الفارس الشيخ محمد باشا الحسين العواملة

الفارس الشيخ محمد باشا الحسين العواملة

mohammadalhusein

نشأته

ولد الفارس الشيخ محمد باشا حسين يوسف الأحمد الحمدان العواملة بمدينة السلط في حدود عام 1880،كان والده زعيماً في عصر الاحتلال التركي لعشيرة العواملة التي كانت تضم (14) أربع عشرة عائلة حينها.

salt1

صورة لمدينة السلط و بيوتها ومبانيها عام 1880، حيث ولد محمد باشا الحسين

نشأ محمد الحسين وقد تعلم الفروسية من خلال الصيد و ركوب الخيل، والتحق بالكتاتيب، فأصبح يحسن القراءة والكتابة، ويقال أنه كان ينظم الشعر، وتزوج بأربع زوجات، ورزق من ثلاث منهن بأربعة أولاد وهم :  أحمد وبشير ومصطفى وياسين.

دوره في الثورة العربية الكبرى

كان محمد الحسين من الجيل الذي تفتح وعيه على المظالم التي كان قومه و أبناء شعبه  يتجرَّعونها من جيوش الاحتلال العثماني وولاتهم و حكّامهم في المنطقة الذيين كانوا ينفذون سياسات حكومة الدولة العثمانية، في تبني القومية التركية الطورانية، ولم يكتفوا بما كانوا يوقعونه بالمدن و الأهالي من ظلم و قهر وتجهيل بل عمدوا إلى إجبارهم قسرا على محاولة الإنسلاخ من هويتهم  لحساب الهوية القومية التركية الطورانية عبر ما سمي بسياسة التتريك، وكأترابه من أبناء جيله نشط محمد الحسين العواملة في الجناح الشبابي للحركة الوطنية الأردنية للتصدِّي لمظالم حكومة الاحتلال العثماني، وكان الشيخ واحدا من المئات من رجالات وشباب الأردن الذين حكم عليهم جمال باشا السفاح بالإعدام، وذلك كونه كان من أوائل الزعماء الأردنيين الذين أعلنوا الثورة على الاحتلال التركي العثماني، وحشّد فرسان عشيرته و مدينة السلط على قتال الحاميات التركية في السلط و عمان، وساند بتوفير السلاح و الذخيرة للثوار من جيبه الخاص، بل و اشترى الخيل للفرسان ووضع منزله و أراضيه تحت تصرف الثوار لتكون ملجأً وحصنا أمينا لهم من تقصي الجيش التركي و عيونه المنتشرة في المنطقة وهجماته الانتقامية، وحال عدم القدرة على السيطرة على تحركات الشيخ محمد الحسين أصدرت الإدارة التركية العليا حكم الإعدام عليه وعلى عدد كبير من ثوّار السلط فاختفى من المدينة للاحتماء من الملاحقة التركية وانتقل فورا إلى مدينة القدس – التي دخلتها قوات الحلفاء – مع بعض عائلات العواملة، وكان ذلك في سنة الفلّة، وبقي في القدس مدة ستة شهور.

saltfalleh

جموع من أهالي مدينة السلط يخرجون من المدينة عام 1918 بعيدا عن بطش الاحتلال التركي أثناء مواجهات الحرب العالمية الأولى بين قوات التحالف و الجيش التركي و حلفائه الجيشين الألماني و النمساوي

 

 

و تكريما له و تقديرا لجهده في الوقوف بوجه الاحتلال العثماني حصل على قلادة الحسين بن علي التي أنعمها عليه الشريف الحسين عندما زار السلط بعد عودته من منفاه في قبرص ، وكان الملك عبدالله الأول يقدر عاليا الفارس محمد الحسين لمواقفه الصادقة فمنحه لقب باشا.

مسيرته الوطنية

انتخب الفارس الشيخ محمد باشا الحسين عضواً في المجلس البلدي في أثناء رئاسة  الشيخ نمر الحمود والحاج عبد الله الداود خلال الفترة من 1923-1933،  وكان مثالاً أصيلا للعمل في سبيل نهضة المدينة وتطورها، و بالإضافة الى مواقفه الوطنية الشجاعة سجّل الباشا محمد الحسين مواقف عربية جليلة وصادقة بينها استضافته للمناضل السوري سلطان باشا الأطرش ورجاله الدروز في بيته في السلط لمدة ستة شهور وبعد عودتهم الى بلادهم بعثوا بتاريخ 6 أيار 1937 م رسالة شكر أعربوا فيها عن خالص تقديرهم الى محمد الحسين لما لقوا في بيته وبين أهله وعشيرته وأبناء السلط على العموم من حفاوة وتكريم.

وكان مجلسه عامراً بحضور شخصيات مدينتي السلط وعمّان، والمعلمين الذين كانوا يعملون في مدرسة السلط الثانوية، أمثال : علي روحي ، حسن روحي ، سعيد البحرة ، محمد علي الحوماني ، محمد اديب العامري ، حسن برقاوي ، وغيرهم.  وكان من المؤيدين لتثبيت ركائز السلطة التشريعية، ويعد من المعارضين الوطنيين الحقيقيين في أثناء فترة حكم الأمير عبدالله، وكان دائم النقد لأعمال الحكومة حينما كان يرى بأنها لا تراعي مصالح الشعب، وله مع بعض رؤساء الحكومات مواقف متشددة، وكان من نتائجها نفيه إلى مادبا.

وبهذه المناسبة قال الشاعر طراف حيمور :

بالعون هَلَ السّلط رجالا متينين …. انحصرت بولد حسين كل المثاني

على مادبا أبعدوه لنفسه تلين ….    النفس عزيزة ما تعطي الليـــــــــان

ووصف بأنه وطني نقي، كان محمد الحسين شديد العداوة مع المستعمرين الانجليز رافضا كل الاغراءات والمزايا والهدايا والأراضي التي عرضتها عليه بريطانيا لاسترضائه، إذ كان يدعو دائما إلى إخراج الانجليز من الأردن وفلسطين في السر والعلن واعلان الاستقلال عن الانتداب البريطاني، ومقاومته بكل الوسائل .

صفاته :

كان الباشا خيالا صيادا ويحسن العزف على الربابة، وصفه من عرفه عن قرب بأنه كان واسع الصدر، كريم النفس، شديد الغضب إذا أغضب، شديد الاعتزاز بنفسه، ذا شخصية قيادية قوية لا تلين، ولا تعرف الضعف أو الخوف، وكان واسمع العينين، ذا شاربين كثيفين، يميل إلى السمنة قليلاً.

 ومن الروايات الطريفة التي تبين مدى حظوته و شعور الناس بزعامته أن قيظاً قد داهم الناس أول شهر رمضان في ذات سنة، وقد وفد عليه بعض أفراد عشيرته يطلبون منه تأخير شهر رمضان إلى حين انتهاء الحر الشديد.

مفاصل عامة من حياته السياسية  :

  • وبعد نجاح المحتلين الفرنسيين بتواطؤ مع حلفائهم الإنجليز في إسقاط الحكومة العربية الفيصلية في دمشق التي كانت مناطق شرقي الأردن تابعة لها حاول المحتلون الإنجليز فرض سيطرتهم إداريا على الأراضي الأردنية فتصدَّت العشائر الأردنية للخديعة الإنجليزية وشكـَّـلت عدة حكومات محلية كان من بينها حكومة السلط المحلية لتتولى رعاية شؤون منطقة السلط التي كانت تضم إدارياً السلط وعمان ومادبا، ، وكان الشيخ محمد باشا الحسين اليوسف الأحمد الحمدان العواملة أحد ممثلي السلط في مجلس الشورى الذي انتخبه الأهالي لتسيير أمور الحكومة المحلية ، وانتخب أيضا في ذلك المجلس رجالات السلط ( مرتبين هجائيا ) : الخوري أيوب ، اسماعيل السالم أيوب فاخوري ،  بخيت الإبراهيم ، سعيد الصليبي ، نمر الحمود.
  • بعد تأسيس الإمارة الأردنية بزعامة الأمير المؤسِّـس عبد الله الأول بن الحسين إختار الأمير المؤسِّـس الشيخ محمد الحسين العواملة عضوا في اللجنة الأهلية لوضع قانون للمجلس النيابي التي شكلها في عام 1923.
  • شارك في تأسيس حزب الشعب الأردني الذي تأسَّـس بزعامة الشيخ عبد المهدي الشمايلة في عام 1927، وكانأحد اعضاءه 1928 ، و عضوا في الحزب الحر المعتدل عام 1930 .
  • عضو مجلس بلدية السلط أثناء رئاسة الحاج عبد الله الداوود في الفترات : ( 1923- 1925)، (1927 – 1932).
  • كان محمد الحسين العواملة من أبرز قادة المظاهرات الصاخبة ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني و التي شهدتها السلط ومختلف المدن الأردنية في 8 / 3 / 1928 م بمناسبة ذكرى تأسيس الحكومة العربية بزعامة الملك فيصل بن الحسين في دمشق التي أجهضها الاستعمار الفرنسي .
  • وكان محمد الحسين العواملة من بين أعضاء وفد عشائر السلط الذي قابل الأمير المؤسِّـس عبد الله بن الحسين بعد ان أضربت المدينة ثلاثة ايام متواصلة وضمَّ الوفد أكثر من «30» زعيما سلطيا كان منهم محمد الحسين العواملة وسعيد الصليبي الفاعوري وسرور الحاج القطيشات وفوزي النابلسي ونمر الحمود العربيات وطاهر أبوالسمن الحياصات وعبد الله الداود الجزازي وفلاح الحمد الخريسات، وتحدث الشيخ محمد الحسين العواملة نيابة عن الوفد مخاطبا سمو الأمير عبدالله: ( يا صاحب السمو فوجئنا بالمعاهدة – الأردنية البريطانية – ونحن أهالي البلاد الذين يحق لهم وحدهم تقرير مصيرهم وبما أن المعاهدة تقضي بأن تكون بلادنا مستعبدة لإنكلترا وهي بمثابة أعنة وضعت في رقابنا يقتادنا بها الإنكليز إلى حيث يشاؤون فإننا نرفضها جميعا ).
  • شارك محمد الحسين العواملة مع وفد من شيوخ السلط ورجالاتها في المؤتمر الوطني الأول الذي شارك فيه شيوخ ورجالات الأردن من مختلف المناطق في 25/7/1928 م في مقهى حمدان الشهير في عاصمة الإمارة الأردنية عمان، وصاغوا فيه ميثاقاً وطنيا ً التقت عليه كل أطياف المجتمع الأردني في تلك الحقبة، ويعكس ما كان يتمتع به أجدادنا وآباؤنا الأفذاذ من رجالات الرعيل الأول من وعي سياسي وقانوني وإداري واقتصادي، إلى جانب ما كانوا يتمتعون به من روح وطنية عالية.

وفاته

وتوفي رحمه الله في 29 شباط عام 1941 إثر نوبة قلبية.

فقال الشاعر زيدان الصويص في رثاء محمد باشا لحسين بتاريخ 1/1/1941 :

 ذوقان عزّينا عن الغبن والياس                  بفقد منهو للمشايخ دليله

 حيثه علينا عز زوداً عن الناس             مرحوم يا راعي المزايا الجليله

 العلم عم وصار بالناس وسواس            طب الرعب بَاقلوبنا من رحيله

 وين الذي ضوّه على السلط نبراس         صيته شهر بيكل حي وقبيله

 عساه بالجنة إلُه مركزٍ خاص               يرتاح باحضان الاله وخليله

 الحكم حكم الله على الخلق لا باس         نسترحم المولى وصبره وجميله

 فكرت انا بالشيخ ما شفتله قياس           كود انت ياللي باللوازم نجيله

 واحمد حقوقي ابطلعته نرفع الراس      بسعد الباري اشفات الغليله

 انتم هل الكبره من اول على ساس      ما هي اطياحه يا حماة الدخيله

 لوجيت ابرهن وصفكم فوق قرطاس    تعجز يميني والقلم والمخيله

 يا ما لفاكو الحمد من كل الجناس          تستاهلوا يا كاسبين النفيله

ورثاه الشاعر حسني زيد الكيلاني، في قصيدة له نشرت في جريدة الجزيرة نذكر منها :

ليس الجديد ُ على الثرى بجديـــد ِ       كل ٌ يسيـــــرُ لغايـــــــــة ٍ وحـدود ِ

إن الرجالَ إذا قَضَوْا ومضــــتْ بهمْ    أعمالُهم للمجد والتخــــليــــــــــد ِ

ومشى يقصُّ الدهرُ من أخبارهمْ        ما تغرسُ الآباءُ في المولـــــــــود ِ

واستشهد الآتي بمجد ٍ زاهـــــر ٍ        من كلِّ قَرْم ٍ فارس ٍ صنديـــــــــد ِ

فهناك نعرفُ للزعيم مَضـــــــــــاءَهُ    في كلِّ حقل ٍ مثمــــر ٍ مـــــــورود ِ

ونرى بعين الحق ما لا يجتـــــلي       بيراعة ٍ من كاتــب ٍ رعديـــــــــد ِ

أمُحمــد ٌ لاقيــــــــتَ ربَّــكَ بالذي     أعددتَـهُ من طارف ٍ وتليــــــــــــد ِ

فابشر ْ بعفو ِ اللهِ لا تجـــــــزعْ ولا    تحزنْ و لا تحفلْ بكــــلِّ جديـــــــد ِ

 

ورثاه الشاعر صبحي القطب بقصيدة له يقول فيها :

أيُّ نجم ٍ زاهـــــــــي السَّنـــا نَــوّار ِ   فَجَـــعَ الأرضَ نَعْــيُــــهُ والــــــدَّراري

فتهاوتْ مُدَمِّعــــــــاتُ المآقـــــــــي    مُرسلات ٍ أنفاسَهــــــــا من جِـــمار ِ

قد هوى الكوكبُ المُضيءُ وأمسى     لَيْلُهــــتا موحِشـًـا بغيــــــــر ِ مَنـــار ِ

أصحيح ٌ يُنْعـــــــــــــــى إلينا عظيم ٌ   ملأ الدهــــــــــرَ عُرْفُــــهُ المُـــتَواري

وزعيم ٌ قدْ كَســا الزَّعامــــةَ ثوبًــــا    نَسْجُــهُ كان مِـــنْ نَــدًى وفَخــــار ِ

أيُّها الرِّمسُ هَــلْ حَلُمْــتَ زمانًـــــا    أيُّ شخص ٍ تَضُمُّــــــــهُ وتُــــــواري

 

المراجع :

  • أحسن الربط في تراجم رجالات من السلط، د.هاني صبحي العمد، ص461 –463، مطبعة السفير، 2007.
  • السلط ، ملامح من الحياة اليومية والمدنية من خلال سجل البلدية لسنة 1927، دراسة وتحقيق د. هاني العمد، عمان ، 2000 ، ص 3.
  • أسماء في الذاكرة : محمد الحسين العواملة، من أنشط معارضي الإحتلال البريطاني لشرقي الأردن ، صحيفة الدستور ، 11-6-2011.