“عليم البلقاء” الشيخ سالــم سليمــان أبــو الغنــم

الشيخ سالم أبوالغنم

الشيخ سالم أبوالغنم

ولد الشيخ سالم أبو الغنم رحمه الله عام 1885 في مضارب عشيرته، في الفيصلية غرب مدينة مادبا وقد نشأ الراحل سالم أبو الغنم في ظل أجواء التوتر الناتج عن الرفض لوجود المحتل التركي، وكانت عشيرته أسوة بغيرها من العشائر الاردنية تكيفت مع حالة الاحتلال التركي بالتحول من حالة الحضر والاستقرار الى البداوة والترحال نظراً لهدم البيوت والتجمعات الأهلية بشكل مباشر كما حصل في هية الكرك 1910 وغيرها من الثورات الصغرى، ونتيجة للضرائب الجائرة التي تبدأ من 25% على الدخل. فلجأت العشائر الى الحركة الموسمية في المنطقة، من خلال بيوت الشعر، التي تنصب في منأى عن يد قوات الاحتلال التركي وحيث الكلأ والماء، وبنى الاردنيون ضمن ذلك ثقافة بدوية متكاملة اعتمدت على الترحال الزماني بحسب تعاقب الصيف والشتاء، متنقلين بين أرض الشفا والغور، وكان أبناء العشائر يربون على أعمال الرجال في سن مبكرة. وهكذا كان الراحل سالم ابو الغنم  فتعلم الفروسية، والمبارزة بالسيف، وأتقن استخدام البندقية، وتدرب على الكر والفر، الذي يتقنه الاردنيون في ثوراتهم الصغرى على المحتل العثماني.

 كانت  الأردن تعاني من صلف الاحتلال التركي العثماني والتهميش والتدمير الممنهج والذي تجلى، بعدم وجود اي منشأة تنموية او حضرية تذكر فلم يتم بناء المؤسسات التعليمية الا ما ندر بآخر خمسين عام وبتبرعات الأهالي، وهذا السلوك الممنهج عبر القرون يأتي بقصد تجهيل الأردنيين  ليسهل لسلطات الاحتلال التركي العثماني السيطرة عليهم، فلم يحظى أجدادنا في تلك المرحلة بفرصة مناسبة لتلقي العلم، لذلك لم تتح للشيخ سالم ابو الغنم رحمه الله  فرصة الدخول إلى المدرسة، لكنه تمكن من إتقان المبادئ الأساسية في القراءة والكتابة والحساب وحفظ سور من القرآن الكريم، من خلال الكتّاب الذي يشرف عليه رجل الدين في المنطقة الذي يتعاون الأهالي على دفع أجره وتكاليف مسكنه.

ينتمي سالم أبو الغنم إلى بيت زعامة عشائرية متوارثة، وكان (الشق) أو مضافة الشيخ العامرة منذ الصباح وحتى منتصف الليل بالحركة والزوار والأحداث المتلاحقة، هي الجامعة الحقيقية التي وفرت له مجالاً خصباً للتعلم، فهي توفر كماً كبيراً ونوعياً من التجارب الحياتية، والخبرات اليومية في مواجهة المشاكل وكيفية التعامل معها، والقدرة على فهم الناس ومساعدتهم. لذا لازم والده الشيخ سليمان أبو الغنم، الذي كان شيخاً له شأن ومكانة داخل البلقاء وخارجها، وكان قاضياً عشائرياً ذائع الصيت، وقد أفنى حياته في خدمة الناس. فكان الشيخ سليمان خير معلم لابنه الشيخ سالم الذي ظهرت عليه علامات النبوغ والذكاء وسرعة البديهة، والقدرة على معاضدة والده في السراء والضراء، وبفضل هذا الواقع تفتح وعيه على البعد الوطني الاردني التحرري الذي بدأ يسود المنطقة كلها بعد ضجر الأردنيين من أكبر مسرحية تجارة بالدين على مدى اربع قرون بعد استشراء الظلم والتعسف التركي والهدم والتدمير والتجهيل تحت ستار الدين. وهنا برزت الميول الوطنية لديه ولدى أبناء الاردن الأحرار عموماً، وقد تعمق هذا الجانب لديه مع مرور الأيام وتراكم الأحداث، فكان حاضراً وفاعلاً في المجالس والمشاورات التي اشترك فيها رجالات الأردن قاطبة، مؤكداً مقدرته على بلورة وعي أردني وطني فطري يكرر ذاته عبر القرون فيحفظ للأردنيين والعرب معهم كرامتهم وحضارتهم.

وجد الشيخ سالم أبو الغنم نفسه في مواجهة المسؤولية الكبيرة، عندما حمل أمانة الزعامة العشائرية بعد وفاة والده الشيخ سليمان، وقد تسلم هذه المسؤولية في ظرف دقيق تمر به الأردن بشكل خاص بعد تسارع الثورات الصغرى بها والبلاد العربية شرق المتوسط بشكل عام، حيث علَق جمال باشا الملقب بالسفاح والي دمشق، أحرار العرب ومفكريهم على أعواد المشانق في دمشق وعاليه وبيروت. لذا بادر الشيخ الى المشاركة في مؤتمر بلودان في سوريا عام 1915، وهو مؤتمر سري عقد لتأييد قيام ثورة عربية بقيادة الشريف الحسين بن علي ضد الحكم العثماني الجائر، وكتابة ميثاق يتضمن تحرير الأوطان العربية من الاحتلال العثماني التركي. تسرب خبر المؤتمر إلى والي دمشق فلاحق المؤتمرين، وبطش بمعظمهم، فقد أصدر حكم الإعدام بحقهم، وقد نفذ الحكم بعدد منهم ونفي عدد آخر إلى أوكار التعذيب بالأناضول. تمكن الشيخ سالم أبو الغنم من تجنب الوقوع بقبضة جمال باشا، كونه زعيماً عشائرياً كبيراً، وتوجد مضارب عشيرته بعيداً عن متناول عسكر الوالي بشكل مباشر نتيجة تكيف الاردنيين مع حالة التدمير الممنهج لأرضهم ووطنهم ، فباتوا بمنأى عن يد جيش الاحتلال التركي وعن مراكز الحكم التابعة له.

وعندما اندلعت الثورة العربية الكبرى ووصولها إلى المناطق الشرقية في الأردن، ساند الشيخ سالم هذه الثورة مع عدد كبير من رجالات الأردن، وعندما وصل الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان توجهت وفود عشائرية أردنية لاستقباله وإعلان الولاء للهاشميين لقيادة الأردنيين لمتابعة طريق الاستقلال. كان الراحل الشيخ سالم أبو الغنم من بين هؤلاء الرجال، فلقد آمن أن القيادة الشرعية والحكيمة المتمثلة بالهاشميين وحدها القادرة على ملء الفراغ، وتحقيق الحرية والتنمية اللتين غابتا عن الأردن لأربعة قرون من الزمن.

واجهت الأردن مخاطر متلاحقة عند تأسيسها، فلقد تعرضت الأرض الأردنية لغزو الوهابيين، الذين اجتاحوا مضارب العشائر، وقتلوا عدداً من أبنائها، حتى وصلوا إلى (الطنيب) و(حسبان) فقاد الشيخ سالم أبناء العشائر في مادبا ووقفوا الى جانب العشائر الأردنية وفرسانها، وهاجموا المعتدين وتمكنوا من صدهم خائبين.

تابع الراحل سالم ابو الغنم رحلته ورحلة الاردنيين مع الهاشميين في رسم طريق الاستقلال الطويل الذي بدأ بهروب آخر جندي عثماني عام 1918 ليبدأ بعدها النضال السياسي ضد  الانتداب البريطاني في الأردن. فكان الشيخ على تواصل مع المتنورين من أبناء الأردن، وقد شارك في المؤتمر الوطني الاردني العام الذي عقد في الخامس والعشرين من شهر أب عام 1928، من أجل تدارس وضع البلاد والخروج برؤية سياسية واجتماعية واضحة، وكان مشاركاً فاعلاً حيث أنتخب في عضوية اللجنة التنفيذية للمؤتمر ممثلاً لعشائر البلقاء، ودعا المؤتمر إلى وضع ميثاق وطني، ورفض وعد بلفور، ومقاطعة الانتخابات إلا أذا قامت على أساس ديمقراطي تكون فيه الحكومة مسؤولة أمام مجلس النواب المنتخب.

وقد تم اختيار الشيخ سالم أبو الغنم رحمه الله ضمن الوفد الذي قابل الأمير عبد الله الملك المؤسس رحمه الله وسلمه الميثاق الذي خرج به المؤتمر، الذي تحول إلى حزب سياسي لاحقاً في الثورة المؤسسية النهضوية التي شهدها الأردن حال خروج الاحتلال العثماني منها.

وعندما جرت الانتخابات النيابية الاردنية لأول مرة، انتخب سالم أبو الغنم عضواً في المجلس عن مدينة مادبا التي كانت جزء من البلقاء وقتها، وقد استمر بالقيام بواجبه الوطني الاردني بوتيرة متصاعدة، وشارك الراحل في المهرجانات والمناسبات الوطنية، ذات الصفة الاستقلالية، وعندما تم تأسيس حزب الشعب الأردني كان أحد مؤسسيه، الذي دعا إلى النهوض بالأردن في كافة المجالات، ومنح أبناء الأردن الأولوية في الوظائف العليا التي كانت في أغلبها من نصيب الموظفين المعارين.

عرف الشيخ سالم أبو الغنم بلقب «عليم البلقاء» لسعة معرفته في شؤون العشائر والقضاء العشائري فكان يقوم مقام محكمة التمييز في القضاء المدني، وكان وطنياً مثقفاً وأردنياً نبيلاً، وشاعراً امتلأ شعره بالحكمة والعاطفة الصادقة، وقد أحبه الناس بشكل لافت، وقد انتخب عام 1955 رئيساً لبلدية مادبا، لكن المنية عاجلته حيث توفي في السادس من آذار عام 1956.

كانت لحظة فراقه لحظة مشهودة حيث بكته مأدبا وضواحيها والبلقاء وعشائرها والأردن من أقصاه إلى أقصاه، حيث امتزج صوت الآذان بأجراس الكنائس التي ودعته الى مثواه الأخير في مادبا التي عمل وناضل وخاطر بحياته لأجلها فبقي حاضراً في الذاكرة بذكره الطيب وعمله الصالح الذي لاينسى.


المراجع:

  • سالم سليمان ابو الغنم ،كان حسه القومي طريقا لوطنيته الاصيلة ،هزاع البراري
  • «ديوان شعر عشائر البلقاء/ ما قالوه وما قيل فيهم»،الشيخ الشاعر عبد الله سالم صالح الشاهين
  • معلمة التراث الأردني ، روكس بن زايد العزيزي