليسار والعكس، ممسكةً بالسيف أو البندقية أو العصا، ومرتديةً عباءة ولثام على وجهها. ويكون غناء الأبيات التالية حينها :

الحاشي جتنا ع هونه .. يا ربعي بالله تحبونه

يا ويلي ما اجمل عيونه .. رمتني عيون النشميّة

من الحاشي خلّك قريبي .. احرص على عيني لا تغيبي

عسى أنك من حظي ونصيبي .. تلقى من ربعك عطيّة

حاشينا ودّك المدح .. يا طولك غصّة الرّمح

لن شفتك صلاة الصّبح .. تزول همومي الخفيّة

لاشد اشدادي واجيبه .. واكرب(1) من فوق النجيّة

حرج وادويرع(2) عجيبة .. فوق ذلول عمليّة

يا بنت ملّا انتي ابنيّة .. لو فيكي من الطول شويّة

لحطّك بخريج الذلول .. والقيّ فيك الدويّة

الحاشي : سيّدة أردنيّة تحوشي بالسيف أمام صف من الرجال عام 1919

وبلحظةٍ ما يقوم أحد أقارب الحاشي ويمسك بطرف ردنها أو عباءتها، ويأخذها لتجلس بمعنى أنه يمنعها من الاستمرار بالرّقص أمام الصف، وتُدعى هذه العملية بـ “وسق الحاشي“، أي ربطها ورهنها، وهذا ما يستدعي أن يتجه القاصود نحو الشخص الذي رهن الحاشي ليتوسّل إليه من أجل يطلق سراحها، فيغني له :

يلّي ربطت حويشينا .. يا خيي وش لك علينا

يا الله ع الحق تقاضينا .. عند العوارف(3)  يقدونا

وش لك بالحاشي وقعوده .. خذلك من حقّه بارودة

يا روحي ما أقدر أسبّك .. أدنّق(4) عليك وأحبّك(5)

وأجوهك بالعالي ربّك .. تطلق حاشينا النشميّة

نعطيك اللي تريد وتهوى .. وندفعلك حملين القهوة

وندفع لك مية مع مية .. والموزر مع الرّدنية

وفي حال لم يستجب الشخص الذي رهن الحاشي، ينتقل القاصود بالغناء مع نبرة من التحدّي – الودّي بطبيعة الحال – ويخاطب الحاشي مباشرةً متجاهلاً مَن قام برهنها ومنعها من الرقص :

لا يطبّ بقلبك هوجاسي .. لافكّك يا اشقر الرّاسي

يا الحاشي هيه يا البنيّة .. وأنا صابتني برديّة

قالوا لي غطايا عندك .. بالله تعطيني المزوية

يا حاشي اعطيني الهندية .. من ايدك لايدي هديّة

يا حاشي اعطيني عباتك .. هبَّت عليّا الشرقيّة

يا مزغرتات الزغاريت .. طقّن ثلاثة سويّة

اللي ما تزغرت للغالي .. لاسوّي بيها جنّية

فتعود الحاشي مباشرة للرقص مجددًا بنفس الوتيرة السابقة، ويعود الغناء والتصفيق إلى وضعيته السابقة ما قبل “وسق الحاشي”، ومن جملة ما يُغنى بعد عودة الحاشي :

يا عشبن وانا له راعي .. ذبحني أبو عيون وساعي

يا بنت وانا طمّاعي .. اطرب لا شفت النشميّة

اطرب لا شفت العنودِ .. متلبّس بهدوم سودِ

عسى دهرنا يعودِ .. يبدل العتمة فضيّة

يتوقّف الغناء فجأة، وتبدأ الرّقصة التي تمثّل ذروة الحماس في طقس السّامر، وهي رقصة الرزعة، أو الدحّية (الدحّة)، وهي اللوحة الأدائية التي تلتقي فيها التعابير الصريحة عن الذكورة الغليظة والأنوثة الرقيقة، في آنٍ معًا، حيث يقوم الرجال في الصّف بالتصفيق وحَكّ أكفّ الأيدي مع النزول بأجسادهم نحو الأسفل وإصدار أصوات الفحيح مع الهمهمات التي تصدر من أغلظ طبقات الصوت الرجوليّة ( دحي دححيي – حي حي –) ، في حين تتوسّط الحاشي الصّف وتسير أمامهم بإيقاع سريعٍ، حتى تشتد وتيرة الرّقصة عندما يقترب الرجال من وضعية القرفصاء، وتسمّى هذه المرحلة بالسحجة (الصحجة)، ويقترب خلالها الرجال من الحاشي التي تردّهم عنها بالسيف أو العصا، وتستمرّ هذه العملية بين الكرّ والفرّ وتتصبّب جباه الرجال عرقًا، حتى تقترب الحاشي من مدخل البيت، فتدخله معلنةً إنتهاء الرقصة، التي ينتهي بانتهائها طقس السّامر ككل، ولكنّ أثره الرّوحي والنفسي والاجتماعي يبقى محفوظًا في نفوس الحاضرين، الذين قد يعاودون تكرار ذات الغناء والرقصات مجددًا في وقتٍ آخرٍ من الليلة ذاتها، وقد يشترك بها آخرون لم يكونوا قد اشتركوا بالجولة الأولى.

ماذا بقي من السّامر؟

يؤدّى غناء السامر تاريخيًا بصفة أكابيلّا A Capella) 6)، ولا ترافقه غير أصوات التصفيق والصيحات الحماسية والزغاريد، في حين ظهرت في أواخر القرن العشرين مجموعة من الفرق التي أخذت ألحان السّامر وقولبتها على شكل أهازيج غنائيّة بمرافقة الآلات الموسيقيّة، فساهمت بالمحافظة على ألحان وأشعار الكثير من الأنماط النوعيّة لطقس السّامر؛ وهو ما يمكن توصيفه بالانتخاب الطبيعي لهذا الإرث السّمعي والحسّي والقِيَميّ والجماليّ، الذي نختصره بعنوان “الإرث الموسيقيّ”.

وإذا لم تعد ممارسة طقس السّامر بكامل تفاصيله التقليدية منتشرة كما في الماضي، فإن ذلك يعود لمتغيّرات حياتيّة طبيعية تؤدّي بطبيعة الحال إلى تغيّر أنماط وعادات وتقاليد لدى كلّ الشعوب، إلا أن الأردنيين اليوم، ومن كافّة الفئات العمرية، والخلفيات المجتمعيّة، يمكنهم بكل بساطة استعادة الروح الإيقاعيّة للسامر بمجرّد سماعهم للمردّة الشهيرة : هلا وهلا بك يا هلا، التي اخترقت السنين والأجيال وظلّت حاضرةً في الوجدان جيلاً بعد جيلٍ. ولعل أحد أبرز هذه التجلّيات الحديثة لهذا الحضور الخاص الذي يتمتّع به السّامر في الذاكرة السمعيّة للأردنيين، هو المقطع الشهير لجماهير نادي الفيصلي الأردني التي ردّدت اللحن والكلمات مع أغنية الفنان الأردني عمر العبدللات بصورة عفوية تؤكد أهميّة هذا الطقس لجميع الأردنيين على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم.

تعريف مفردات البحث :

  1. أكرب : أشدّ.
  2. ادويرع : خرج الناقة.
  3. العوارف : قضاة البادية.
  4. أدنّق : التدنيق هو أن ينزل شخصٌ واقفٌ إلى مستوى شخصٍ جالسٍ، ويُقال “أطمِّنْ”.
  5. أحبّك : أُقبّلُكَ، وحُبّة تعني قُبلة، في اللغة الأردنية.
  6. A Capella : أكابيلّا (لغة إيطالية)؛ مصطلح موسيقي يعني غناء مجموعة من المغنّيين مع بعضهم البعض دون مرافقة الآلات الموسيقية.

المراجع :

  • العبّادي، أحمد عويدي، المناسبات البدوية (سلسلة من هُم البدو 3)، 1979 الطبعة الأولى، دائرة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام الأردنية.
  • الخشمان، مصطفى، السامر في الأردن، 2018، دراسة، موقع التراث الثقافي غير المادّي الإلكتروني، وزارة الثقافة، عمّان، الأردن.
  • الخشمان، مصطفى، الأغاني الأردنية في الجنوب، 2016، دراسة، منشورات العقبة مدينة الثقافة الأردنية، وزارة الثقافة، عمّان، الأردن.
  • غوانمة، محمّد، الغناء البدوي في الأردن، 2009، دراسة، جامعة اليرموك، إربد، الأردن.