الفخار الأردني النبطي

مقدّمة

يعد الفخار النبطي المتميز برقته ودقة ونعومته، دليلاً واضحاً على ما وصل إليه الأردنيون الأنباط من تميز وشهرة في هذا المجال من الصناعات، فكان أجود أنواع الفخار ذلك الذي صنع في الفترة التاريخية المقاربة للقرن الأول الميلادي. حيث صنع من مادة الطين، النضيج المحلي واستخدم الدولاب السريع في صنعه، فصنعوا الكـؤوس والأطبـاق والزبـادي والجـرار والسُرُج وأدوات الطبخ. وقد صنعوا نوعين من الفخّار، النوع العادي الخشن وهـو المستعمل في الطبخ والنوع الناعم المدهون.
كما أن الأعمال الأثرية في المملكة الأردنية النبطية، أرجعت تاريخ  الفخار النبطي إلى القـرن الأول ق . م. واستمر انتاجه في البترا حتى بداية القرن الرابع بعد الميلاد . وقد استعمل الفخار الأردني النبطي كدلالة على تحديد الخارطة الجغرافية لمملكة الأردنيين الأنباط. بحيث رسم “جلول” خطـاً هامشـياً افترض فيه الحد الشمالي للفخار المدهون امتد مثل هذا النوع من البحر الميت – أي مـن نهايته إلى مادبا في الأردن. أبحاث وأعمال أثرية أخرى في شمال هذا الخـط أظهـرت وجود قطع فخارية أردنية نبطية في عمان وجرش وأم الجمال وبصرى . بالإضافة إلى كسـر وشظايا وجدت في جنوب فلسطين وسيناء وشمال الجزيرة العربية والفاو وفيلكا في شـرق الجزيرة العربية. وهذه القطع الفخارية التي وجدت خارج منطقة نفوذ الأردنيين الأنباط يمكن عزوها إلى الرحالة أو التجار الأردنيين الأنباط، اذ نقلوا الأنية معهم في رحلاتهم طويلـة المسافة وتاجروا بها في كافة خطوطهم التجارية عدا النوع الرقيق الذي كان يصعب الاتجار به لسهولة كسره أثناء نقله.

وقد أنتجت معظم الحضارات إلا أن الفخار النبطي الرقيق فائق الجودة والمسمى بـ’فخار قشرة البيض‘ لرقته هو أكثر الأنواع تميزاً، وهو من بين أفضل وأرق ما أنتج من الفخاريات المعروفة عالمياً.

نظريات أصل الفخار النبطي

هناك أربع نظريات حاولت تفسير أصل الفخار الأردني النبطي والتأثيرات الفنية التي خضع لها بفضل الانفتاح المميز للحضارة الأردنية النبطية على باقي الحضارات وتلك المجاورة تحديدا وهي :
النظرية الأولى
: اقترحت من قبل هورسفيلد ( Horsfield ) الذي عزى نوعين من الفخـار إلى تأثير الفخار الأردني الأدومي .
النظرية الثانية : اقترحت من قبل جلوك (Glueck) اقترح فيهـا تأثيرات أتت من باريثيا والعالم الإغريقي، وقد تم رد الكثير من اقتراحات جلوك.
النظرية الثالثة : اقترحت من قبل عدد كبير مـن الباحثين في الآثار النبطية والتي أشارت إلى التأثيرات الإغريقية .
النظرية الرابعة: اقترحت من قبل شمد (Schmid)  والتي لاحظ فيها أن بعض أشكال الفخار النبطي قد تكون مبنية أساساً على نماذج أولية ذات أصول رومانية وإيرانية ومن حوض الرافدين .

أهداف انتاج الفخّار النبطي

الآنية الفخارية النبطية غير المصقولة أو المدهونة استعملت لأغراض منزلية متنوعة فـأنواع مختلفة من الجرار استعملت في المملكة الأردنية النبطية لتخزين السوائل والحبوب وأنواع أخرى مـن الطعام. ومثل هذه الجرار كانت تنتج في مواقع مختلفة في المملكة الأردنية النبطية مثل العقبة، حيث صنعت هناك الجرار المحلية والآنية المسماة بالأنفورا وهي قارورة ضيقة العنق ذات عروتين كان الرومان يشربوا بها الخمر. وفي إحدى هذه الأواني المسماة بـالأنفور وجدت في مدينة البترا وجد فيها ثلم أوشق تحت حافتها من الخارج، وهذه الأنفورا تدل علـى انتاج الخمور، على الرغم من استخدامها لأغراض أخرى . كما وجدت في العقبـة أيضـاً تشكيلة من الفخار النبطي المصنوع محلياً، ويشمل أواني الطبخ وأطبـاق الخـبز وأغطيتها التي استخدمت لأغراض منزلية. بالإضافة لوجود مصابيح نبطية في عدة مواقع وتظهر المصابيح الأولية أو المبكرة القديمة، بأن هناك تبني للعناصر الغربيـة مـن المصـابيح الرومانية والإغريقية .
وقد بدأ الأردنيون الأنباط بانتاج مصابيحهم الخاصة بهم حوالي الربع الثاني والنصف الثاني من القـرن الأول بعد الميلاد، وهذه المصابيح كانت مزخرفة بمناظر طبيعية أو شخصـيات أردنية نبطيـة محفورة على القاعدة. وأواني المراهم أو العطور تعتبر منتجات أردنية نبطية فريدة من نوعهـا فهي أواني صغيرة كانت وظيفتها إما كأوعية لتخزين ونقل الزيوت العطريـة وربما انتجت لتعمل بالتوافق مع المصابيح الزيتية.

ويعتبر الفخار المطلي أو المدهون أحد المنتجات الرئيسية المميزة التي صنعها الأردنيون الأنباط، وكانت الزخارف الوردية التي تحويها الأواني، من ضمن المواد الرئيسية التي استخدمت من قبل الصـانعين للفخـار . وأكثر العناصر الزخرفية أو الزينة التي كانت شائعة هي تصاميم النخيل والرمان والصـنوبر وعناقيد العنب، التي كانت ترتب على شكل مثلثات، أما الزخرفة التي تحوي أشكال نسائية فلم تكن شائعة في الفخار الأردني النبطي، وحتى الآن القليل فقط من الأمثلة اكتشفت عن الفخار النبطي الذي يحوي زخارف رقمية . ومن الواضح أن صانعي الفخار النبطي كانوا أكثر ميلا للزخارف التي تحوي أزهار منها إلى المناظر التي تحوي أشكالاً وأرقاماً .

وهناك بالطبع عدة نظريات تم طرحها فيما يخص هدف الإنتاج الأردني النبطي للفخار المطلي أو الملون؛ منها :
النظرية الأولى : حيث يربط شمد كورتي ذلك بالقرابين التي تقدم للموتى والمراسيم الجنائزية، والتي كان المحتفلـون يكسرون فيها الفخّار في مثل هذه الاحتفالات على شكل أكوام، كما ذكر بعض الباحثين أن الفخار الرقيق الملون كان يستخدم في الأغراض الدينية مرة واحدة، ثم يحطم بعدها، ويقذف خارج المعبد ليتحطم على الصخور المحيطة به. ولهذا لم يكن هناك داع لوجود القاعدة الحلقية أو المنبسطة في هذه الأوعية، حيث أنها ستبقى في يد مقدمها حتى تقدم للآلهة، ويعزى ذلك حسب طقوسهم الجنائزية إلى أن الأواني التي تستعمل في المقبرة تعتبر غير نظيفة من الناحية الروحية، وبالتالي كانت تكسر في الموقع مباشرة.

النظرية الثانية: ويبدو أنها أكثر اقناعاً وتربط ذلك بالاستعمالات الدينية.  حيث كان الفخار النبطي المدهون أو المطلي يزخرف برسوم مكررة على شكل أزهار والتي تشـير إلى أبعاد دينية. ويذكر بار أن استخدام مثل هـذا الفخار كان مقيداً أو محدوداً بالمواقع الأردنية النبطية .

مراكز إنتاج الفخار في المملكة الأردنية النبطية

كشفت الحفريات الأثرية عن ثلاث مراكز رئيسية لإنتاج الفخار في المملكة الأردنية النبطية، جميعها تقع على حواف مواقع المدينة وتم اختيار هذه المواقع بناءً على توفر الماء والطين وأكثر هذه الأفران موجودة في وادي موسى والذي كان مركزاً متخصصاً في إنتاج الفخار النبطي. ومن خلال المسوحات الأثرية التي قام  بها علماء الآثار استطاعوا تحديد المواقع النبطية عـن طريق الفخار النبطي، وأثناء هذه المسوحات تم العثور على مراكز صناعة الفخار حيث عثر على أفران لصناعة الفخار، مثل أفران الزرابة إذ تعتبر أكبر المراكز الصناعية البحتة الخاصة بالفخار والمكتشفة في الأردن حتى الآن وأطولها فترة تقع ضمن منطقة وادي موسى واكتشف في هـذا الموقع سبعة أفران للفخار، والاكتشاف الأول تم سنة ١٩٧٩، يتكون كل فرن من فتحة وغرفة احتراق، حيث يتم حرق الوقود فوق هذا الجزء، وهناك فرن توضع فيه الجرار أو الأباريق، هـذان الجـزءان مفصولان بحاجز ويصنع عادة من الأقـواس التي تسمح بمرور الغاز الساخن الذي يحتـرق وينتقل من غرفة الاحتراق إلى الفرن. وتتوقع بعض الدراسات باسـتخدام الأنباط لخشـب الزيتون كوقود في هذه الأفران، وفيما يخص مصادر الطين فقد تم إجراء تجربة على عينات من مصادر طين مختلفة في وادي موسى، أخذت هذه العينات مـن المواقع الستة التالية في منطقة البترا، زرابة وعين التينة وعاصم، والمعالق، وعـين موسـى وتويلات .
وتشير نتائج هذا التحليل إلى أن معظم مخزون الطين في هذه المواقع لم يسـتخدم لانتـاج الفخار النبطي المصنع في أفران زرابة، وترجع نتائج التحليل بأن عين الطينة هـي الأكثـر احتمالية أن تكون المصدر الذي تم منه صناعة فخار زرابة. كذلك تم العثور على فرن لصناعة الفخار في منطقة أذرح حيث تم حفره في الطبقة السفلى والتي تسمى صخر الأدريم وتم حفر خندق ابعاده ( ٥×٥ م ) لانتاج طن واحد من الفخار. كما تم العثور على فرن في منطقة عبده في النقب ويتكون من غرف لعمل الطين، وغرفة العجلة التي يستخدمها صـانع الفخار، والفرن نفسه. كما تشير المسوحات الأثرية إلى أن العقبة كانت أحد اهم مراكز انتاج الفخار النبطي على الرغم من عدم وجود أفران هناك خلال العهد النبطي حيث تم العثـور علـى كميات ضخمة من مخلفات صهر السيراميك ومخلفات الأفران من هذه الفترة في العقبة. كما تم اجراء أبحاث علمية على تجمعات السيراميك في هذا الميناء أظهـرت نوع جديد من الفخار، الذي أنتج في العقبة التي كانت تابعة ميناءً أردنيا نبطيا مهما أثنـاء القـرنين الأولين بعد الميلاد. كما أن هذا الفخار من العقبة الذي يتميز بلونه ونسيجه الرملي؛ قـد تمتـع بتوزيع واسع في أنحاء المملكة الأردنية النبطية. كما عثر على فرن لصـناعة الفخـار في منطقة بئر مذكور من قبل “جلوك”، ويشير جلوك إلى وجود تأثيرات خارجية علـى الفخار النبطي كالتأثيـر الباريثي والهلنستي والاخميني. بينما رد آثاريون على أنه لا وجود لتـأثيرات خارجية أخمينية على الحضارة الأردنية النبطية، لأن الحضارة الأخمينية، ولاسيما في مجـال العمـارة والآثار ما هي إلا فرع من الحضارة الأشورية، كما أن الحضارة الباريثية ما هي إلا خليط من الحضارة الأخمينية والحضارة الاسكتية الهندية. بينما يحتمل أن الأردنيين الأنباط كانوا قد تأثروا بما صنعه الأردنيون الأدوميون من الفخار بسبب الشبه الكبير بين شكل الفخار الأردني النبطي والفخار الأردني الأدومي الذي وجد في المنطقة، كما وجد بعض من الفخار النبطي في جرش وتل الذهب الغربية، وأماكن أخرى متفرقة.

الصلصال
يتميز الصلصال الذي استخدمه الحرفيون من الأردنيين الأنباط بمرونة عالية، الأمر الذي مكنهم من الوصول إلى هذه الجودة في الإنتاج، كما كان لنسبة الحديد العالية فيه الفضل في اللون الأحمر المميَّز لفخارهم. وقد استخدم الحرفيون الأنباط الدولاب في صنع جميع أنواع الفخار النبطي الرقيق، أما الآنية فكانت إما بسيطة الشكل خالية من الزخرف، وإما مبطنة أو مزينة بالرسومات، أو مزخرفة بأسلوب الضغط أو الدحرجة.

كانت الزبادي المفتوحة بقواعدها المحدبة، والتي تحتوي على رسومات دقيقة من الداخل، هي أبرز ما أنتجه الحرفيون الأردنيون الأنباط من الفخاريات الرقيقة. إلا أن هذا الشكل غير ملائم للاستخدام اليومي، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى الاعتقاد بأن هذه الزبادي كانت تستعمل للطقوس الدينية والتقدمات الجنائزية، ولكن الأمر المحير هو أنها وجدت في داخل المنازل وليس فقط في المعابد والمقابر مما يدل على أن الحالة المعيشية كانت عالية بحيث تنفق الأسرة العادية على الفخار الأفضل جودةً.

كانت عجينة أولى أواني المنتجات الفخارية النبطية والمؤرخة إلى النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد نقية خالية من الشوائب ولكنها سميكة.


أنواع الفخار النبطي

صنعت في المملكة الأردنية النبطية أنواع الفخاريات المختلفة، من الرقيق إلى العملي الخشن، بما في ذلك السُرُج والتماثيل، وأثبتت الدراسات  وجد تحوّل تحول واضح من إنتاج الفخار أحمر اللون خلال المراحل المبكرة نحو إنتاج الفخاريات ذات السطح الأبيض في المراحل المتأخرة. من أسباب هذا التحول درجة الحرق الأعلى الناتجة عن التطور في بناء الأفران، حيث تنتج الفخاريات البيضاء على درجات حرارة أعلى من الحمراء، وهناك اتجاه آخر في صناعة الفخار الملون إذ تضاءلت نسبة إنتاجه مع مرور الزمن رغم استمراره حتى القرن السادس ميلادي.
وقد اعتمدت تحليل مادة الفخار كيميائيا على استعماله مصدر واحد للصلصال في صناعة كافة الأنواع المنتجة في الزرابة، كما أنتج الأردنيون الأنباط أصنافا متنوعة من الفخار إلا أن أكثر منتجاتهم تميزا كان فخارهم الرقيق ذو الخامة الصافية الذي صنعوه إما بدون زخرفة أو ملون أو مزينا بزخارف مطبوعة أو مدحرجة وقد انتشر الفخار النبطي في مركز صناعته في الزرابة – البترا إلى كافة أنحاء المملكة الأردنية النبطية. ويمكن تنصيف الأواني والمصنوعات الفخارية النبطية إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي :
1. الفخار الملون: حيث وجدت معظم الزخارف الملونة على الأطباق الصغيرة المقعرة إلا أن أشكالا أخرى لونت أيضا كالأباريق الصغيرة والفناجين، وبالإمكان تقسيم خامات وزخارف الفخار الملون إلى خمسة طرز رئيسة ذات دلالات تاريخية، رغم أن هناك تداخلات بين هذه الطُرز مما يشير إلى تطورها تدريجيا.

نماذج متنوعة من الفخّار النبطي الملوّن

أ. الطراز الأول: الذي يؤرخ إلى النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد ومن أمثلة هذا الطراز الفخار ذو اللون الوردي أو الأحمر الفاتح والزخرفة حمراء اللون على شكل خطوط عريضة أو مموجة تتقاطع عند القاعدة.
ب. الطراز الثاني: الذي يؤرخ إلى نهاية القرن الأول قبل الميلاد حتى بدايات القرن الأول الميلادي ومن الأمثلة على هذا الطراز الفخار الرقيق ذو الزخارف بأشكال أوراق وأكاليل نباتية طبيعية.
ج. الطراز الثالث: الذي يؤرخ إلى القرن الأول حتى بداية القرن الثاني الميلادي ويمثل الطراز النبطي الكلاسيكي، تتراوح سماكة الجدران بين 1,5- 4 سم أما اللون فهو أحمر إلى أحمر مصفر، والزخرفة حمراء غامضة إلى بنية والأمثلة المبكرة ذات الزخارف الدقيقة الشبكية المتنوعة تطورت إلى زخارف نباتية محورة على خلفية مخططة.
د. الطراز الرابع: يؤرخ إلى ما بعد منتصف القرن الثاني والقرن الثالث الميلادي وهو من حيث الرقة تشبه الطراز الرابع تقريبا. أما الزخرفة فبنية غامضة أو سوداء وقد استمر استعمال الزخارف النباتية المحورة من الطراز الثالث لكن بدون الخلفية المخططة، وبدأ ظهور تصاوير الحيوانات خاصة الطيور.
هـ. الطراز الخامس: الذي بدأ مع نهاية القرن الثالث وبداية الرابع الميلادي حيث تغيّرت صناعة الفخار النبطي حيث انتجت آنية أكثر سماكة تحوي عجينتها الكثير من الشوائب وألوانها أقل نضارة مما سبقتها، الأمثلة المتأخرة عبارة عن فخار خشن نسبيا مزخرف ببقع سوداء وتشير نتائج حفريات الزرابة والبيوت السكنية في البترا إلى استمرارية هذا الطراز حتى القرن السادس الميلادي.

الفخار النبطي الملوّن

2. الفخار ذو الزخارف المدحرجة أو المطبوعة: كان الفخار ذو الزخاف المدحرجة يصنع بواسطة عجلة أو دولاب صغير حيث تتم دحرجة الزخرفة على سطح الإناء قبل وضعه بالأفران، أما الزخارف المطبوعة فتصنع بواسطة ختم صغير. وكان هذان النوعان من الزخرفة شائعين على الآنية الكلاسيكية، ويظهران أيضا على الآنية الملونة من الطرازين الثالث والرابع المبكر، وقد زخرفت أجزاء مختلفة من الآنية بهاتين الطريقتين بما في ذلك المقابض والفوهات.
3- الفخار الخشن: ويشمل هذا النوع من الفخار الآنية المستعملة يومياَ كأواني الطبخ والجرار وتكون الأشكال المستوحاة فيها عادة متأثرة بالأشكال الهيلنستية السابقة، ولقد تطورت مع الأشكال الرومانية وفيما بعد البيزنطية غير أنه بقي حتى لهذه المنتجات المتواضعة طابعها النبطي المميز شأنها شأن مجمل منتجات الفنون الأردنية النبطية، ومثال على ذلك القوارير الصغيرة المستعملة للعطور والزيوت الثمينة التي أصبحت مؤشر للوجود الأردني النبطي رغم أنها كانت شائعة من قبل خلال الفترة الهيلنستي.

أ. السُرُج الفخارية
كانت صناعة السُرُج (مصابيح النار) في الأزمان القديمة مرتبطة بالفخار أكثر من الحجر والمعدن. وكان تشكيل هذه الأسرجة بسيطاَ حيث يستعمل جسم السراج لاحتواء الزيت أما الفوهة فكانت تحتوي على فتيلة وكانت هناك في الغالب يد لمسك السراج.
وينظر إلى القيمة الفنية للسُرُج من خلال أمرين أولهما شكلها  الذي قد يأخذ عدة أشكال حيوانية أو إنسانية أو هندسية أو إلهية. وكانت النقوش والمنحوتات والزخارف التي كانت تنقش تعتبر قيمة جمالية.
تعود أقدم السُرُج الفخارية إلى العصر البرونزي المبكر، حين كانت عبارة عن صحون وزبادي بسيطة مصنوعة يدويا. ثم صنعت فوهة السراج لتركيز الفتيلة وذلك بضغط الطين قليلا عند حافة الزبدية وبحلول العصر الحديدي أضحت هذه الفوهة عميقة ومتينة. وحين ظهرت العجلة الصناعية منذ العصر البرونزي الوسيط تطورت صناعة السُرُج وفي العصر الحديدي الثالث أصبحت أطراف السُرُج المصنوعة على العجلة مضغوطة معا لإغلاق البدن الذي يحتوي  على الزيت وكان ينتج عن ذلك شكلا متطاولا وفوهة بارزة، وفي الفترة الهيلنستية استعمل القالب ولأول مرة في صناعة السُرُج وبقي الشكل الطولي والفوهة الطويلة البارزة، وكانت تزخرف هذه الأسرجة المصنوعة بالقالب بأشكال بسيطة عبارة عن خطوط إشعاعية وسنابل قمح وبعضها زخرف بلفيفات صغيرة، ومنذ ذلك الوقت وحتى الفترة الإسلامية المبكرة طغت السُرُج المصنوعة بالقالب على الإنتاج رغم استمرار صناعة السُرُج على العجلة بشكل محدود.
وفي العصر الروماني وصلت صناعة السُرُج بالقالب إلى ذروتها، وظهرت في القرن الأول الميلادي (السُرُج ذات القرص) وهي سُرُج لها بدن مستدير وظهر مقعر قليلا رسمت عليه زخارف مختلفة ومناظر أسطورية. وفي البداية استوردت هذه السُرُج من أوروبا وبخاصة من إيطاليا، وأدخلت معها العديد من الزخارف الفنية القريبة إلى الشرق لكن الجيل الثاني من السرج ذات القرص شهد صناعة شرقية محلية كان يغلب عليها بساطة الشكل.
تميزت السُرُج الاردنية النبطية بخصوصيتها وزخارفها بالخطوط الشماعية والأزهار الصغيرة وبعضها كان على قاعدة حروف أردنية نبطية. وفي القرن الثالث الميلادي استبدلت السُرُج ذات القرص بأخرى مستديرة ذات فتحة كبيرة للزيت وأتت زخرفتها على الكتف كما أصبحت فوهات الفتيلة أكثر تطاولا وخلال الفترة البيزنطية اتخذت السُرُج أشكالا لوزية.
ومن السُرُج الفخارية في البترا، عثر على سراج من العصر الحديدي وهو سراج آدومي كان يستخدمه الأردنيون الأدوميون الذين سكنوا البترا في حدود القرنين السابع والسادس قبل الميلاد.
وهناك سراجان من الفترة الهلنستية المتأخرة من البترا في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الأول قبل الميلاد. وعثر على سراج مستورد له يد على شكل هلال من حفريات الكتونة في القرن الأول قبل الميلاد وسراج آخر مستورد من نفس الفترة تقريبا في معبد الأسود المجنحة.
كذلك عثر على سراج عليه صورة أوروبا راكبة الثور من حفريات الزرابة وهو سراج من انتاج محلي وبقالب مستورد من ( القرن الأول – بداية القرن الثاني الميلادي) وعثر على السراج على صورة قرني الرخاء متقاطعين وهي نفس الصورة الموجودة على العملات الأردنية النبطية.

سراج نبطي

ب. أواني المطبخ
تشير الأدلة من الزرابة على أن أواني المطبخ صنعت من ذات الصلصال المستخدم في صناعة الفخار النبطي الرقيق غير أن دقائق الجير كانت تضاف إلى عجينة أواني الطبخ بعكس عجينة الفخاريات الرقيقة التي كانت صافية جداً، ولهذا السبب كانت أواني الطبخ توضع على النار مباشرة أي أنها كانت تتحمل الصدمة الحرارية وأثبتت التجارب أن الجير مادة مثالية لتحمل مثل هذه الصدمات. وقد اكتشف عدد كبير من أواني الطبخ في مختلف مناطق البترا من شارع الأعمدة ومعبد الأسود المجنحة وحفريات الزنطور.

ج. الصحون الفخارية
كانت الصحون الفخارية تستخدم لتقديم الطعام وكانت على أحجام وأنواع مختلفة وذات زخارف منوعة. فقد اكتشف صحن صغير ملون (يعود لبداية القرن الأول الميلادي) وحتوي على قاعدة ثلاثة رسوم لزاحفة (أم أربع وأربعين) ويعتبر هذا الصحن مثالاً نادراً للرسوم الحيوانية على الفخار النبطي.
وهناك صحن ملون اكتشف في البترا (يعود لنهاية القرن الأول – الثاني الميلادي) بإشارة ثلاثية تحددها رسوم ورق النخيل ومن المعتقد أن الرسوم في الأجزاء الثلاث تمثل أنواع مختلفة من الفاكهة.
وعثر في البترا على صحن ملون (يعود لنهاية القرن الأول – الثاني الميلادي) بأشكال ثلاثية تحددها رسوم ورق النخيل، وهناك اعتقاد بأن المثلثات المزدوجة ترمز إلى جبل الشراه رمز الإله ذي الشرى.
وكانت أغلب الصحون الفخارية ملونة بالأحمر وتظهر أحيانا ألوان رمادية ومصفرة بسبب ارتفاع درجة الحرارة في بعض أماكن الفرن.
ومن حفريات معبد الأسود المجنحة هناك صحن ملون (يعود لنهاية القرن الأول – الثاني الميلادي) بأشكال ثنائية تحددها ورقة نخيل ورمانة ثلاثية. ومن نفس المعبد هناك صحن ملون (يعود لنهاية القرن الثالث – بداية الرابع الميلادي) بأشكال ثنائية تظهر طيرين يأكلان عناقيد العنب.
وعثر على صحون وزبادي كثيرة في الزرابة والزنطور وغيرها من مواقع البترا الأثرية.

د. قوارير العطور النبطية
زخرت المواقع الأردنية النبطية بالكثير من قوارير العطور والزيوت الفاخرة والمعطرة، وقد صنعت بأشكال وأحجام قياسية معينة مما يشير إلى أن الأردنيين الأنباط استخدموها لتغليف عطور وزيوت الشرق استعدادًا لتصديرها إلى الغرب، أو للاستهلاك المحلي كما تدل كميات القوارير الهائلة المكتشفة في المواقع الأردنية النبطية، ولقد عثر على قوارير العطور الأردنية النبطية في عدد من المواقع في آسيا الصغرى وأوروبا، بما في ذلك البلقان وإيطاليا. وقد صنعت هذه القوارير من جزئين منفصلين، البدن والرقبة، كان يتم لصقهما قبل الشواء في الفرن، ولمعظم قوارير العطور النبطية قواعد مدببة قليلا يعتقد بعض الباحثين أنها كانت لوضع القارورة على قرص السراج وذلك لإضفاء رائحة زكية على الغرفة عند تسخين محتويات القارورة، وربما استعمل الزيت المعطر من القارورة مباشرة لإشعال السراج، وكان يتم ختم رقبة القارورة الطويلة بسدادة من الطين قبل بيعها أو شحنها للتأكد من عدم العبث بمحتواياتها.

قوارير نبطية كانت تستخدم لحفظ العطور والزيوت المستخدمة للتحنيط

هـ. المباخر النبطية
احتكر الأردنيون الأنباط تجارة البخور في القرن الأول قبل الميلاد بعد أن كانت بأيدي السبئيين والمعينيين وكانت محاصيل البخور والمر تجمع في مرفأ قنا وهي ” حصى الغراب ” اليوم في خليج عدن، ومنها تنتقل براً إلى شبوه ثم على مأرب سبأ، ومنها إلى قرنو عاصمة قتبان ثم إلى نجران ومن نجران تسير القوافل إلى يثرب (المدينة المنورة) ثم إلى الحجر (مدائن صالح) وتصل إلى البترا في 12-15 يوماً. وكانت التوابل تنتقل بالحبر أحياناً إلى ميناء أيله – العقبة النبطي.
ومن ثم إلى مصر عبر صحراء سينا ومن البترا كانت تنتقل البضائع إلى غزة ثم إلى صحراء سيناء أو عبر النقب في خمسة إلى سبعة أيام. وكانت غزة والعريش مرافئ الأردنيين الأنباط الرئيسية على البحر الأبيض المتوسط.
وكانت صناعة المباخر جزء من تجارة البخور النبطية، وكانت المباخر النبطية تصنع على غرار ما كانت تصنع المباخر في العصور التي سبقت توسع نفوذهم في الأردن. وقد عثر في معبد الأسود المجنحة على المبخرة فخارية الصنع، الجزء العلوي منها كصحن منفصل ثم يتم إلصاقه بالقاعدة العالية المزخرفة بعض الشي، وتشير علامات الحرق على الفوهة أن المبخرة استعملت في القدم.

و. الجرار الصغيرة
وجدت هذه الجرار بكثرة في المواقع الاردنية النبطية ويعتقد بعض الباحثين أنها كانت آنية لجمع زيت الزيتون، وقد ذكر المؤرخ سترابو في بداية القرن الأول الميلادي أن أشجار الزيتون لم تُزرع في أراضي المملكة الاردنية النبطية على نحو واسع، وأن الأردنيين الأنباط استخدموا زيت السمسم (السّيرج) عوضا عن زيت الزيتون، غير أن هنالك بقايا معصرة زيتون قديمة مشرفة على البترا في منطقة الزرابة، وقد عثر على معصرة زيتون في موقع خربة الذريح النبطي إلى الشمال من الطويلة نسب تاريخها إلى بداية القرن الثاني الميلادي. وقد تكون الجرار الصغيرة ملونة أو خالية من الألوان وبزخارف أو بدونها، وقد تكون لها قبضة واحدة أو أكثر. وعثر على الكثير منها في البترا، الكاتونة، معبد الأسود المجنحة، البيوت السكنية على جبل قبر جميعان، منطقة الشارع المعمد وغيرها. ووجدت جرار أخرى كبيرة الحجم.

جرار فخارية نبطية من عدة أحجام

ز. الأباريق الفخارية
تعتبر الأباريق الفخارية أوعية مهمة لحفظ السوائل والأطعمة السائلة. كاستمرار للإرث الأردني العريق في استخدام هذا النوع من الأباريق. واستخدم الأردنيون الأنباط هذه الأباريق، إذ عثر عليها في حفريات الكاتونة والبيوت السكنية على جبل قبر جميعان، ومعبد الأسود المجنحة والزنطور وغيرها. وعثر على أنواع مختلفة من الأباريق الملونة وغير الملونة والمزخرفة وغير المزخرفة تمتد مساحتها الزمنية من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن السادس الميلادي.

ابريق فخّاري نبطي

ح. جرار التخزين
كانت جرار التخزين تتميز بكبر حجمها ومتانة جدرانها ولها مقابض كبيرة نسبياً، وقد تم اكتشاف كسر تعود ل (21) جرة تخزين كبيرة وجرة صغيرة ومحقانين فخاريين في المنطقة الوسطى والغربية من الرواق الجنوبي لكنيسة البترا البيزنطية وجميع جرار التخزين ذات شكل واحد وأربعة مقابض ولكنها تختلف في الحجم، وتظهر أشكال الفوهة اختلافات بسيطة غير أن جميع الجرار شكلت بنفس الطريقة.
وكانت تصنع هذه الجرار أولاً من كرة صلصال للقاعدة ثم يبنى عليها البدن باستعمال حبال صلصالية، أما الفوهة فكانت تصنع على العجلة ثم تلصق بالبدن المصنوع يدوياً.
ولمعظم الجرار بطانة من أعلى السطح الخارجي تسيّلت إلى مستوى أفقي على البدن مما يدل على أن الجرار كانت موضوعة داخل حفرة أو وعاء كبير أثناء تصنيعها، وقد صنعت جميع الجرار من فخار خشن يحتوي على الكثير من الرمل لكنها تختلف بألوانها وزخرفتها.

ط. الكؤوس

تعتبر الكؤوس النبطية ذات خصائص فريدة من نوعها، ومن أبرز تلك الخصائص صغر حجم تلك الكؤوس، ما دفع الباحثين لترجيح عدم استخدامها لشرب الماء لأن حجمها لا يروي الظمأ، ومن المحتمل أكثر أنها استعملت في شرب الخمر، إذ بينما كانت تقام الاحتفالات والمناسبات في مدينة البترا من قبل الأردنيين الأنباط، في مجالس ومضافات لها طقوس محددة يذكرها المؤرخ اليوناني سترابو، حيث يذكر أنهم كانوا يجتمعون في حلقات مؤلفة من ثلاثة عشر شخصا، إضافة للموسيقيين، بينما للملك قاعة كبيرة يقيم فيها الولائم وخلالها لا يشرب كل مدعو أكثر من 11 كأسًا من النبيذ، وكل مرة يشرب من كأس جديد . وكان الملك يشارك الناس والعامة ويقوم على خدمة الآخرين في المعبد (المزراح) ونذكر حتى اليوم المثل القائل (كبير القوم خادمهم) المستقى من هذا الطقس، وعقب هذه الطقوس تم تأليه هذا الملك وسمي “رب مرزحا” أي سيد المعبد.

المراجع:

  • الماجدي، خزعل(2012)، الأنباط التاريخ-المثولوجيا-الفنون،(ط1)،دمشق: دار النايا ودار محاكاة للنشر والتوزيع.
  • عباس، احسان(1987)، تاريخ دولة الأنباط،(ط1)،عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع.
  • المحيسن، زيدون(2009)، الحضارة النبطية (ط1)، عمان، وزارة الثقافة الأردنية.
  • عبدالعزيز، مهدي ، القدرة، حسين، نظرية الالتزام في الكتابات القانونية النبطية، معهد الملكة رانيا للسياحة والتراث، الجامعة الهاشمية