الأردنيون الغساسنة: العلاقات السياسية الخارجية

تمهيد

ناقشنا في البحث الأول من سلسلة الأردنيون الغساسنة المشهد العام للمنطقة إضافة للتركيبة المجتمعية العرفية التي ساهمت في تأسيس الإمارة الغسانية الأردنية ومن ثم المملكة الأردنية الغسانية التي قادها الملك الأردني الغساني الحارث بن جبلة، أول حاكم غساني يحمل لقب ملك عام 530 ميلادي. وبحثنا في طبيعة السلطة التي منحت للغساسنة من قبل العشائر الأردنية في البادية والريف والمدن وحواضر الأردنيين الأدوميين والأنباط وغيرهم. وقد أجمع الباحثون على أن الأردنيين الغساسنة قد لعبوا دور حلقة الوصل بين مدن الديكابوليس وبين القوى الرومانية بشكل يحفظ للمدن الأردنية خصيصا استقلالها وحكمها الذاتي وازدهارها التجاري.

نستكمل في سلسلة الأردنيين الغساسنة توضيح ملامح العلاقات السياسية بين الغساسنة والدول المجاورة مع التركيز على العلاقات الغسانية البيزنطية بوصفها أهم العوامل التي مهدت لحكم غساني امتد لأكثر من أربعة قرون من سهول حوران الأردنية إلى أذرح جنوب الأردن ومن الساحل الفلسطيني غربا إلى تخوم البادية الأردنية الشرقية.

وخلال فترة توليهم الحكم، استطاع الأردنيون الغساسنة الإبقاء على علاقة جيدة ومستقرة مع حلفائهم البيزنطيين وذلك لما عرف عنهم من الحنكة السياسية.

مناطق نفوذ الأردنيين الغساسنة

يعد فقر المصادر واختلاط المعلومات الواردة عن الغساسنة في المراجع أحد أهم الصعوبات التي تواجه الباحث في تاريخ الغساسنة. لقد طال هذا الاختلاط عدد ملوكهم وسنوات حكمهم وحتى المناطق التي كانت تحت ولايتهم العامة. (الجميلي: 2016) وربما يكون السبب في ذلك اختلاف وتبدّل المناطق التابعة لنفوذهم وسيطرتهم باختلاف الظروف الاقتصادية والعسكرية، ولا يجب أن نتناسى حقيقة أن الغساسنة كانوا في صراع مستمر مع من حولهم من المناذرة والفرس.

خريطة توضح الممالك القديمة وموقع المملكة الغسانية منها

وبحسب المصادر التاريخية الكنسية القديمة[1] فقد امتدت حدود الأراضي الغسانية منطلقة من البلقاء الأردنية كمركز وصولا للجنوب في نجران وغربا للنقب وسيناء وفلسطين وشرقا في البادية الأردنية بأكملها وصولا لحدود بادية الفرات وشمالا حتى مدينتي صور وصيدا. وقد اشتملت هذه الحدود على مدن الديكابوليس (الثماني والتي زادت مع الوقت إلى عشرة) إضافة للعديد من المدن الأردنية المزدهرة كمدينة الربة في الكرك على طريق  البترا.

سكن الأردنيون الغساسنة في البداية سهول حوران  الأردنية ومن ثم انتقلوا إلى البلقاء وبلغت مملكتهم أوج اتساعها في عهد الملك الحارث بن جبلة المذكور في المصادر اليونانية باسم “جبلس”.

كان شعراء الجاهلية وصدر الإسلام يفتخرون بالغساسنة للغاية. وبسبب ذلك، يعد الشعر العربي مصدرا مهما للاستدلال على الرقعة التي امتدت عليها ولاية الأردنيين الغساسنة، فيقول حسان بن ثابت:

لمن الدار أوحشت بمعانِ             بين أعلى اليرموك فالجمّان

فقفا جاسم فأودية الصفر             مغنى قبائل وهجان

تلك دار العزيز بعد أنيس            وحول عظيمة الأركان[2]

ويقول أيضا:

أسألت دسم الدار أم لم تسأل         بين الجوابي فالبضيع فحومل

فالمرج مرج الصفرين وجاسم     فديار سلمى در لم تحلل

دمن تعاقبها الرياح دوراس       والمدجنات من السماك الأعزل

لله در عصابة نادمتهم            يوما يحلق في الزمان الأول

وقد تناول الشاعر النابغة الذبياني، وهو شاعر جاهلي، الغساسنة فمدحهم كثيرا وأثنى عليهم ومن قصائده التي يمكن لنا أن نستشف فيها حدود الإمارة الغسانية:

بكى حارث الجولان من فقد ربه     وحوران منه موحش متضائل

قعودا له غسان يوحون آوبه        وترك وهط الأعجمين وكابل[3]

ونستطيع تميز العديد من الأماكن من هذه الأشعار فهناك معان وحوران والجولان واليرموك وغيرها. وقد يساعدنا هذا على تصور اتساع الدولة الغسانية بشكل أو بآخر. إن تخيل دولة ناشئة ذات نفوذ قوي بهذه الصورة سيوضح السبب الذي دفع بالإمبراطورية البيزنطية لاختراع الحجة تلو الحجة لأمراء الغساسنة وملوكهم لينتهي الأمر أخيرا بنفيهم.

وما يهمنا من معرفة حدود الإمارة والمملكة لاحقا كذلك هو معرفة أهم العواصم التي شكلت المشهد السياسي العسكري. فبصرى، بحسب المؤرخين كان العاصمة الدينية. أما الجابية وجلق والبلقاء فقد كانت العواصم السياسية التي تجهز منها الجيوش وتنطلق الحملات العسكرية ويصدر منها القرارات السياسية والإدارية (الجميلي: 2016) كما تساعدنا معرفة الحدود على إرساء فهم كامل لطبيعة العلاقات الدولية السياسية بين الأردنيين الغساسنة والبيزنطيين والفرس والمناذرة.

الأردنيين الغساسنة والإمبراطورية البيزنطية

أولا: الدين والعلاقة السياسية الغسانية البيزنطية 

كان الدين عاملا رئيسا في العلاقات الغسانية البيزنطية، فقد استغلت الإمبراطورية اعتناق الغساسنة وسائر القبائل الأردنية للمسيحية لكسبهم حلفاء إلى صفها. ولفهم طبيعة العلاقة المعقدة التي جعلت الدين سلاحا مهما في العلاقات الدولية ينبغي لنا أن نطلع باختصار على تاريخ المسيحية .

كانت الإمبراطورية الرومانية إمبراطورية وثنية حتى جاء قسطنطين العظيم الذي حكم روما 306–337 ميلادي  وحوّل ديانة الإمبراطورية إلى المسيحية وأرسى قواعد الأرثوذكسية وكان قد نقل العاصمة من نيقوميديا إلى بيزنطة الواقعة على البسفور عام 329 ميلادي وسميت بعدها “الإمبراطورية البيزنطية الشرقية”.

ومن هنا توقف الاضطهاد الوثني للمسيحيين بشكل عام. أما مسيحيو الشرق فهم القبائل الأردنية البدوية التي اعتنقت المسيحية بفعل تأثير الملكة الأردنية ماوية التي سنأتي على ذكرها لاحقا، وبفعل تأثير المضطهدين المسيحيين الذين لجؤوا للمشرق هربا من التعذيب في الإمبراطورية الرومانية آنذاك.

رمز الأرثوذكس البلغار للإمبراطور قسطنطين وأمه القديسة هيلانة – المصدر وكيبيديا

في ذلك الوقت، كان هنالك مذهبان مسيحيان رئيسان يسيطران على المشهد. المذهب الأول هو المذهب الميافيزي والذي يؤمن بأن للمسيح طبيعتين إلهية وبشرية وقد اتحدتا لتصبحا طبيعة واحدة. وهنالك المذهب المونوفيزي والذي يؤمن بأن للمسيح طبيعة وحيدة وهي الطبيعة الإلهية وقد تلاشت الطبيعة البشرية فيه. تنامى النزاع بين المذهبين وبدآ يكيلان التهم لبعضهما.

كان الأردنيون الغساسنة يدينون بالمونوفيزية (مذهب الطبيعة الإلهية الوحيدة) وكانوا والقبائل البدوية الأردنية وسائر السكان متعصبين لهذا المذهب ومتمسكين فيه، لم تستطع الإمبراطورية البيزنطية تحويلهم عن مذهبهم فعقدت معهم أحلافا سياسية تضمن حرية العقيدة وفضلت أن ترجح لصالحها كفة القوى على أن تدخل في حرب دينية أخرى مع أناس سبق لهم أن هُزموا أمامهم وأمام ملكة محاربة من ملكاتهم وهي الملكة ماوية.

ورغم اعتبار الإمبراطورية البيزنطية لمذهب الغساسنة الديني بأنه مذهب منشق ومعارض إلا أن الإمبراطورة ثيودورا وافقت على طلب الملك الغساني الحارث في تعيين المطران يعقوب البرادعي ورفيقه ثيودورس أسقفين لمسيحي المشرق عام 542 -543 ميلادي. (علي: 2001) وقد أثبت هذا الحدث نقش سرياني عثر عليه في منطقة النبك كتب فيه ( في عهد الأسقفين المحترمين القديسين يعقوب وثيودور، عندما كان أبو كرب ملكا) وأبو كرب هو حاكم ولاية فلسطين البيزنطية وأخو الملك الأردني الغساني الحارث (خربوطلي ومحمد: 2017)

حتى أن الإمبراطورية البيزنطية منحت ألقابا كنسية دينية للأمراء الغساسنة، فمثلا منح الإمبراطور جستنيان للحارث الغساني لقب ملك واعترف به ملكا على أراضي الإمارة الغسانية، ومن وقتها انتقلت من إمارة إلى مملكة كما منحت الإمبراطورية لقب “بطريق” و” فيلارخ” – بمعنى عامل أو شيخ قبيلة – لعدد من الملوك والأمراء الآخرين. (الجميلي: 2016) مما زاد من الثقة بين الدولتين وأسبغ على علاقتهما السياسية شيئا من الاستقرار.

المطران يعقوب البرادعي

ثانيا: لماذا اهتم البيزنطيون بعلاقتهم مع الغساسنة؟

مهّد إسقاط الرومان للدولة التدمرية عام 237 ميلادي لعودة السيادة الرومانية الكاملة، ولكنهم فوجئوا برفض القبائل الأردنية البدوية ورفض السكان لأي مظهر من مظاهر فرض القوة ولذلك طوّروا حلف الديكابوليس يوناني الأصل كحل وسط يضمن استقلالا ذاتيا وازدهارا تجاريا.

وبسبب طبيعة التوسع الإمبراطوري والتنافس بين أكبر قوتين آنذاك: الروم والفرس؛ لم يشأ البيزنطيون أن يستميل الفرس الغساسنة إلى جانبهم فقد كانت الإمبراطورية الفارسية قد استمالت المناذرة بالفعل.

أجمع أهالي المدن والقبائل الأردنية على الغساسنة كي يكونوا حلقة وصل كما أسلفنا بين المدن والحواضر الأردنية وبين البيزنطيين. وقد أدرك البيزنطيون ذلك وأسسوا علاقات سياسية جيدة وقوية مع الغساسنة انعكست على أمن المنطقة وازدهارها تجاريا.

يمكن القول بأن أول تأسيس فعلي للإمارة الأردنية الغسانية كان في القرن السادس رغم أنهم كانوا مكونا سكانيا مؤثرا في الأردن منذ القرن الأول الميلادي. وقبل ذلك بمدة جيدة كانت الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية في حالة هدنة وسلم نسبي.

صورة كنسية للملكة البدوية ماوية التي شنت غارات عنيفة على الإمبراطورية البيزنطية

 في ذلك الوقت كانت القبائل الأردنية في البادية الأردنية الشرقية تشن غزوات وحملات عسكرية ضد البيزنطيين دفاعا عن عقيدتهم.  أشار المؤرخون اليونان لملكة بدوية تدعى ماوية Mavia حكمت القبائل في البادية الأردنية الشرقية وشنّت غارات مدمرة وعنيفة ألحقت الدمار بالقرى والمدن على مناطق النفوذ الروماني وانتصرت الملكة ماوية في عدة معارك وقد انتهى الأمر بالبيزنطيين أن يعقدوا هدنة معها وفق الشروط التي وضعتها وقد كانت شروطها أن يولّى قس يدعى موسى على مسيحي المنطقة حتى وإن خالف مذهبه مذهب الإمبراطورية (علي: 2001) ولكنهم ظلوا متوجسين خائفين من غزوات البدو الشرسة على مصالحهم ومناطق نفوذهم.

أدرك البيزنطيون أن السير مع شروط القبائل البدوية وأهالي المنطقة هو الخيار الأسلم لهم، فعندما أجمعوا على الغساسنة كولاة وجدوا الأمر فرصة ذهبية وجب عليهم إحسان استغلالها.

ثالثا: العلاقات البيزنطية الغسانية في القرن السادس الميلادي

كان الأمراء الغسانيون على قدر عال من الذكاء والحنكة، استطاعوا تثبيت وجودهم عبر استغلال الظروف السياسية المضطربة التي سادت المنطقة. وعرفوا مدى تخوف البيزنطيين من غزوات القبائل البدوية ومن هجوم فارسي أو مناذري محتمل وأدركوا بأن القرن السادس الميلادي سيكون مفتاحا لقوة وسلطة أكبر إن هم أحسنوا استغلال سقوط مملكة كندة شمال الجزيرة العربية. وكان لهم ما طمحوا به.

في الربع الأول من القرن السادس الميلادي قُتل الفيلارخ الحارث الكندي أمير كندة والذي كان عاملا للروم في المنطقة وسادت بعدها الاضطرابات وخشي البيزنطيون أكثر على مصالحهم. وبالطبع استغل الغساسنة بذكاء الفجوة التي أحدثها موت الكندي فشنوا حراكا عسكريا قويا عام 500 كما يذكر المؤرخ ثيوفانس. ولما أدرك البيزنطيون أنهم بمواجهة عدو جديد محتمل علموا بأن الجنوح إلى السلم هو الخيارالأفضل.

كانت فكرة البيزنطيين تقوم على توحيد القبائل الأردنية والأهالي والحواضر فيما يشبه الحكومة المركزية (حلف الديكابوليس) ولهذا أطلق الإمبراطور جوستنيان لقب ملك على الحارث الغساني حوالي العام 529-530 ميلادي وعينه على عدد من الولاة ( الأصغر منه ترتيبا) مع احتفاظ كل وال بسلطته المحلية وسيادته الذاتية (الجميلي: 2016) وفي الفترة نفسها عيّن الإمبراطور أخ الحارث الأمير الملقّب بأبو كرب على ولاية فلسطين وبذلك أصبح الأردنيون الغساسنة مسؤولين عن حماية الحدود البيزنطية من تدمر شمالا إلى وادي الحسا جنوبا. (خربوطلي ومحمد: 2017)

ومع الوقت ازدادت أهمية الحارث وأخيه أبو كرب فقد صار الأخير مسؤولا عن حماية الثغور الرومانية في أيلة والنقب والحجاز. وقد لخّص الباحث عرفان شهيد أهمية ولاية أبو كرب بالنسبة للإمبراطورية البيزنطية في حماية الأماكن المقدسة في المنطقة وحماية القوافل التجارية المارة بالأردن وفلسطين وحماية المجتمعات الحضرية من أي غارات مناوئة محتملة (Shahid: 1995)

رابعا: توتر العلاقات الغسانية البيزنطية

 بدأت العلاقات الغسانية البيزنطية تتوتر بسبب الظروف السياسية السائدة فقد قَتل الحارث بن جبلة الغساني، أحد أعظم ملوك الغساسنة، ملك الحيرة (مملكة المناذرة) المنذر بن ماء السماء وقد أشعل هذا فتيل الحرب بين المملكتين؛ إذ أرسل المناذرة غارات انتقامية من الغساسنة في العامين المتتاليين. وبعد مدة مات الحارث بن جبلة واستغل المناذرة ذلك فشنوا هجوما قويا على أراضي المملكة الغسانية وتابع المنذر بن الحارث الرد على هجمات المناذرة بهجمات أخرى ولم تتوقف المملكتين عن تبادل الهجمات والغارات لمدة طويلة من الزمن. (خربوطلي ومحمد: 2017)

 لم تكن علاقة المنذر بن الحارث الغساني مع الإمبراطور البيزنطي جوستين الثاني علاقة طيبة ، فقد طالب المنذر البيزنطيين بالمال لإدارة بعض شؤون الدولة أو لتسليح جنده ضد الفرس وقد رفضوا ذلك. بعدها اتهم المنذر جوستين الثاني بمحاولة اغتياله. وعلى أية حال، اضطر البيزنطيون لاسترضاء المنذر بن الحارث الغساني  بعدما توغل المناذرة في المنطقة وأشاعوا فيها الرعب والدمار.

أما الحادثة الثانية التي دفعت بالعلاقة الغسانية البيزنطية إلى الهاوية فهي اتهامهم للملك المنذر بالخيانة. فقد كانوا يستعدون للقيام بحملة عسكرية على الفرس ووجدوا الجسر الممتد على جسر الفرات مهدّما فاتهموا المنذر الغساني بالخيانة وقتها.

وبحسب بعض المؤرخين فإن الإمبراطور البيزنطي  قد عهد إلى المنذر الغساني بالتوفيق والتوحيد بين المذهبين الدينيين المتعصبين فقد كان جميع أجداد المنذر الغساني حكاما شديدي الولاء لمذهبهم. حاول المنذر الغساني أن يستعيد حظوته عند البيزنطيين فأغار على الحيرة عاصمة المناذرة ولكن الجيش الروماني اعتبر هذا تحدّيا لخططه فأمر بالقبض عليه ونفيه مع ابنين وبنت له إلى جزيرة صقلية وأخذت بعد ذلك الإمارة الغسانية تضعف مع الوقت (سالم: 2006)

في عام 582- 584 ميلادي حاول النعمان بن المنذر الغساني استعادة حكم أبيه وسلطته فهجم على الإمبراطورية البيزنطية دون تحقيق مكاسب واستطاعت القوات البيزنطية في النهاية أسره ونفيه مع والده المنذر.

ويظهر لنا أن الإمبراطورية البيزنطية كانت تخلق الحجة تلو الحجة لتقطع علاقتها بالمملكة الأردنية الغسانية ولتضعف نفوذها وسيادتها، فقد أمست الأخيرة خطرا يهدد مصالحها السياسية في المنطقة بلا شك.

الأردنيون الغساسنة والدول المجاورة

أولا: الغساسنة والمناذرة

خريطة توضح امتداد الغساسنة والمناذرة والحدود المشتركة

يتصل ذكر الغساسنة دوما بألد أعدائهم المناذرة الذين والوا الفرس وقد جمعتهم معهم المصالح السياسية والدينية. فالمناذرة كانوا وثنيي الديانة كما كان الفرس ورغم أنهم اعتنقوا المسيحية في فترة من الفترات إلا أنهم لم يتوقفوا عن عدائهم للغساسنة أبدا. أسس المناذرة أو كما سموا “اللخميون” مملكة الحيرة[4] في العراق وكانت مملكة مهمة لوقوعها على طريق الحرير التجاري.

بالمقابل دافع الغساسنة بشراسة عن وجودهم في المنطقة وحموا مصالحهم السياسية ومصالح حليفتهم الإمبراطورية الرومانية. سنلقي الضوء في هذا البند على أهم الصراعات التي دارت بين أكبر مملكتين في المنطقة آنذاك.

1. يوم حليمة

عام 544 ميلادي، تجدد الصراع بين المناذرة والغساسنة، الصراع الذي كان يخمد قليلا ولكن يعود للثوران كبركان غاضب. كان النزاع هذه المرة على منطقة مهمة تدعى ستراتا تقع إلى الجنوب من تدمر، وهي منطقة استراتيجية مهمة للطرفين حيث تمر بها القوافل التجارية ورعى بها القبائل البدوية مواشيها. بدأ المنذر، ملك المناذرة، الهجوم فتوغل في المناطق الغسانية وتصدى له الحارث بن جبلة. انتصر الحارث في النهاية وصرع عدوه المنذر بالقرب من قنسرين وتنامى بعدها الخلاف بين الفرس والروم وتراشقت الإمبراطوريتان التهم. (علي: 2001)

وقد تناولت الأدبيات الجاهلية هذه الموقعة، فحسان بن ثابت تغنى “بزمن حليمة” كثيرا في أشعاره، وقد قالوا فيه أيضا:

يوم وادي حليمة وازدلفنا      بالعناجيج والرماح الظماء[5]

كما نجد أن الموروث الشعبي للأمثال احتفى بهذا اليوم فيقال “ما يوم حليمة بسر” أي أنه مشهور جدا للدرجة التي لا يجهله فيها أحد. والجدير بالذكر أن اليوم قد سمي نسبة لابنة الملك الحارث الغساني التي كانت تطبب الجرحى وتخيط الأكفان.

2. معركة عين أباغ

تناولنا في فصل توتر العلاقات البيزنطية الغسانية السابق ملامح الصراع بين المناذرة والغساسنة والتي أدت إلى انشقاق عصا العلاقات السياسية بين الغساسنة والبيزنطيين. كان الحارث بن جبلة قد رفض أن يدفع الاتاوة التي طالب بها ملك المناذرة وكان هذا السبب الرئيس لبداية سلسلة المعارك التي انتهت بيوم يُعرف بيوم عين أباغ. (الجميلي: 2016)

منمنة (صورة تخيلية) تصور الملك الغساني الحارث وهو في خيمته

بعد قتل الملك الغساني الحارث بن جبلة لملك المناذرة المنذر بن ماء السماء لم يهدأ الوضع السياسي في المنطقة وبلغ العداء بين المملكتين أوجه. يختلف المؤرخون على تحديد تاريخ موقعة عين أباغ، فبعضهم يقول بأن سلسلة الغارات تنقسم لمعركتين رئيستين بدأ بهما بالمناذرة ولكن الغساسنة هم من انتصروا في النهاية يوم 20 أيار عام 570. يرجح المستشرق الألماني نولدكه بأن المعركة الثانية هي موقعة عين اباغ التي دارت رحاها شمال شرق أراضي المملكة الغسانية.

أنشد الشعراء العرب شعرا كثيرا بخصوص هذه الواقعة فيقول ابن الرعلاء ابن الملكة الغسانية الرعلاء التي شاركت في المعركة:

كم تركنا بالعين عين أباغ           من ملوك وسوقة أكفاء

أمطرتهم سحائب الموت تترى        إن في الموت راحة الأشقياء

ليس من مات فاستراح بميت          إنما الميت ميت الأحياء[6]

وأنشد الشاعر الرياشي:

بعين أباغ قاسمنا المنايا     فكان قسيمها خير القسيم[7]

إنه من الصعب حصر عدد الغارات المتبادلة بين المملكتين  آنذاك. لقد كانت المنطقة برمتها تعاني من توتر سياسي شديد ومستمر. ويهمنا من هذا معرفة كيف أن الغساسنة استغلوا هذا العداء بين بلاد فارس وبيزنطة لتثبيت وضعهم السياسي وبسط سيادتهم على المنطقة وضمان استقلالية المدن التي منحتهم تلك السلطة.

ثانيا: الغساسنة وكندة والقبائل العربية

كانت كندة مملكة عربية أسستها القبائل شمال الجزيرة العربية وكان حاكمها “فيلارخ” أي عاملا للروم. اقتصرت العلاقات السياسية بين الغساسنة وكندة على استغلال الغساسنة للفوضى التي أحدثها موت الملك الكندي وعدم مقدرة خلفائه على سد هذه الثغرة. ولغايات تثبيت حكمهم وضمان أمان المنطقة انتقم الغساسنة لموت الملك الكندي وأثبتوا جدارتهم العسكرية وكفاءتهم في إدارة الجيوش وحماية مصالح حلفائهم والمناطق المؤثرة على أمنهم القومي.

لم تكن العلاقات الغسانية مع القبائل العربية مستقرة على الدوام فتذكر بعض المصادر والروايات أن الملك الغساني الحارث بن أبي شمر قد توعد بني تغلب بغزوهم لأنهم لم يحسنوا استقباله. ولم تمنع هذه المشاحنات الغساسنة من أن يكونوا الحكومة المركزية الكفء التي تمثل الحواضر والمدن الأردنية.

الخاتمة

استعرضنا في هذا البحث من سلسلة الأردنيون الغساسنة مجمل العلاقات الدولية بين الغساسنة وحلفائهم من البيزنطيين وأعدائهم من المناذرة والفرس. لا يستطيع الباحث في تاريخ المملكة الأردنية الغسانية أن يفصل بين شقي الدولة السياسي والمجتمعي، فقد لعبت السياسة العامة التي اتخذها الرومان إضافة لذكاء الحكام الغساسنة وطبيعة المجتمع الأردني دورا حاسما في إرساء قواعد هذه الدولة التي حكمت مناطق واسعة من عاصمتها البلقاء.

المراجع

  • سالم. س. (2006)، تاريخ العرب قبل الإسلام، (ط1) مصر: الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة.
  • علي. ج. (2001) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، (ط4)، لبنان: بيروت، دار الساقي
  • قاشا. س (2005) صفحات في تاريخ المسيحيين العرب قبل الإسلام، (ط1) لبنان: بيروت، منشورات المكتبة البوليسية، سلسة الكنائس المسيحية الشرقية
  • الجميلي. أ. (2016) العلاقات الخارجية لدولة الغساسنة، (ط1) الأردن: عمان، دار أمجد
  • العيسى. س. (2007) الغساسنة: نسبهم، حروبهم، تنقلاتهم، ديانتهم، ثقافتهم، (ط1) سوريا: دمشق، دار النمير.
  • خربوطلي، ش. و محمد. ي. العلاقات السياسية البيزنطية الغسانية في القرن السادس الميلادي. مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية (مجلد 39)، العدد 2، 2017
  • Shahid, I. (1996) Bazantinum and Arab in the sixth century, Vol1. Dumbarton Oaks, Harvard University.

[1] جلعاد، أو (جلعد) قرية أردنية من قرى مدينة السلط في محافظة البلقاء

[2] المصدر: العلاقات الخارجية لدولة الغساسنة ص59

[3] المصدر السابق/ ص 60-61

[4] الحيرة منطقة في العراق

[5] المصدر العلاقات الدولية الخارجية لدولة الغساسنة. للدكتور أحمد الجميلي ص112

[6] المصدر: العلاقات الدولية الخارجية لدولة الغساسنة للدكتور احمد الجميلي، ص 110

[7] المصدر السابق

[1] المصادر الكنسية هي ما كتبه القسيسون وآباء الكنائس الشرقية والغربية في التاريخ وأحوال المنطقة وتعد كتبهم من المراجع المهمة التي تناولت أحاول الممالك المسيحية في الأردن.