سلسلة الفن المعماري عند الأردنيين الأنباط – الجزء الثالث

مقدمة

اهتم الأردنيون الأنباط بفن العمارة بشكل واسع، وهذا ما يؤكده الإرث العمراني الضخم الذي خلفوه، وما يزال قائماً حتى يومنا هذا بكل شموخ وصلابة، وحيث أن عمر الحضارة الأردنية النبطية امتد على مدى قرون، فقد كان الفن المعماري النبطي متباينا، ومتطوراً باستمرار، حيث بلغ من البذخ في ذروة هذه الحضارة، ما سبق حضارات استعمارية ضخمة، ونورد في هذا البحث ملامح هذا الفن العظيم الذي أولاه أجدادنا الأردنيون الأنباط اهتماما منقطع النظير، بطريقة تساهم في تعزيز فهم القارىء لما يراه ماثلا بعينه من إرث عمراني يشكل قفزة ضخمة في فن العمارة على مستوى البشرية.

في هذه البحث من إرث الأردن تقرؤون الجزء الثالث من سلسلة الفن المعماري عند الأردنيين الأنباط.

أنماط وسمات الهندسة المعمارية عند الأردنيين الأنباط

جرت عمليات البناء لدى الأردنيين الأنباط ضمن أُطر محددة بتناغم مع الطبيعة والعوامل البيئية فضلاً عن نوعية المكان والذي بدوره أغنى هذه الحضارة ومنحها هويتها الحضارية التي تميزت بها عبر باقي العصور السابقة واللاحقة، وكما ذكرنا سابقاً فقد قُسمت العمارة في الحضارة الأردنية النبطية إلى قسمين رئيسيين الأول يختص بالعمارة الدنيوية أما الثاني يختص بالعمارة الدينية وفيما يلي تفصيلٌ عن القسم الأول منها.

العمارة الدنيوية في الحضارة الأردنية النبطية :

  1. العمارة السكنية

تُعد العمارة السكنية من أهم أقسام العمارة الدنيوية لدى الحضارة الأردنية النبطية لغناها الذي بدوره تميز بإبراز الهوية الحضارية للأردنيين الأنباط

أ- فئة القصور والمساكن الكبيرة : اتصفت هذه المساكن بأنها كانت فارهة جداَ لتفي بمتطلبات فئة قليلة من المجتمع الأردني النبطي، اذ اقتصرت على فئة رجال الدولة وكبار التجار، وجرى تقسيم هذه المساكن لتتضمن عدة حُجر منها للجلوس وللنوم بالإضافة إلى غرف الخدمات كالمطابخ والحمامات التي تتكون من مرجان صغير وموضع للغُسل أُنشئ في صُلب الجدار وقريباً من مدخل الحمام وغرف التخزين، كما زُودت هذه القصور بنظام مائي متطور يتناسب وفخامة القصر، وتُعتبر العاصمة الأردنية النبطية البترا أحد أهم الأماكن التي تتواجد فيها هذه الفئة بكثرة، أما بالنسبة للمساكن الكبيرة أو ما تُعرف بالفيلا فقد انتشرت في القرى والمدن الجنوبية في الأردن وتختلف عن فئة القصور الكبيرة بأنها قُسمت إلى ثلاثة أقسام هي قسم الاستقبال وقسم الخدمات وقسم العائلة، ومن الجدير بالذكر أن هذه الفئة من المساكن كانت مزودة بآبار لتخزين مياه الأمطار.

كما لوحظ أن الأردنيين الأنباط قد بنوا البيوت بشكل متلاصق أو متقارب لاشتراكها بالسطوح بالإضافة إلى الفناء الداخلي أو ما يُعرف بالحوش وهي ساحة مفتوحة على السماء الذي تتفتح عليه الغرف ومرافق المنزل مع درج خارجي يؤدي إلى الأدوار العليا، حيث كان الحوش يمثل لقاء العائلة الأردنية النبطية وحياتها المشتركة، أما النوافذ فقد صُممت مرتفعة عن الفناء الداخلي ومطلةً على الخارج، أما الأبواب فمنخفضة ومصنوعة من الخشب، كما دلت بعض الأبحاث على أنهم لم يضعوا أبواباً للغرف الداخلية، حيث كانت بعض هذه المساكن تحتوي على اصطبلات ومزاود، ومثال على فئة المساكن هذه قصر كرنب في النقب والعديد من المساكن في الحميمة .

ب- فئة البيوت التي نُحتت في الصخور

 لعل هذه البيوت هي من شكلت هوية الأردنيين الأنباط وعبقريتهم في النحت، وقد كانت البترا والسيق البارد محطاً لهذا النوع من البيوت الأردنية النبطية، ومن الجدير بالذكر أن هذه البيوت نُحتت بتناغم مع طبيعة المغاور والكهوف والتي حولها الأردنيين الأنباط بمهارة بنائيهم إلى بيوت أشبه بخلايا النحل، ومن الطبيعي أن تختلف أحجام هذه البيوت بحسب حجم المغارة والتي شكلت نُواة المنازل الأردنية النبطية، ومن البيوت المنحوتة الجديرة بالذكر البيت المصبوغ في السيق البارد قرب البيضا، حيث يُصعد إليه بمدرجات وسلالم قصيرة ويتكون من غرفة واسعة  أحيطت بغرف صغيرة واحدة منها بالعمق وقد زُينت برسوم وزخارف نبطية، والمنزل الذي يقع مقابل مسرح البترا والذي تميز بمساحته وبمنعته وبجدرانه المكسوة والمصبوغة في بعض المرافق، وقد عُثر تحت أرضيته على بعض الفخار النبطي، وكان ارتفاعه ثلاثة أمتار.

ج- فئة المساكن الريفية (مساكن المزرعة)  كان المسكن الريفي عبارة عن مجمع كبير يضم وحدات سكنية ومخازن واصطبلاً وساحات متعددة، كقصر الكرنب في النقب كما وُجد هذا النوع من المساكن في الحميمة وكان مؤلفاً من ثلاث أو أربع غرف حول ساحة مكشوفة وقد زُينت بزخارف بسيطة والتي عكست حالة المزارعين الاجتماعية والمادية .

د- فئة المساكن البسيطة  شكل هذا النوع غالبية مساكن الأردنيين الأنباط، والتي انتشرت بكثرة في الحميمة  واقتصرت على غرفتين أمامهما ساحة مكشوفة.

هـ – فئة المساكن ذات الصفة العامة  وكان هذا النوع من المساكن مصمم للأمور الخدماتية كخدمة كهنة وزوار المعابد، وانتشرت هذه المساكن في وادي رم والذريح .

2. عمارة المرافق العامة

اعتبرت العاصمة الأردنية النبطية البترا أبرز مثال على مثل هذا النوع من المباني كونها ضمت جميع أنماط المباني العامة إضافة إلى المباني الخاصة، وقد بُنيت المباني العامة وفقاً لمخطط المدينة العام حيث الشارع الرئيسي والشوارع الفرعية فضلاً عن الشوارع ذات المسارين، والشارع المحاذي للوادي والذي قسم المدينة إلى نصفين حيث لم يقف عائقاً أمام المهندس الأردني النبطي الذي بنى قنوات المياه في أسفله، وكذلك الأقواس الحجرية التي ترتفع عن سيل الوادي في فصل الشتاء، كما يمكن ملاحظة بعض من آثارها في الشارع الرئيسي بعد الانتهاء من شارع الخزنة .

أ. عمارة الحمامات

كان اهتمام الأردنيين الأنباط واضحاً بالحمامات بحكم قدرتهم على استنباط شبكات الري وتخزين المياه، ومن الجدير بالذكر أن الحمامت تختلف عن سبيل الحوريات بحكم أن سبيل الحوريات كانت أقرب إلى المعابد المائية لآلهة الينابيع الحوريات.

وهناك حمامان واضحان يقعان على شارع الأعمدة في وسط البترا، الأول صغير نسبياً ويقع على يمين البوابة الثلاثية مباشرة، أما الحمام الكبير والذي سُمي بالحمام البيزنطي فيقع على يسار الشارع المعمد وقد صنفه بعض الباحثين على أنه برج بيزنطي، وقد كانت جدران الحمام تحتوي على كوى لوضع المصابيح بالإضافة إلى الأعمدة الناتئة من الجدار والتي كانت تحمل تاجاً كورنثياً، كما وُجد في الحمام الكبير ثلاث غرف للبخار الحراري إحداها مدورة ومزودة بفرن .

ب. المسرح الأردني النبطي

بنى الأردنيون الأنباط المسرح في نهاية شارع السيق الخارجي في البترا، ثم أعاد الرومان استخدامه عام 106م، ويحتل المسرح مكاناً مطلاً على شارع السيق الخارجي حيث يقع خلفه مجموعة كبيرة من القبور والأضرحة، وتم تصميمه بشكل مقوس أو نصف دائري قُسمت مدرجاته إلى ثلاث أقسام بواسطة ممرات قوسية بالإضافة إلى منفذ دائري كما قُطعت مقاعده في الصخور الرملية بحوالي 700 مقعد، وبُنيت المنصة التي تقام عليها العروض كسطح صخري بالإضافة إلى ممران على أجنحة مكان العرض .

وقد أدى زلزال عام 263 م إلى تصدع جزء كبير وهدم القليل من المسرح، كما أدى إلى تحطيم واجهات بعض الأضرحة .

3. عمارة المداخل في الحضارة الأردنية النبطية

كانت المداخل تشكل بدايات الشوارع المؤدية إلى مركز المدينة، ويتم تمييزها من خلال بناء قوس النصر الذي يؤدي إلى باقي أجزاء المدينة وينظم شكلها وانقسمت العاصمة الأردنية النبطية البترا إلى مدخلين

أولهما : مدخل السيق  “باب السيق” حيث يمثل مدخل السيق نوعا من المداخل الطبيعية التي صنعتها الطبيعة وشذبها الإنسان، حيث ربط هذا المدخل الطريق المؤدي إلى سيق البترا بالسيق الداخلي كما عمل على تنظيم حركة الداخلين إلى المدينة، ويُعتقد أن المدخل كان قائما حتى سنة 1896 م.

وثانيهما : مدخل الشارع المعمد حيث ربط الشارع المعمد شوارع مركز المدينة وساحة قصر البنت، إذ احتوى هذا الشارع على الأسواق والحمامات والملاعب الرياضية، كما زين المدخل قوس تذكاري وأغلق المدخل بمصاريع خشبية، وكانت هذه البوابات تُبنى كشاهد تذكاري على نصر، في حين تميزت البوابة بطابع روماني حيث كانت مزينة بالرسوم والنقوش الرومانية والنبطية والتي تعلوها العقود والتيجان ذات الأعمدة المزينة بأشكال مختلفة، وقد كان هذا المدخل بأكمله نوعا من المداخل الاصطناعية التي بناها الإنسان .

4. عمارة الساحات العامة في الحضارة الأردنية النبطية

كانت الساحة بمثابة مكان يتجمع فيه الناس، وقد كانت ساحة السوق أو ساحة الندوة التي تلت البوابة التذكارية بالقرب من معبد البنت أشهر مثال على الساحات العامة في هذه الحضارة، حيث زودت بمصاطب حجرية ومدرجات ومقاعد على جانب جدار الساحة الجنوبي كما يُرجح بناء هذه الساحة في بداية القرن الميلادي الأول .

5. عمارة الشوارع في الحضارة الأردنية النبطية

كانت الشوارع بصفتها العامة واسطة لربط الأماكن ببعضها، وقد اقتصرت على ثلاث شوارع مختلفة عن بعضها بالتصميم تبعا لموقعها .

أ. الشارع المعمد   

بني الشارع المعمد في حدود العام 106م، إلا أن الأرصفة الأردنية النبطية تشير إلى تاريخ يرجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد، ويمتد الشارع المعمد من ساحة قصر البنت في وسط البترا إلى نهاية السوق كما يسمى بالشارع المبلط بسبب رصفه بالطابوق، يُقدر عرض الشارع المعمد بستة أمتار وتمتد على أرصفة الشارع مجموعة من الأعمدة ذات التيجان  ويُرجح أنه كان مكاناً لعرض المواد التجارية إضافة للقصر الملكي والحمامات والأبنية الرياضية .

ب.شارع الواجهات 

يبدأ هذا الشارع مع السيق الخارجي أمام واجهات الأضرحة الملكية التي يبلغ عددها 44 ضريحاً، ويتفرع من هذا الشارع طرق فرعية عديدة غير مبلطة، لم يتحدد غرض استخدام هذا الشارع بسبب غياب ملامحه، و يُرجح أنه كان للعربات والخيول والقوافل التي تمر عليه .

ج. السيق

يبلغ طول السيق كيلومترين وهو شارع طبيعي يفصل بين جبل الخبثة والمذبح، وهو عبارة عن ممر وشارع بين صخور عمودية مهولة تكاد تتلامس مع بعضها إذ ما نظرنا للأعلى، وتقع على جانبي الطريق قناة مياه فخارية كما نشاهد حنايا صخرية ترمز للإله ذو الشرى والإلهة العزى .

6. عمارة الأسواق الأردنية النبطية

كانت الأسواق الثلاثية المطلة على الشارع المعمد مثالٌ واضح على النشاط التجاري الذي امتاز به الأردنيون الأنباط في حضارتهم، فقد سيطروا لفترات طويلة على التجارة التي ربطت الشرق بالغرب، حيث كان نشاطهم التجاري واسعا ليشمل البخور والتوابل وغير ذلك من السلع التجارية التي كانت منتشرة أبان حضارتهم، تقع الأسواق التجارية على يسار الشارع المعمد وهي السوق الأعلى والسوق المركزي والسوق الأسفل، وتميز السوقان الأعلى والأسفل بضخامتهما وشكلهما المربع والمستطيل .

7. عمارة مبنى الألعاب الرياضية في الحضارة الأردنية النبطية “الجمانيزيوم”

اقتصرت الألعاب الرياضية على مبنين ألا وهما الجمانيزيوم الأسفل ويقع على يسار البوابة التذكارية دخولا إلى الشارع المعمد وهو الأكبر، بينما يقع الجمانيزيوم الأعلى الأصغر منه بمحاذاته ويفصل بينهما مبنى صغير آخر .

ومن الجدير بالذكر أن الأردنيين الأنباط لم يغب عن أذهانهم بناء المسبح والذي يقع بجانب المعبد الكبير للبترا، ويُرجع تاريخ بنائه إلى نهاية القرن الأول قبل الميلاد .

المراجع

  • عباس ، إحسان ، تاريخ دولة الأنباط ، ط1 1987 ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن .
  • أبو حمام ، عزام ، الأنباط تاريخ وحضارة ، ط1 2009 ، دار أسامة للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن .
  • الماجدي ، خزعل ، الأنباط (التاريخ ، الميثولوجيا ، الفنون ) ، ط1 2012 ، دار النايا ، دار المحاكاة ، سوريا ، دمشق .
  • العجلوني ، أحمد ، حضارة الأنباط من خلال نقوشهم ، ط1 2002 ، بيت الأنباط ، البترا ، الأردن .
  • المحيسن ، زيدون ، الحضارة النبطية ، ط1 2009 ، وزارة الثقافة ، عمان ، الأردن .