بطليموس المخلّص

 

عقب موت ألكسندر الكبير، تولّت السلالة البطلمية الحكم عام 333 ق.م. واستمرت حتى العام 30 ق. م.  وكانت فترة حكم هذه السلالة حقبة هادئة إلى حد كبير من تاريخ مصر. ومع حصول ثورة واحدة في مصر العليا، استطاعت الثقافتين اليونانية والمصرية الانسجام وخلقتا جو لا مثيل له من الإبداع والفكر. يتضمن ذلك مكتبة ومتحف الإسكندرية وتطور اللغة القبطية ودمج الدينين المصري القديم مع الديانة اليونانية، إضافة لبناء المسارح والمباني الإدارية ومبان أخرى لصك العملة.

يعود الفضل لأغلب إنجازات الحقبة البطلمية إلى بطليموس فيلادلفوس الثاني. فقد قام بطليموس الثاني بتشكيل إطار عمل مجتمعي وحضاري خلال فترة حكمه (283 إلى 246 ق.م) ويظهر هذا جليا في تأسيس ونجاح مكتبة الإسكندرية. لقد جذبت المكتبة أعظم العقول من مختلف أرجاء المملكة الهلنستية، وبفضل ذلك حُفظت الأعمال الأصلية لمؤلفين عظماء كهومر وهسيود.

صورة توضيحية متخيلة لمكتبة الإسكندرية

كانت مكتبة الإسكندرية أشبه بعالم مصغر عن باقي مصر خلال فترة حكم بطليموس الثاني. لقد توغلت القيم اليونانية من حرية وفضيلة في نسيج المجتمع. ويمكن التدليل على ذلك بانتصاراته كما توفر لنا النقوش أدلة كثيرة على تحرر المرأة في مصر الهلنستية. علاوة على ذلك، كان صك العملة أحد أهم مميزات فترة حكمه.

لطالما كانت نقوش العملات ذات أبعاد سياسية. فهي تدلل على الوضع السياسي والاجتماعي للمنطقة التي تصك فيها. ويمكننا بتتبع عملات عهد بطليموس المخلص أن نستشف الكثير عن أوضاع تلك الحقبة من الزمن. ويدل انتشار العملة في السلالة على قوتها ونفوذها وتجارتها. إضافة إلى الغنى والثراء وبسط السيطرة على المملكة. وينطبق الأمر على العملات المسكوكة في عهد بطليموس التي اكتسبت أهمية كبيرة منذ اكتشافها في العصر الحديث في عمان، الأردن. فقبل تسميتها ( عمان ) كانت تسمى (فيلادلفيا) نسبة إلى بطليموس فيلادلفيوس الثاني الذي حكم المنطقة عام 301 ق.م.

عملة ذهبية من حقبة بطليموس يظهر عليها وجهه منقوشا. غالبا ما كانت العملات الذهبية هي العملات المتداولة على نطاق واسع أما العملات البرونزية فكانت عملات محلية

إن لهذه العملة أهمية كبيرة من عدة أوجه. فيمثل النسر المنقوش على العملة القوة والعظمة التي يريد بطليموس إيصالها. لقد آمن اليونانيون بأن النسر هو أكثر الطيور قوة وقدسية على الإطلاق. حيث يقول أرسطو أن النسر “يطير عاليا ليطمئن على البلاد العظيمة” ولهذا ” يراه البشر مقدسا على عكس كل الطيور ..” (HA 619b.6) فالنسر على العملة بجناحيه المبسوطين يوضح المعنيين: قوة المملكة البطلمية والتحليق عاليا في سمائها.  يرمز النسر أيضا إلى النصر والغلبة؛ مانحا الرجال الشجاعة كونه الطير الممثل للإله زيوس. على العملة يظهر لنا النسر واقفا على صاعقة أو برق. إن الصاعقة إحدى أهم رموز القوة والقدرة الإلهية في الحضارات القديمة؛ وفي الأدبيات اليونانية، يظهر البرق كثيرا كأداة للقوة والعظمة.

عملة برونزية من عهد بطليموس المخلص وتظهر فيها الرموز التي تستخدم لاعطاء انطباع السيطرة والقوة. عادة ما كانت العملات البرونزية تصك بشكل محلي في مدن الديكابوليس

يظهر على الوجه الآخر من العملة وجه بطليموس محاكيا ألكسندر الكبير نفسه. كان الشعر المجعد إحدى مميزات تلك الفترة، حيث يمكننا رؤية الكثير من التصاوير للإسكندر الكبير بشعر مجعد وأشعث إضافة لارتدائه إكليلا. يدلنا هذا على أن بطليموس كان يبذل ما في وسعه ليكون بقوة ونجاح ألكسندر. إضافة لما سبق، قد توحي صورة بطليموس على العملة بأنه أراد تقديم نفسه كالوريث الشرعي للعرش وبالتالي منع أي أحد من التشكيك في شرعيته.

يمكننا أن نلاحظ من النقش على العملة أن بطليموس يرتدي تميمة aegis على رقبته. إن كلمة aegis هي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية ‘αἰγίς’ والتي تعني بالأصل جلد الماعز. ارتبطت ال ‘αἰγίς’ بالإلهين أثينا وزيوس في الميثولوجيا اليونانية. وغالبا ما تم تصويرهما وهما يلبسانها على الجسد أو على الدروع. وقد اعتُقد أن هذه التميمة تحمل قوة كبيرة وحماية رمزية وأمانا وحفظا.  إن هذا يؤكد فكرة أن بطليموس أراد لسلالته أن تتمثل الرموز والفضائل القيم اليونانية.

صورة أثينا على إناء وهي ترتدي تميمة

هنالك دليل آخر يدعم هذه الفرضية وهو الكتابة اليونانية القديمة الموجودة على العملة. فقد كتِب على العملة ‘πτολεμιον σωτήρ’ والتي تعني “بطليموس المخلّص”. تنفرد هذه العملة بذلك، حيث أن أغلب العملات التي صكت في مرحلة مبكرة من حكمه تشير له باسم ‘ΒΑΣΙΛΕΥΣ’ والتي تعني “الملك”.  وبما أن هذه العملة المميزة التي تشير إلى بطليموس بالمخلص قد وجدت حصرا في عمّان فإنه هذا يدل على أن بطليموس اختص الأردن بوضعها تحت حمايته لإدراكه أهميتها.
إنّ تأثير هذه السلالة على فيلادلفيا يمكن أن نراه في الكثير من الآثار المعمارية الهلنستية التي تزين في بلادنا. فعلى سبيل المثال، قصر العبد الواقع شرقي المملكة الأردنية والذي يعرف رسميا بتايروس كان قد بني خلال الحقبة الهلنستية.  لقد صمدت تأثيرات المملكة الهلنستية رغم تعاقب العصور، وتشهد الآثار المعمارية الخلابة في البترا على ذلك حيث أنها لا تخلو من الطراز الهلنستي ومن تأثيرات الإسكندرية. إن هذا يظهر عمق الأثر الذي خلفته الحقبة الهلنستية والنجاحات التي حققها بطليموس الثاني.

بطليموس الثاني والمشار إليه ب ‘ΒΑΣΙΛΕΥΣ’ في معظم العملات.

قصر العبد، قصر هلنستي بني عام 200 ق. م.

لم يقتصر تأثير المملكة الهلنستية على الأردن بالآثار والطرز المعمارية الجميلة، إن تأثيرات فيلادلفيوس تتعدى ذلك لتصل إلى حاضر هوية الأردن اليوم. إن كلمة فيلادلفيوس مشتقة من الكلمة اليونانية ‘φιλάδελφος’ والتي تعني الحب الأخوي. إن هذا المبدأ لهو إحدى دعائم الأردن اليوم، وهو سلوك ينعكس يوميا في واقع المجتمع الأردني. إن للأردن تاريخ طويل من الحب واستقبال اللاجئين والمهاجرين والسياح، إنه أمر نمت بذوره في حقبة بطليموس الثاني.

المراجع:

Goussous. N, Alzoubi, H. and Naghawy, A,(2014) Inedited and rare ancient, classical and bazantine coins, Jordan Ahli Bank Numismatic Museum.

قصرالعبد، أبحاث إرث الأردن المنشورة http://jordanheritage.jo/qasr-al-abd/