الرّبابة

14715638_1832465236986906_2781893143201255429_o

مقدمة تاريخية

الربابة ؛ آلة الشّعر والسّهر في بيوت الشّعر، آلة موسيقيّة أردنيّة أصيلة ضاربة جذورها في القدم، وهي آلة وترية – قوسيّة، نشأت وتطوّرت في الشرق الأوسط منذ أزمان بعيدة، وهي الآلة الأصل التي تطوّرت عنها نماذج شبيهة أدّت في القرن الخامس عشر وما بعده إلى ظهور آلة الكمان Violin الذي منه تكوّنت عائلة الآلات الوترية في الأوركسترا السّيمفوني. وعلى الرغم من تعدد الروايات حول نشأة الربابة، إلا أن الربابة الأردنية تمثّل النموذج الأصيل الذي تطوّرت منه نماذج أخرى زاد فيها عدد الأوتار عن الوتر الواحد، وما تزال الربابة الأردنية ذات الوتر الواحد موجودة في البادية الأردنية وعلى امتداد مساحاتها، ولا زال الأردنيّون يصنعونها من المواد التي أخذوها من بيئتهم وطوّعوها لتعبّر عن موسيقاهم وهُويتهم الخاصّة.

صناعة الربابة 

تُصنع الربابة في البادية الأردنية بشكلٍ فرديٍّ، فأي شخصٍ يرغب أن يقتني ربابةً يباشر بصناعتها بنفسه معتمدًا على المعايير المشتركة والبسيطة في شكل الآلة وحجمها. وتتمثّل صناعة الربابة بشد قطعتين من جلد الضأن المنزوع الصوف أو الشعر على جهتي صندوقٍ خشبيٍّ مستطيلِ الشكل، فيتكوّن الصندوق المصوّت Music box الذي يؤدي اهتزاز الوتر الممدود فوقه إلى إصدار صوت الربابة ذي النكهة السمعية الخاصة. ويساهم استخدام شعر الخيول في صناعة الوتر والقوس في نوعية الصوت الصادر عن الربابة، بخلاف الآلات التي تُصنَع أوتارها من المواد المعدنية أو البلاستيكية أو أحشاء الحيوانات.

تتكون آلة الربابة من مجموعة من الأجزاء المترابطة معاً بطريقة صناعية بسيطة تأتي على النحو التالي :

أ.الصندوق المصوت : وهـو عبـارة عن إطار خشبي مستطيل الشكل، عرضه الأعلى أقصر من عرضه الأسفل، أما ضلعاه الطويلان فمقوسان إلى الداخل، ويغطى وجه وظهر الصندوق بالجلد ويفضل العازفون جلد الغزال، والسبب في ذلك هو نعومة جلد الغزال، ورقته، والذي يساعد على إخراج أصوات أفضل. وغالباً ما توجد ثقوب على زوايا وجه الصندوق تترواح بين واحد إلى ثلاثة تساعد على تضخيم الصوت.

ب.الرقبة (الساعد): وهـي عمـود خشبـي يتصـل بالضلـع الأعلـى للصـندوق المصوت خرطت مقدمته على شكل مئذنة، ويعادل طوله الصندوق المصوت.

ج.الوتر (السبيب): وهـو مـن شعـر ذيـل الحصـان، يتـم تصفيف وترتيـب الشعيرات باستخدام ما يعرف بحصى اللبان حيث يثبت الوتر بأعلى الرقبة بواسطة مفتاح لتسهيل عملية شد أو ارخاء الوتر، أما من الجهة الثانية فيربط الوتر بحلقه مثبتة على طرف القضيب الحديدي الذي يخرج من أسفل الصندوق.

د.الحزام (الربطة): وهو حزام من خيط متين يُلف على محيط الرقبة ماراً من فوق الوتر من الجهة العلوية، وظيفته الأساسية هي تحديد بداية مطلق الوتر من الأعلى، ويستطيع العازف ضبط الوتر بتحريك هذا الحزام إلى أعلى فيغلظ صوت الوتر أو تحريكه إلى أسفل فيحتد صوت الوتر.

هـ.المفتاح (العصفور أو المفراك): وهـو عبـارة عـن قطعـة خشبيـة مثبتـة بأعلـى الرقبـة ووظيفتـه تسهيـل عمليـة شـد وارخـاء الوتـر.

و.عمود الارتكاز: وهـو عبــارة عـن قضيـب حديـدي صغــير ووظيفتـه ارتكاز الآلة عليه.

ز. الغزال (الفرس) : هـو عبـارة عن قطعة خشبية صغيرة تثبت على الربع الأسفل من الصندوق بين الوتر والغطاء الجلدي، وذلك لرفع الوتر عن الآلة.

ح.القوس : غالبا ما يكـون قـوس الربابة عبـارة عن عود من الخيزران اللين، يربط رأساه من الطرفين بوتر من شعر ذيل الخيل، ويشد لكي يأخذ شكلاً مقوساً، بحيث يكون طول الشعر المربوط على القوس يساوي نصف طول القوس في اطلاقه والغاية من هذا التقوس هو أن يكون الوتر مشدوداً إلى أقصى مدى، وذلك لكي يحدث الذبذبة المطلوبة لاصدار الصوت عند جرّه على وتر الربابة.

أجزاء الربابة

تقنية العزف 

تكون الربابة في وضعية العزف بهيئة مماثلة لوضعية عزف آلة التشيلّو، بحيث تقف على العامود المعدني الذي في أسفلها، ويضعها العازف الجالس بين قدميه، ويُمسك عنقها بيده اليسرى، والقوس باليد اليُمنى. يصدر الصوت من آلة الربابة عبر تمرير القوس على الوتر، وهذا ما يُسمّيه الأردنيون بـ “الجَر”، وتُدعى الألحان التي تُعزَف على الربابة بالـ “جرّات”. يتكوّن المدى الصوتي للربابة من خمس نغمات في الغالب، تكون النغمة الأساسيّة Tonic note في حالة الوتر المُطلق Open String، أما النغمات الأخرى فيُصدرها العازف من الربابة عبر العفق “الدوس” على الوتر بأصابع يده اليسرى المُثبّتة على الوتر في وضعية ثابتة لا تتغيّر طيلة العزف.

أبو النادي قصيدة غزلية.MOV.00_29_26_02.Still001

أبو النادي، شاعر ربابة في البادية الشمالية، 2018

الربابة أردنيّة الشّكل والمضمون 

يمكن القول أن آلة الربابة هي أيقونة أردنيّة خالصة، تعكس بشكلها وصوتها ومكانتها مكنوناتٍ جمالية في المجتمع الأردني المتّصل والمتفاعل مع بيئته بكل سلاسة وفهم عميق لطبيعة ونوعيّة وجوده وحدوده. فالربابة من أكثر الآلات الأردنية أصالةً وارتباطًا بتاريخ الأردنيين وتعبيرًا عن مظهر وجوهر التكوين الاجتماعي في الأردن، وهي آلة حاضرة في ريف وبادية الأردنيين على حدٍّ سواء، صنعها وطوّرها وهذّبها الأردنيون منذ القِدَم لتعكس أيضًا التنوّع البيئي الأردني.

نجد في مكوّنات الربابة، حضورًا للريف الأردني حيث تقف أشجار البطم والسنديان التي تم تطويع أخشابها والاستفادة منها، وهي من الأخشاب الخفيفة التي جرت العادة على صناعة الربابة منها للحصول على خفّة في الوزن يتناسب مع ظروف عدم الاستقرار المكاني داخل حدود الجغرافيا الأردنية بسبب الاستهداف العدواني المتكرر من الخارج وآخره في زمن الاحتلال العثماني.

تُشَد على الأخشاب الجلود الحيوانية المتوفّرة وهي غالبًا من جلود الماعز، وفي بعض الأحيان النادرة جلد الذئب. أما الوتر والقوس المصنوعان من شعر الخيل ففيهما تعبير مشترك بين البادية والريف. وبعد أن تُصبِح الربابة جاهزة للاستخدام تصدح بالجرّات في الدواوين والمجالس البدوية والريفيّة بصوتٍ يحاكي حنيّة الإبل على صغيرها، ويرافقها الصوت البشريّ المتأثّر ببيئته والمتحد مع صوت آلته ذات الوتر الواحد التي تمثّل ذروة الأناقة الحضارية في التعبير عن الهُوية بأدوات المكان وروحه وتفوّق الإنسان وبَوحِهِ.

على الرغم من وجود آلة الربابة في بلدان أخرى قريبة وبعيدة عن الأردن، إلا أن الربابة الأردنية منتشرة في الأردن من أقصاه إلى أقصاه وليس في منطقة دون الأخرى، وتتميّز؛ رغم أنها ذات وتر واحد، عن غيرها من نماذج الربابة في البلدان والثقافات الأخرى، بأنها الأكثر تهذيبًا في الصوت، ورزانة في الأداء والأسلوب، وهي في الأردن ليست آلة مُرافِقة أو مُرافَقة بآلات أخرى، ولكنها منفردة في الأداء والحضور، لا يرافقها سوى الصوت البشري الذي تنساب منه أبيات القصيد المغنّاة، وهذا هو شكل الأمسيات الشعرية المعتمد عند الأردنيين، وهي الفرصة النادرة التي يبوح بها الأردني عن سجل وأرشيف مشاعره الوجدانيّة التي غالبًا ما يكون قد انفرد في مواجهتها وحيدًا مع ذاته.

يُسمّى عازف الربابة عند الأردنيين “شاعر الربابة” أو “لعّاب الربابة”، ويعزفها الأردنيون على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية، بمن فيهم الشيوخ، في التعاليل والسهرات، ويتداورون العزف عليها في طقسٍ يُعرَف بالـ “مداورة”، ولا يكاد يخلو بيت أردني من ربابة معلّقة على الواسط أو في زاوية بين الجدران، ولها اسم آخر يعرفه الأردنيون هو “الفاطر”، والفاطر في الأصل هو إسمٌ من أسماء الناقة التي يُشَد بها الرحال، ولهذا الاسم الذي يُطلَق على الربابة أحيانًا دلالةٌ في الرؤية الفلسفية الأردنية لآلة الربابة التي تعتبرُ الجَر عليها سفرًا بالحاضرين ورحلةً يقودها الشاعر أو لعّاب الربابة إلى داخل نفسه وإلى المضمون الشعري الذي يغنّيه.

تجارب حديثة 

يُعتبَرُ الفنان الأردني عبده موسى، أردنيًا وعربيًا، نجم الربابة في القرن العشرين بلا منازع، إذ استطاع أن يقفز بهذه الآلة ذات الوتر الواحد بإسلوبه الخاص في أدائها إلى مرحلةٍ مكّنتها من الاشتراك في كافة الفرق الموسيقية وعزف معظم الأغاني على اتساع وتنوّع مقاماتها الموسيقيّة، لتصبح ربابة عبده موسى نموذجًا أردنيًا يُضاف إلى نماذج موسيقيّة أخرى طوّرها الأردنيون، خطف أنظار الجمهور وساهم بنشر الموسيقى الأردنيّة الأصيلة وتصديرها إلى الدول المجاورة والبعيدة في زياراتٍ وحفلاتٍ تاريخية أقامها عبده موسى على أهم شاشات التلفزة في المنطقة وقاعات الحفلات العالميّة.

ولم تنقطع الأبحاث الأكاديمية التي اهتمّت بهذه الآلة ودراستها تاريخيًا وتقنيًا، بل ولم تنقطع التجارب الأردنية التي أُجريت على أيدي مؤلفين موسيقيين وعازفين أردنيين اهتموا بالربابة وأدخلوها في مؤلّفاتهم، كأغنية “هبّت هبوب الشمال” التي أعاد توزيعها الموسيقار الأردني هيثم سكّرية واستخدم في مقدّمتها تقاسيم على وتر الربابة.

مراجع 

  • حمام، عبدالحميد، الآلات الموسيقية التقليدية في الأردن، بحث، 2002، ص6.
  • غوانمة، محمد، الربابة العربيّة، بحث، 2003
  • مقابلة لفريق عمل إرث الأردن مع الباحث في التراث الشعبي عاقل خوالدة، بلعما، 2018.
  • مقابلة لفريق عمل إرث الأردن مع عازف الربابة تركي العون، صبحا، 2018.
  • مقابلة لفريق عمل إرث الأردن مع عازف الربابة أبو النّادي، المكيفتة، 2018.