عثمانليكس – الجزء 4 : معارك معان وفقا لمدير شعبة الاستخبارات العثمانية

عثمان ليكس – الجزء 4 : معارك معان وفقا لمدير شعبة الاستخبارات العثمانية هناك

image1

تناولنا في نهاية (الجزء السابق) حديث الجنرال الألماني أوتو ليمان فون ساندرس قائد الجيوش العثمانية والألمانية في سوريا والأردن وفلسطين وسيناء خلال الحرب العالمية الأولى التي تزامنت مع الثورة العربية الكبرى وما ذكره عن دور معارك معان في الأحداث، ونستكمل في هذا الجزء الحديث عن معارك معان وفقا لما كتبه مدير شعبة الاستخبارات في القوة التي كانت تحتل مدينة معان في رسالة وصف بها المعارك التي دارت حول تلك المدينة بين العرب من جهة والأتراك مع من ساندهم من الألمان والنمساويين من جهة أخرى ، حيث جاء فيها :

image10 

“على اثر إعلان الثورة العربية في الحجاز أصدر أنور باشا أمره إلى محمد جمال باشا قائد قلاع أزمير بالسفر إلى سوريا ليكون تحت إمرة جمال باشا ويساعده في إخمادها كما أرسلت القيادة العليا إلى الحجاز قوات جديدة من المشاة وخيالة ومدفعية لا يقل عددها عن 20 ألف جندي.

و وصل محمد جمال باشا إلى دمشق ثم سافر إلى الحجاز فأنيط به مهمة الدفاع عن المنطقة الممتدة من محطة الهدية قرب المدينة المنورة حتى محطة المدورة في جنوب الأردن ويبلغ طولها 650  كلم وكان مقره في مدينة العلا أول الأمر.

وعرفنا في العلا أن علي حيدر باشا فشل في المهمة التي انتدب لها رغماً عن الهدايا والأموال التي وضعت تحت تصرفه ولم يوفق إلى استمالة قبيلة واحدة من القبائل العديدة، ولذلك أعيد إلى دمشق بقطار خاص يحرسه عدد كبير من الجنود الأتراك ومعهم مدفعين ورشاشات وللمرة الأولى رأينا جنداً عرباً منظمون بقيادة مولود باشا مخلص يقتحم محطة المغنم الواقعة في المنطقة التابعة لسيطرة محمد جمال باشا قرب مدائن صالح، وقد أبدت هذه القوات بسالة خارقة في مهاجمة الحامية العثمانية التي نصبت مدافعها الست على أسطحه مقابل المحطة، واستبسل الفريقان وتقدمت قوات الثورة حتى أبواب المحطة وكانت النيران تحصدهم حصداً و وصلت في المساء قوات من الخيالة الترك بقيادة ميرزا بك الشركسي فطاردهم وردهم إلى مسافة بعيدة “

انطلاقة الثورة وتعزيزات عسكرية

يبدأ مدير شعبة الاستخبارات في معان رسالته بوصف انطلاقة الثورة العربية الكبرى وما دبته من رعب في القيادة العثمانية التي ما لبثت ترسل التعزيزات والضباط لمناطق سوريا والأردن وفلسطين التي كانوا يتوقعون ويخشون انضمامها  للثورة وهو ما حدث بالفعل بحكم الظلم الذي كان يمارس بحق سكان هذه المناطق وهو يوضح بشكل جلي خشية الجاني من انتقام الضحية واعتراف ضمني بظلمه، حيث يتحدث عن إرسال المزيد من القوات العثمانية لتعزيز قدرات القوات المتواجدة هناك ، وعن اختيار محمد جمال باشا لقيادة العمليات العسكرية للاحتلال العثماني في المنطقة الممتدة من المدينة المنورة جنوباً وصولاً للمدورة على الحدود السعودية الأردنية.

فشل في استمالة العشائر وشراءها  بالهدايا والعطايا

يذكر الضابط العثماني أن مندوب العثمانيين حيدر علي باشا لم ينجح في شراء العشائر العربية رغم الهدايا والعطايا، وهو ما يؤكد أن العشائر حسمت موقفها الرافض للاحتلال العثماني ورفضت كافة الإغراءات التي قدمها العثمانيون للزعماء والمشايخ من أموال ووعود بمناصب وألقاب فخرية، بدليل التمسك بمبادئهم ورفضهم للظلم والاحتلال ورفضت المساومة على هذه المبادئ، وهو ما تسبب بإعادة حيدر علي باشا الى دمشق نتيجة فشله الذريع في تحقيق المهمة الموكولة إليه، كما يتحدث عن مشاهدتهم لقوات وجيوش عربية منظمة ومدربة وهو ما يدل على المفاجأة والصدمة التي أوقعها ذلك في نفوس الترك، كما يشيد ببسالة هؤلاء المحاربين واستبسالهم وصمودهم رغم أن رصاص الاحتلال العثماني كان يحصدهم حصداً، وهو ما يؤكد مرة أخرى على أن العرب لم يثوروا في سبيل المال او المنصب كما يحاول العثمانيين والعثمانيين الجدد وصفهم ، وهو ما  يفعله الضابط هذا نفسه في جزء لاحق من الوثيقة.

 

يكمل ضابط الاستخبارات العثماني رسالته :

 

“وكانت الحركات الحربية في أول الأمر قاصرة على مناوشات بسيطة تحدث بيننا وبين العرب على طول السكة وكنا قبل وصولهم إلى إحدى المحطات لمهاجمتها نتخذ التدابير للدفاع عنها، كنا نعرف كل شيء من جواسيسنا وتغيرت الحالة بعد وصول الأمير فيصل إلى الوجه بثلاثة أشهر، فصاروا ينسفون الخطوط الحديدية بالديناميت بعد أن يعطلوا أسلاك البرق، فعمدت القيادة التركية إلى اتخاذ تدابير شديدة فكنا نرسل دوريات عسكرية لمعاينة السكة قبل مرور القطارات وكانت معظم هذه الدوريات تخرج عادة بين كل محطتين فتلتقي في وسط الطريق بقوة عربية تتمكن من أسر أفرادها، ولما شاهد محمد جمال باشا ذلك طلب قوات كافية وهدد بالاستقالة والانسحاب فأرسلوا له فوجين من المشاة من أتراك مقدونيا.

واتسع نطاق الثورة حتى شمل تبوك وسقطت قمة البدايع فضيقت القيادة منطقة محمد جمال باشا وأضافت قسماً كبيراً منها إلى بصري باشا وتزايدت الطلبات من القيادة العليا لإرسال نجدات جديدة خوفا من تسرب الثورة إلى جميع أنحاء البلاد، وأرسلنا قائداً ألمانياً كبيراً إلى محطة “الحفير” واجتمع بفخري باشا وباحثه في الجلاء فأجابه هذا أنه لا يخرج من المدينة وفيه عرق ينبض وأنه يقاوم فكرة الجلاء كل المقاومة، وكانت المناوشات تتزايد يوماً بعد يوم على طول السكة وكان العرب يواصلون نسف القطارات وتعطيل الخطوط رغم يقظة الأتراك فقد نسفوا قطارات ذهب فيها كثيرون، ولما سيطر جيش الثورة على العقبة صدر الأمر إلى محمد جمال باشا بأن يذهب إلى معان وجاء الجواسيس واخبرونا أن القيادة العربية قررت نسف القطار الذي سيقلهم وأنهم يودون القبض على محمد جمال باشا، فأخذنا التدابير اللازمة وسرنا في القطار كأننا في ميدان حرب والجنود واقفون على أهبة الاستعداد برشاشاتهم وبنادقهم وكان جمال الصغير قد سبق محمد جمال باشا إلى معان وبدأ في تنظيم القوات العسكرية فتسلم هذا القيادة منه وكان فيها آلاي عدد كبير وبطارية مدفعية سريعة الطلقات وعدة رشاشات وبطاريتان من المدافع النمساوية وكانت هذه تحمي منطقة تمتد 70 كيلو مترا جنوبا حتى محطة المدورة و ١٣٢ كلم شمالا حتى محطة القطرانة”.

أول المناوشات والثورة تكبر وتتوسع

يتحدث ضابط الاستخبارات العثماني هنا عن أوائل المعارك والعمليات التي بدأ الثوار العرب بتنفيذها بنسق متصاعد  حيث اعتمدوا على أسلوب عدم الدخول في صدام مباشر مع الأتراك  في البداية وإنما لجؤوا إلى عمليات تكتيكية محددة الأهداف ، فكانوا يتصيدون دوريات الأتراك ويهجمون على المواقع المنعزلة وخطوط السكة الحديدية وأحدثوا بذلك تأثيرا عظيماً في صفوف الترك في كل هذه المواقع، مما أجبر الأتراك على  الاستمرار في طلب النجدات والإمدادات ، وتغيير سياستهم الدفاعية في المنطقة والمحاولة بشتى الطرق للتعامل مع الموضوع ، حيث وصلت بهم الأمور لإضافة مناطق جديدة إلى بعض القيادات وسلخوا مناطق عن قيادات أخرى وهو ما ارتبط بمقدار نجاح أو فشل هذه القيادات ونجاحها أو عدمه في قمع الثوار والمناطق الخاضعة لهم.

كما يتحدث عن تزايد تأثير العمليات العسكرية وزيادة حجم وفعالية العمليات بعد أن أصبحت قوات الثورة العربية تنظم نفسها في إطار جيش نظامي  بعد أن تم فتح باب التسجيل والتدريب والتسليح للمتطوعين من الفرسان والمحاربين أبناء العشائر، ويكشف ما ورد على لسان الضابط وجود اختراقات إستخباراتية متبادلة بين الطرفين ، فالوثيقة تذكر أن الثوار العرب قرروا نسف القطار الذي سيقل محمد جمال باشا  بعد معرفتهم بأنه سيتواجد به ، مما يعني ان الثوّار و فرسان العشائر الأردنية نجحوا في اختراق  منظومة الاحتلال العثماني والتغلغل بداخلها ومعرفة التحركات والخطط قبل تنفيذها وهو ما أعطاهم الأفضلية ، بعكس ما يحاول الضابط ادعاءه في وثيقته  فقد كان الأجدر بالاستخبارات العثمانية أن تحمي خطة وموعد انتقال قيادتها من التسريب بدلاً من استعراض انها كشفت خطة الاستهداف.

 

يكمل مدير الاستخبارات رسالته بهذه الفقرات تحت عنوان :  “جيش عربي عظيم” :

“ورأينا حول معان جيشاً عربياً منظماً يملك معدات حربية ورشاشات يديرها جنود يمنيون عدا عن الرشاشات في كل فوج وكتائب فنية للبرق والديناميت والاستحكام وكان الجيش العربي يضم الفنيين، وفيه ضباط يقودهم الأمير فيصل ومعه الأمير زيد والشريف ناصر وجعفر العسكري ونوري السعيد وراسم سردست…

image10 - Copy

وكانت خطوطنا الحربية في منطقة معان أوائل سنة ١٩١٨ تشمل القويرة وأبو اللسن وعين وهيدة وعين بسطة وتبعد عن مدينة معان 15-20 كلم، وكانت الطفيلة و وادي موسى بأيدينا وكانت تدور بيننا وبين الجيش العربي مناوشات بسيطة، وبينما كان محمد جمال باشا يفتش الخطوط الأمامية في يوم من الأيام في تشرين الثاني ١٩١٧، طلبه جمال باشا الكبير إلى التليغراف لمخاطبته مباشرة ولما أبُلغ انه غائب أرسل إليه برقية إلى الخطوط الأمامية طلب فيها إرسال آلاي الرماحة مع مدفعية ورشاشاته وآلاي المشاة وآلاي النقليات من معان والأماكن القريبة منها على جناح السرعة، وأرسل مثل هذا الطلب إلى بصري باشا أيضا وأرسلت القوات على الفور لصد الحلفاء وتعزيز السيطرة على القدس فوصلت الخيالة ولا يقل عددهم عن الألفين وهي بحالة يرثى لها من الضنك والتعب و لأنها لم تقف في الطريق بل سارت مسرعة واشتركت على الفور في معارك القدم ففقدت معظم رجالها”. (انتهت الوثيقة)

 جيش عربي عظيم ومنظم

يذكر كاتب الرسالة انطباعه ومن معه أثناء مرافقة محمد جمال باشا في القطار المدجج بالأسلحة خوفاً من التهديدات التي وردتهم عن استهداف القطار، ويذكر ما لاحظوه من انتقال الثوار لمرحلة تشكيل الجيش العربي كقوة نظامية مكونة من فرسان العشائر الأردنية والعربية  ، وتقسيماته الإدارية وتنظيمه العالي ، حيث يذكر وجود كتائب مشاة مسلحة بالرشاشات والآليات ، وكتائب للاتصالات (البرق)، وأخرى  للمتفجرات (الديناميت) ، وكذلك للاستحكام ، اضافة للفنيين ، وهذه الجيش كله منظم ومقسم لأفواج لكل منه ضابط يقوده  وهذه الأفواج تنطوي تحت قيادة الأمير فيصل ومعه الأمير زيد والشريف ناصر وكل من القادة الميدانيين العسكريين جعفر العسكري ونوري السعيد وراسم سردست وهم ضباط عراقيين انشقوا في وقت سابق عن الخدمة في جيش الاحتلال العثماني لما رأوه من ظلم تجاه أبناء وطنهم وعروبتهم ، وهو ما يجسد البعد العربي والإقليمي للقضية من خلال تواجد مقاتلين يمنيين وضباط عراقيين وعشائر أردنية اجتمعوا كلهم على قلب رجل واحد رفضا للظلم.

العرب أكثر إنسانية من الترك فيما يخص معاملة الأسرى

وتذكر الرسالة قدرة قيادة جيش الثورة العربية الكبرى على النجاح في ضبط بعض الحالات الفردية المخالفة للأعراف الإنسانية والدينية والعربية بخصوص معاملة الأسير ، والتي كان يقوم بها البعض بدافع الثأر والانتقام لأقاربه في الغالب من بطش الأتراك بهم، وهو الأمر الذي فشلت به الدولة العثمانية التي لم يسلم من بطش عسكرها أسير حرب ولا حتى المعتقلين المدنيين، فالإعدامات الجماعية وصناعة المذابح والموت بأسوء طرق التعذيب ، الصلب على الخازوق والإلقاء بالأسرى من المناطق المرتفعة على سبيل المثال لا الحصر، كان  أكثر ما اشتهر به العثمانيين.

تشتت وارتباك في صفوف القوات العثمانية

كما نلمس من الرسالة تشتت القوات العثمانية نتيجة اتساع رقعة الأحداث وكثرة التنقلات مما تسبب في إرباكها وإنهاكها ، حيث تزايدت الحاجة الماسة لهذه القوات في بعض المناطق وكثرة نداءات الاستغاثة وطلب الدعم والإمداد ، ونتيجة لعمليات فرسان ومحاربي الثورة العربية التي كانت تستهدف هذه القوات أثناء انتقالها عبر سكة القطار العسكري ، الى جانب عامل بعد المسافة، فقد كانت هذه القوات تصل  منهكة ولا تستطيع الصمود في المعارك.