المملكة الأردنية المؤابية- العلاقات الخارجية

اطلالة على مدينة الكرك – 1918

مقدمة

برع أجدادنا الأردنيون الأوائل منذ فجر التاريخ بإدارة علاقاتهم الخارجية على أحسن وجه، كيف لا وقد اعتمد نشاطهم الاقتصادي بشكل رئيس على التجارة منذ أن بدؤوا بإنتاج ما يفيض عن حاجتهم من سلع في مرحلة المدن الدول، واستمر الأمر كذلك مع نشأة الممالك الأردنية الثلاث (المملكة الأردنية الأدومية، المملكة الأردنية المؤابية، المملكة الأردنية العمونية)، وعلى سبر شقيقاتها سارت المملكة الأردنية المؤابية، تمارس فنون الدبلوماسية تارة، وتخوض الحروب تارة أخرى، بما تقتضيه مصالحهم السيادية، وما يحفظ كرامتهم الوطنية أيضاً، لينتزع أجدادنا الأردنيون المؤابيون مكانتهم العالية علو جبال مؤاب على سلم التاريخ والحضارة.

المملكة الأردنية المؤابية تنهض باحتواء الآخر

بدأ أجدادنا الأردنيون المؤابيون ببلورة حسهم الوطني في المرحلة الانتقالية بين عصر الدولة المدينة وعصر الممالك الأردنية الثلاث الرئيسية (المملكة الأردنية الأدومية، المملكة الأردنية المؤابية، المملكة الأردنية العمونية)، حيث بدأت القبائل الأردنية الرابضة على الحدود الشرقية لجبال مؤاب والتي كانت تجمعها علاقة وثيقة مع المدن الأردنية في ذلك الوقت بالتوغل في عمق جبال مؤاب وبمحاذاة ساحل البحر الميت الشرقي، لتنتقل من حالة البداوة إلى الفلاحة والتمدن، وهم الذين اكتسبوا خبرة حضارية من احتكاكهم بالقوافل التجارية التي كانوا يحمونها، وباحتكاكهم بأشقائهم سكان القرى والمدن الأردنية في ذلك الوقت، وحين بدأت هذه القبائل بالتأطر سياسياً واجهت سكان المنطقة آنذاك والذين يدعون في المصادر التاريخية بالإميين، ولكن العقلية السياسية التي كانت تسيطر على الزعامة السياسية لدى أجدادنا الأردنيين المؤابيين كانت عقلية الاحتواء والامتزاج الثقافي الحضاري، حيث أن زعيم الإميين في نهاية الأمر سلم السلطة للملك الأردني المؤابي في ذلك الوقت سلمياً، وتسلم الملك المؤابي سلطاته هذه وفق التقاليد الإمية كما تظهر لوحة بالوعة وهي لوحة مرسومة على حجر وجدت في منطقة خربة البالوعة شمال الكرك، وعليها رسم توضيحي لمراسم انتقال السلطة، لتخط هذه البداية تاريخ المملكة الأردنية المؤابية كاملاً، حيث استطاعوا دائماً التأثير بمحيطهم، كما استطاعوا الإفادة ممن يحتكون بهم عبر الجوار أو التجارة أو حتى الحروب.

حجر بالوعة – متحف الآثار الأردني في عمان، حقوق الملكية محفوظة لموقع www.researchgate.net

 

خربة بالوعة – حقوق الملكية محفوظة henkbos.com

المملكة الأردنية المؤابية والممالك الأمورية شمال الموجب

احتكت المملكة الأردنية المؤابية في بداية نشأتها بالممالك الأمورية شمال نهر الموجب (أرنون)، ووقعت صدامات بين الطرفين إلا أن أجدادنا الأردنيين المؤابيين استطاعوا تثبيت حدودهم إلى الشمال من نهر الموجب (أرنون)  إلى أن هزمت هذه الممالك على يد القبائل العبرانية.

وادي الموجب 1900 نهاية القرن التاسع عشر شمال الكرك وعرف بنهر ارنون وتم ذكره في مسلة ميشع الملك المؤابي الأردني قبل الميلاد

المملكة الأردنية المؤابية وشقيقاتها

جمعت الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، عمون، مؤاب) علاقات متينة، حيث توحدت المصالح غالب الأحيان، بالإضافة إلى تقارب شعوب هذه الممالك والتداخل الجغرافي فيما بينها، إلا أن العلاقة بين المملكة الأردنية العمونية والمملكة الأردنية المؤابية كانت الأكثر تميزاً، حيث التداخل الجغرافي كبير جداً، وتقارب الشعبين مع التطابق في توقيت وظروف نشأة هذه الممالك. وتذكر المصادر التاريخية أن الأردنيين العمونيين والأردنيين المؤابيين هم أبناء عمومة، وكان الحلف القائم بين المملكتين حلفاً منعقداً بصفة دائمة، بينما كانت تنشب بعض الخلافات أحياناً وهي قليلة جداً على مر تاريخ هذه الممالك بين الأردنيين المؤابيين والأردنيين العمونيين من جهة، والأردنيين الأدوميين من جهة أخرى، ولكن هذه الممالك الأردنية الثلاث كانت دائماً في مواجهة ذات الأخطار الخارجية، كما أن المملكة الأردنية المؤابية كانت حلقة الوصل بين المملكة الأردنية العمونية من جهة، والمملكة الأردنية الأدومية من جهة، ولا شك أن من أهم الشواهد على هذه العلاقات المتينة هو استغلال الأردنيين الأدوميين لانتصار أشقائهم الأردنيين المؤابيين بقيادة الملك الأردني المؤابي ميشع على العبرانيين، وانقضاضهم بدورهم عليهم والسيطرة على مساحات واسعة من أراضيهم.

المملكة الأردنية المؤابية والعبرانيين

وادي الحسا الحد الجنوبي للمملكة الأردنية المؤابية-inthetravellab.com

مرّت العلاقات بين أجدادنا الأردنيين المؤابيين وبين العبرانيين بتذبذب واسع، ولكنها كانت عدائية منذ البداية وعلى الأغلب الأعم، حيث تذكر المصادر التاريخية أن المملكة الأردنية المؤابية رفضت كشقيقاتها أن تمر القبائل العبرانية بأراضيها عند قدومهم إلى المنطقة، منذ ذلك الوقت ضمرت القبائل العبرانية الكيد للمملكة الأردنية المؤابية، ولم يهتم أجدادنا الأردنيون المؤابيون بهذا الأمر لثقتهم بقوتهم العسكرية، إلا أن العبرانيين استطاعوا الانتصار على الأردنيين المؤابيين في مواقع، كما انهزموا أمامهم في مواقع أكثر، واتسمت انتصارات العبرانيين على أجدادنا الأردنيين المؤابيين باستخدامهم للغدر ونقض العهود والانقلاب على المواثيق والأعراف حيث اغتالوا الملك الأردني المؤابي عجلون عند يأسهم من الانتصار على جيوشه، كما خانوا الجَميل الذي قدمه الأردنيون المؤابيون والعمونيون للملك داوود حيث استضافوه وقاموا بحمايته ووالده ووالدته أثناء صراعه مع شاؤول إلا أنه لمّا ثبت له الأمر وانتصر على أعدائه الداخليين من القبائل العبرانية قام بالتنّكر للجميل ومهاجمة المملكتين الأردنية المؤابية والعمونية على حين غرة، واستمر هذا الصراع يشتد ويهدأ إلى أن جاء الملك الأردني ميشع وقام بانتصاره الساحق على العبرانيين حضارياً وعسكرياً.

المملكة الأردنية المؤابية والأشوريين

لم تختلف طبيعة العلاقة بين أجدادنا الأردنيين المؤابيين مع الأشوريين في جوهرها عن علاقة أشقائهم في المملكة الأردنية العمونية والمملكة الأردنية الأدومية، حيث أن الطريق التجاري الملوكي كان يمر بالممالك الأردنية الثلاث، وكانت المصلحة متبادلة بين الأردنيين من جهة وبين الأشوريين من جهة أخرى في الحفاظ على نمط من العلاقات الودية لتنشيط النشاط التجاري الضروري للطرفين، وقد ذُكر العديد من الملوك الأردنيين المؤابيين مثل سلمانو وكموشو نادبي وكموش اللات،  في السجلات والحوليات الأشورية، سواءً كحلفاء بالحروب أو بتقديم الهدايا للبلاط الآشوري، ولكن هذا لم يمنع أن يثور أجدادنا الأردنيون المؤابيون في وجه الأشوريين مع جيرانهم وأشقائهم إذا ما تمادى الآشوريون ومسوا كرامتهم الوطنية، ومن مظاهر التبادل الحضاري بين الأردنيين المؤابيين والآشوريين، تشابه طرق إنشاء المدافن بالإضافة إلى استخدام ذات النمط الإنشائي في بناء القلاع والتحصينات.

المراجع

  1. كفافي ، د. زيدان عبد الكافي) 2006 (، تاريخ الأردن و اثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية و الحديدية ) ، دار ورد ، عمان .
  2.  A.H.Van Zyl، تعريب وإعداد، ياسين د. خير نمر، (1990)، المؤابيون، الجامعة الأردنية عمان
  3. أبحاث إرث الأردن، نشأة مملكة مؤاب الأردنية
  4. أبحاث إرث الأردن، مدخل عام لنشأة الدولة الوطنية في الأردن القديم

.