الحمير تصطف مع الاتراك العثمانيين

الحمير تصطف مع الاتراك العثمانيينصورة تعبيرية لحمار

” هذه هي قصة الحمار الذي انقذ القلعة فانصحك زميلي الضابط ان لا ترافق الحمار ولو إلى السماء “…من مقال لصبحي باشا العمري يصف كيف اصطفت الحمير مع الأتراك العثمانيين و انقذتهم من موت محدق !

تقع محطة عنيزة بين محطتين؛ جرف الدارويش من الشمال والجردونه من الجنوب، في أرض مستوية مكشوفة لا يتخللها عارض سوى تل عنيزة الذي يقع على نحو 500 متر الى شرق المحطة وهذا التل يقف في هذه الارض المنبسطة يشرف على جميع ما حوله.

حكم العثمانيون الاتراك هذا التل فحفروا فيه الخنادق على جميع أطرافه تخوفاً من المجتمع حولهم وكذلك نظموا بينها خطوطا مستورة للمواصلات بينه وبين المحطة وعززوه بالأسلاك الشائكة ووضعوا في اعلاه مدفع صحراوي طويل المدى يرمي اطرافه لمسافات طويله ومدفعين جبليين وكذلك زرعوا امام الاسلاك الشائكة الالغام، لكن الجيش العربي حرّر جميع ما في شمال وجنوب هذه المحطة من مواقع ومحطات وفي اوائل نيسان 1918 تم اعداد خطة محكمة لتطهير محطة عنيزة وما حولها من العثمانيين، حيث ترتكز الخطة على تحقيق عنصر المفاجأة بتنفيذ هجوم ليلي من الجهة الغربية بالاستفادة من بعض التلال المنفردة والقليلة في المنطقة، والاستفادة من حالة القمر في تلك الليلة حيث تكون حالة القمر ما بين المحاق الى الربيع الاول وبذلك تكون الليلة ظلماء يزيدها ظلاما اسوداد الارض والحجارة ومن ثم تشكيل قوة اغارة لا تحمل أي معدات او شؤون ادارية باستثناء الماء والذخيرة التي تم تحميلها على عدد كبير من الحمير.

يقول النقيب صبحي العمري في حديثه عن الواقعة، وهو قائد سرية الرشاشات في هذه الحملة والذي نشره تحت عنوان” منقذ القلعة ” في المجلة العسكرية العراقية في عام ١٩٢٦.

” تقرر ان تبدأ حركة المفرزة فى الساعة الخامسة اى قبل الغروب كانت الاوامر تقضي بعدم أخذ اي شيء من العفش او المهمات سوى العتاد وصناديق الماء التي كانت محملة على نحو    ( مائة حمار ) من تلك الحمير التي استلمتها القطعات منذ عدة ايام وكانت هذه الحمير في الحقيقة لا تصلح لهذا الانتقال فحمل صندوق ذخيرة او فنطاسين من الماء كان اكثر من طاقتها وصندوق واحد لا يمكن تحميله لإنعدام الموازنة مما سبب الكثير من المتاعب للجنود المرافقين لها ” .

كانت الخطة ترتكز في اساسها على الاستيلاء على هذا التل بطريق المباغتة لوكر الأتراك العثمانيين وتقضي هذه الخطة ان نتقدم الى خلف هضبة صغيرة تبعد نحو ثمانمائة متر للشمال الغربي من التل وهناك تشغل المدفعية الموضع كما يترك الخط الثاني من العتاد مع فناطيس الماء ومفرزة الصحة ومعها الطبيب خيري القباني ثم تتقدم سرية الرشاش خلفهما يسند كل سرية رعيل والرعيل الثالث يسير فى الفرجة بين المرتين كإحتياط على ان يأخذوا المواضع المناسبة لإسناد الهجوم قبل القيام به ووقتت الساعات وتقررت ساعة الحركة من نقطة الانطلاق والتي نحن فيها كما تقررت لحظة المباشرة بالتقدم للهجوم وهكذا أحكمت الخطة وباشرت السرايا بالتقدم ووصلنا الى المكان الذي سنقوم به بالهجوم دون ان يشعر بنا العدو واصبحنا نعتقد ان الخطة  نجحت ولم يبق من مانع يحول دون الاستيلاء على المحطة والتل .

بقي من الوقت لمباشرة الهجوم عشر دقائق فقط واذ احد الحمير التي كانت تحمل العتاد على مسافة مائتي متر من خلف السرايا ينهق، فشقت نهقته ذلك السكون الرهيب الذي كان يخيم على عموم المنطقة فيرد عليه جميع ما كان في المفرزة من حمير فلا يكادوا يسكتون، وهكذا قضي على ذلك السكون واختلطت مع ضوضاء الجنود التي كانت تحاول اسكاتها مع ضحكات الجميع لهذا الموقف الغريب والذي لم يكن يخطر في بال احد.

وانتبه الاتراك لنهيق الحمير وسمعنا صوت البوق وهو يدعوا جنودهم الى السلاح فضاعت المباغتة واصبح من المستحيل القيام بالهجوم – بسبب انذار الحمير للأتراك- فأمرنا بالانسحاب وما كدنا نبتعد قليلا الا وقد انبثق الفجر ونحن لا نزال ضمن المسافة المهلكة بالنسبة لمدافع العدو ففتحت نيرانها علينا واسرعنا المسير ونحن لا نملك انفسنا من الضحك. وهكذا عدنا من قلعة عنيزة وقد انقذها حمار” وختم العمري هذا المقال بهذه الجملة  ” فهذه هي قصة الحمار الذي انقذ القلعة فانصحك زميلي الضابط ان لا ترافق الحمار ولو إلى السماء “.

 

المراجع :

1.المجلة العسكرية العراقية، العدد الصادر بتاريخ 1/1/1926.

  1. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية، بكر خازر المجالي و قاسم محمد الدروع ، الطبعة الأولى أيار 1995، (86-89) ص، مطابع القوات المسلحة الأردنية.