العلاقات بين الأردنيين الأنباط و السلوقيين

مقدمة

لعل ما ميّز العلاقة بين الأردنيين الأنباط والاسكندر المقدوني هي تلك البادية النبطية الأردنية التي أعجزت جيوشه و ذاق فيها شتى أنواع القهر والإنكسار، سطر بها الأردنيون الأنباط صنوف الشجاعة و المرونة العسكرية والعمق الدفاعي على مر الجبهة التاريخية التي واجه بها الأردنيون الأنباط المطامع المقدونية، فنرى أن الجنود الأردنيين الأنباط كانوا على مقدرة عالية على المكوث في الصحراء لفترات طويلة معتمدين على الحد الأدنى من المياه الذي شكل العقبة الأولى في وجه المعتدين ، فيقول ديودروس الصقلي مثلاً : ” لهذا لم يتمكن الأشوريون وملوك الفرس و المقدونيون من استعبادهم، وقهرهم مع أنهم سيروا جيوشاً عظيمة ضدهم، فحافظوا على حريتهم للأبد” [1] .

بدء الصراع

كانت نقطة بدء الصراع بين الأردنيين الأنباط و جيوش الاسكندر المقدوني هي حينما قسمت امبراطوريته بعد وفاته بين قادة جيوشه، فقامت الدولة البطلمية في مصر والدولة السلوقية في سوريا و بلاد ما بين النهرين و جزء من بلاد فارس فأصبحت البترا عاصمة الأردنيين الأنباط هي نقطة الصفر بين جبهتي الإنقسام الاسكندري  [2] ، وكان الإشتباك الأول بين الأردنيين الأنباط والدولة السلوقية حينها هي عندما سيّر القائد السلوقي أنتيغونوس الأول (382-301 ق.م ) Antigonous  في سوريا حملتين عسكريتين في عام 312 ق.م تقريباً ، وتتعدد الآراء حول الدافع الذي حملته هذه الحملات فمنهم من يرى بأن السبب يعود لمحالفة الأردنيين الأنباط لبطليموس الأول 322-283 ق.م [3] ورأي اخر يقول بأن الدافع هو لمنع الأردنيين الأنباط من الإنخراط في تحالف مع البطالمة، أما الثالث فيقول بأن السبب يعود إلى أن أنتيغونوس أراد أن يستغل الفرص حتى يتسنى له قتال أعدائه البطالمة على جبهة أعمق و أسهل . [4]

و لعل ما جعل أنتيغونوس يطمع في بلاد الأردنيين الأنباط هو ما ملكه أجدادنا من قوة تجارية واقتصادية حينها جعلت من بلادهم شديدة الثراء، لكونهم وسطاء تجاريين عبر العالم مستغلين لموقعهم الجغرافي وقوة شبكة مواصلاتهم ما جعل من بلادهم  محط الأطماع العسكرية و السياسية حينها . [5]

و كانت الحملة الأولى في عام 312 ق.م بقيادة أثينايوس Athanaeus تجرّ أربعة آلاف من المشاة و ستمائة من الفرسان، و كانت لديهم أوامر بسلب ممتلكات الأردنيين الأنباط و غنائمهم و مواشيهم [6] ، مستغلين إحتفال الأردنيين الأنباط بعيد لهم في كل عام يقيمون فيه الأسواق بعيداً عن البترا قدر مسيرة يومين، و يُظن أنهم كانوا يعسكرون بالقرب من منطقة أم البيارة في البترا وهي ملجأ قديم لكلا الأردنيين الأنباط والأردنيين الأدوميين .

أم البيارة - البترا

أم البيارة – البترا

سلسلة درجية تؤدي إلى "الصخرة" .

سلسلة درجية تؤدي إلى “الصخرة” .

الأردنيين الأنباط بين الغدر والثأر
و كان الغدر خليل ذاك العيد، حيث غدر أثينايوس وجيشه الذي جرّه ليلاً على مدى ثلاث ليال على أهل البترا [7] من الذين لم يلحقوا بالسوق واستولوا على ما أمكنهم الاستيلاء عليه، فهجم من الجانب الغربي للمدينة واستولى بالشكل الأكبر على كميات كبيرة من البخور واللبان والمر والفضة وخلال ساعات كانوا قد هربوا من المدينة [8]، أما الأردنيين الأنباط فقد لحقوا بالجيش السلوقي على جناح السرعة بعد إدراكهم لأخبار الغدر، ولم يظن اثينايوس ولا جيشه أن الأردنيين الأنباط سيكونوا سريعين بما فيه الكفاية حتى يقتربوا من معسكرهم، وكان اللقاء حين نجا بعض الأسرى الأردنيين من معسكر اثينايوس الذي ارتخى في تعيين الحرس والرقباء، وكان الجيش الأردني النبطي قد حشد ثمانية آلاف رجل وهاجموا المعسكر اليوناني في الفجر ولم يبق منهم إلا خمسين رجلاً معظمهم جرحى فأخذوا الثأر على الصاع الوافي . [9]

و كان الأردنيون الأنباط قد أرسلوا إلى أنتيغونوس حاكم الدولة السلوقية حينها في أمر هذا الغدر، برسالة كتبت باللغة الأرامية التي استخدمتها النظم السياسية والاقتصادية النبطية حينها جنباً إلى جنب مع اليونانية و اللاتينية، وكان رد أنتيغونوس على هذه الرسالة بأن أثينايوس قام بهذا الفعل مخالفاً لأوامره و بأنهم كانوا عادلين بثأرهم، عارضاً عليهم تجديد صداقته بهم [10]، إلا أن الأردنيين الأنباط كانوا أكثر يقظة وواعيين إلى المطامع السلوقية في الأردن حينها فقاموا ببناء الأسوار على غير عادتهم [11] بالإضافة إلى تعيين الـ (ربايا ) – جمع ربيئة – ؛ وهم الجنود الذين يقومون بعمليات الاستطلاع الدفاعية على الحصون الواقعة على الحدود، فوزعوا الربايا على المرتفعات واستخدموا الإشارات النارية للتنبيه فيما بينهم، فنرى أن الأبراج الأردنية النبطية لم تستخدم فقط في تأمين طرق القوافل التجارية بل واستخدمت عسكرياً أيضاً كتلك التي في منطقة باير وعين الشلالة في وادي رم، وفي منطقة أيل التي وصلت فيها علو الأبراج إلى حد كافٍ يمكنها من مراقبة مدينة معان والصحراء النبطية الشرقية.

و فعلاً كان أنتيغونوس قد أعد العدة للغدر بالأردنيين الأنباط وجهز جيشاً بقوام أربعة آلاف من المشاة وأربعة أخرين من الفرسان وعيّن ابنه ديمتريوس (336-283 ق.م) الخبير عسكرياً قائداً لهذه القوة، وأمرهم بالتزود بطعام لا يحتاج إلى طهي حتى لا يحتاجوا إلى التعسكر، ظناً منهم أنهم سيتفوقون على المرونة والسرعة العسكرية الأردنية النبطية التي كسرت حملتهم الأولى . [12]

المواجهة

وما أن وصلت أنباء قرب وصول الجيش السلوقي حتى أعدوا الصخرة (أم البيارة) عسكرياً وأخرجوا ممتلكاتهم وقطعان الماشية خلفها نحو البادية النبطية الأردنية، واشتبك الجيشان اشتباكاً عنيفاً خسر فيه السلوقيون الكثير ولم يحققوا في الحملة أي من أهدافهم، وقد أدت هذه الحملة إلى إجبار السلوقيين على قبول معاهدة سلام بين الأردنيين الأنباط وبينهم بعد أن خابت جميع مساعيهم لفرض الهيمنة على المملكة الأردنية النبطية، وقد حاول أن يعلل فيها ديودورس الصقلي الفشل السلوقي بـ ” تميز الأنباط بمقاومتهم الشجاعة وهيمنتهم على الموقف بسهولة لارتفاع الموقع الذي يتحصنون به ” [13] .

ليس من الحكمة في شيء أن يعلن اليونان حرباً على شعب لا يملك ماء أو خمراً أو حباً، نحن لا نعيش كما يعيش أبناء اليونان … نعيش في الصحراء ولن تستطيعوا إجبارنا على العيش بطريقة أخرى[14]

كان هذا جزءًا مما قاله الأردنيين الأنباط في معاهدة السلام التي أبرموها مع السلوقيين بعد أن تحصنوا في الصحراء النبطية في مواجهة جيوش السلوقيين، وتعكس العبارة صفات الكرامة والأنفة والكبرياء والنزعة للحرية التي تحلى بها أجدادنا الأنباط ، رغم قلة الموارد في بداية تأسيس المملكة النبطية الأردنية وصلابة العيش التي عاشوها وأصبحت جزءاً منهم ومن شخصيتهم، بل وميزتهم بأن قهروا بها الجيوش والممالك، تلك الصلابة والسؤدد الذي ورثوه من البادية النبطية الأردنية .

وقد جعلت هذه الحرب أنتيغونوس يوبّخ إبنه ديمتريوس لما فعله، حيث كان جلياً أن الأردنيين الأنباط لم يحوزوا تلك المعاهدة خوفاً من السلوقيين بل بسبب تفوقهم العسكري عليهم وقوتهم وهذا ما لم يرده أنتيغونوس من البداية لاعتباره أن المعاهدة كان فيها الكثير من الإهانة له ولمملكته وشعر من خلالها أن الأردنيين الأنباط قد فرضوا شروطهم على مسار الأحداث في المنطقة، وبالتالي تحوّلت هذه الحرب نقطة مرجعية تأريخية للأردنيين الأنباط (312 ق.م) حتى مجيء بومبي إلى دمشق عام 64/63 ق.م .

من هنا نرى العلاقة الأردنية النبطية مع السلوقيين سادها الحذر والطمع من جهة السلوقيين، إلا أنهم مع كل حملاتهم العسكرية لم يستطيعوا إخضاع الأردنيين بأي شكل من الأشكال وأن الطبيعة الأردنية هي من أنعمت على أبناءها بالنصر والمنعة والحياة الكريمة .

المراجع 

[1] Diodorus , Diodorus Historaie , The library of History, BK, XIX , 94, 3-9, p89. London , 1961.

[2] الفاسي ، هتون ، الحياة الإجتماعية في شمال غرب الجزيرة العربية في الفترة ما بين القرن السادس قبل الميلاد و القرن الثاني الميلادي ، ط1 ، الرياض ، 1993م ، ص88 .

[3] مهران ، محمد بيومي ، تاريخ العرب القديم ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1988م ، ص 503 .

[4] ستاركي ، الحياة النبطية ، ص26.

[5] Negev , A , The early beginnings of Nabatean realm , 1976 , p126 .

[6] Diodorus , Diodorus Historaie , The library of history , p.87.

[7] Hammond , Ph , Petra , 1960 , p.29 .

[8] Diodorus , Diodorus Historaie , The library of history , p.93 .

[9] نفس المرجع السابق ، ص.93

[10] نفس المرجع السابق ، ص.96 .

[11] هاردنج ، لانكستر ، اثار الاردن ، ترجمة : سليمان الموسى ، عمان ، 1965 م ، ص.151 .

[12] Diodorus , Diodorus Historaie , The library of history , p.95

[13] نفس المرجع السابق ، p.97

[14] نفس المرجع السابق . p.99