كذبة لورانس – الجزء السادس

080716_0948_1

في الجزء السادس من سلسلة كذبة لورانس ، نوضح أكاذيبه خلال فترة اقامته في قلعة الأزرق ، والرحلة المكوكية التي ادعى القيام بها لدرعا ، ومزاعمه حول تعرضه للاغتصاب من ضابط تركي: 

تقديم :

نستكمل في هذا الجزء تسلسل الأحداث التي تزامنت مع وجود لورانس في الأردن استكمالاً لما أوردناه في الأجزاء الرابع و الخامس، وكنا قد وصلنا لحادثة قطار منيفة والاشتباك مع القوات العثمانية المهولة التي كان يحملها القطار الذي كان يسافر عبره محمد جمال باشا قائد الفيلق الثامن، ثم عاد الجمع بعد تلك العملية الناجحة رغم ما خسروه من شهداء أثناء محاولة الإنسحاب بعد الاشتباك بالقوات العثمانية خلال عملية نسف القطار، وقد عادت المجموعة مع إصاباتها لقاعدتها في الأزرق ، وأقام لورانس في جانب من القلعة هناك .

قلعة الأزرق بعد تحريرها

الإقامة في قلعة الأزرق

خلال فترة إقامة لورانس في قلعة الأزرق متأثراً بإصاباته التي تعرض لها في حادثة قطار منيفة ، نرى أنه يصف بإسهاب قدوم الوفود واستقبال الشريف علي بن زيد ، ويصل في وصفه حتى للمطر الذي جادت به السماء والعواصف والأجواء والسهرات الليلية ، ونلاحظ من جدول حركات لورانس أنه قضى عشرة أيام في الأزرق قبل ذهابه إلى العقبة ويبدو من وصفه لمشاهداته الكثيرة أنه أقام المدة كلها في الأزرق ، ولكنه يدعي أنه قام خلال الأيام الأخيرة منها بمغامرة تفوق في غرابتها وحوادثها جميع مغامراته السابقة واللاحقة.

مجموعة من مقاتلي الثورة أمام قلعة الأزرق

أكذوبة زيارة لورانس لدرعا في حوران الأردنية:

يتحدث لورانس عن وصول شيخ بلدة طفس “طلال حريذين” للأزرق والانضمام للثورة العربية الكبرى ، وقد كان الشيخ معروفا وثائراً ضد الأتراك العثمانيين وقد وضعوا جائزة لمن يلقي القبض عليه لما أذاقهم من ويلات ، وقد كان رجلاً عظيما يتنقل كيفما شاء دون خشية ، وقيل أنه قتل ثلاثة وعشرين تركياً خلال سنتين ، ويقول لورانس أنه تحدث مع الشيخ طلال أثناء زيارته للأزرق وأبلغه برغبته في زيارة مناطق درعا الواقعة على الجهة الشمالية من سهل حوران الأردني، ويزعم أنه حصل على ذلك ورافقه شخصين يصفهما بأنهما حارسين له ولا يوجد معلومات تؤكد انه كان للورانس حراس أصلاً أو أنه كان بموقع أو منصب يستدعي وجود كادر حراسة له ، فهو كما أسلفنا ليس سوى مجرد مفجّر قنابل.

وبعد زيارته ومرافقة طلال الحريذين له في زيارة عدد من المناطق والقرى المجاورة لدرعا ، يزعم لورانس أن طلال الحريذين رفض مرافقته لدرعا وهو ما يبدو أنها وسيلة لتأليف القصة دون أن ينكرها أحد، ويمضي هو ومرافقه ” فارس ” في خطتهما للسير حول المحطة والبلدة ثم المضي إلى قرية نصيب بعد الغروب ، ويصف لورانس مظهره بأنه لم يكن يثير الاستغراب وأنه كان يرتدي ملابس مرافقه حليم المتواضعة ، ويعرج بسبب الكسر الموجود في قدمه يوم نسف قطار جمال (قطار منيفة) ، ويضيف لورانس أنه بينما كان يسير أتاه شاويش تركي وقام باقتياده من ذراعه قائلا له : “البيك يطلبك” ، ويمضي معه لورانس طائعاً بحجة أن المكان مزدحم ولا مجال للمقاومة بينما يكمل مرافقه ” فارس ” طريقة دون أن يعترض سبيله أحد.

لورانس يدّعي تعرضه للاغتصاب للوصول لغاية في نفسه !

بعد ذلك يصف لورانس باسهاب كيف تم اقتياده للضابط (ناحي بك) ، ويذكر كيف حاول هذا الضابط أن يرتكب معه العمل الشنيع وسنبيّن فيما يلي مدى الأكاذيب والاختلاق في هذه القصة ليس دفاعاً عن الضابط العثماني فالعسكر العثماني اشتهر أصلا بصنوف أفعاله الشنيعة وطرق التعذيب المهينة و القاسية خاصة في سجن معان سيء الذكر لكن فقط لاستحالة ذلك مكانياً وزمانياً إضافة للنظر إلى جانب الحالة الصحية التي كان يمر فيها لورانس وإصاباته من معركة قطار منيفة وهو ما يبيّن للباحث أن لورانس كان مستعداً لإظهار نفسه في أسوأ المواقف وأن يتنازل عن كبرياءه وشرفه وكرامته في موضع معيّن مقابل إقناع الناس بأكاذيبه في زاوية أخرى ، حيث يزعم لورانس أنه قاوم الضابط عند محاولة الأخير اغتصاب لورانس وأنه ركله في بطنه مما أثار حفيظة الضابط الذي أمر بمعاقبة لورانس، فأمر ثلاثة من رجاله بتلقينه الدرس المناسب من خلال الضرب بالسياط ضرباً موجعاً سالت منه دماؤه ثم أغمي عليه، ويقول أن الضابط سحب طيه من لحمه عند الأضلع، وغرس الحربة في جنبه حتى سال دمه وأن أحد رجال الضابط رفسه بنعل حذائه ذي المسامير فكسر أحد أضلاعه ، ثم وصف كيف حملوه بعد ذلك للضابط الذي رفض أن يقترب منه عندما شاهد جسده الممزق الدامي ، وكيف أخذوه ليقضي ليلته في غرفة أخرى.

ويكمل لورانس قصته المزعومة قائلاً بأنه وقبل الفجر وجد ملابس في الغرفة فارتداها وانسل من النافذة وغادر البلدة ، حيث اكتشف إلى الجنوب واديا قريباً يصلح أن تنقض منه قوات الثورة على درعا فجأة في غفلة من الأتراك ، ثم يقول أن بدويا أشفق عليه وحمله نحو نصيب ليجتمع برفيقيه ويغادر معهما إلى الأزرق.

ومع أن لورانس غلف عباراته حيال هذه الحادثة بشيء من الغموض إلا أنه يزعم للسيدة “شارلوت شو” زوجة صديقه المؤلف الروائي و المسرحي الايرلندي “جورج برنارد شو” في رسالة خاصة بعث بها إليها فيما بعد بأن البيك في درعا قضى وطره منه ، وأنه لم يجد من نفسه شجاعة على ذكر الحقيقة صريحة في كتابه.

تفنيد المؤرخ سليمان الموسى لهذه القصة

يقول الباحث والمؤرخ سليمان الموسى في كتابه ( لورانس والعرب ، وجهة نظر عربية) : ” إن الكثير ممن كتبوا تاريخ حياة لورانس أخذوا هذه القصة على أنها حقيقة لا يأتيها باطل ، وأني اشك فيها ولا اعتقد بصحتها لأسباب كثيرة ـ تتعلق بالعائق الزمني والعوائق الصحية ” ، و أهمها :

  • الفترة التي قضاها لورانس في الأزرق بين عودته من منيفة وشروعه في السفر للعقبة لم تزد عن عشرة أيام (12-22 تشرين الثاني).

    وهذا يطرح عدة تساؤلات:

    – كيف أتيح له أن يشفى من الجراح التي إصابته أثناء انفجار اللغم ؟

    – كيف أتيح له أن يشفى من الرصاصات الخمس التي جلطت أماكن متفرقة من جسمه وكان بعضها عميقاً مؤلماً ؟

    – كيف أتيح له أن يشفى من إبهام قدمه المكسورة ؟

    – كيف أتيح له أن يشاهد خلال جزء من هذه الفترة قوافل البدو والحوارنة والأرمن و الدروز الذين كانوا يصلون تباعاً للأزرق بعد أن وردتهم أنباء إقامة الشريف علي  فيها ؟

    مهما قلنا عن نشاط لورانس فإنه إنسان من لحم ودم والسفر من الأزرق لطفس والحلول في ضيافة طلال والتجول في تل عرار والشيخ سعد والمزيريب وقضاء ليلة في درعا وأخرى في نصيب، لا بد أن يستغرق ذلك خمسة أيام على أقل تقدير فهل شفي من جراحه واستعاد صحته الكاملة وشاهد كل ذلك في خمسة أيام فقط ؟

    ثم كيف استطاع بعد تلك الليلة الليلاء التي زعم أنه مرّ بها في درعا أن يعود مباشرة إلى الأزرق ومنها مباشرة إلى العقبة في رحلة لا تقل مسافتها عن 400 ميل وتستغرق خمسة أيام من السفر الجدّي ؟

    إن العذاب الذي أنزل به في درعا -كما يصفه هو- يوحي للقارئ المتبصر أن أي جسم إنساني لا يستطيع أن يسترد عافيته من آثاره ، إلا بعد أسبوعين من الزمن على أقل تقدير ، فكيف بمن يكاد يواجه الموت في الليل ثم يشرع في سفرة مرهقة عنيفة عند الصباح ؟

    يستطرد الموسى بقوله أيضا : ” إنها أشبه بالأعاجيب والأساطير وأنا لا أصدق حرفاً منها، وما هي الطريق المخفية التي اكتشفها؟ ألم تكن كل الطرق المؤدية إلى درعا معروفة لدى أنصار الثورة من أهل حوران ؟ ثم أن درعا جغرافيا مفتوحة من الجوانب الأربعة في سهل حوران وليست في موقع جبلي يصعب الوصول إليه.”

    وأخيراً وليس آخراً ، لماذا تجاهل لورانس درعا ودخوله المزعوم إليها في تقريره المنشور في النشرة العربية ولماذا سكت عن ذلك بضع سنوات إلى أن كتب كتابه (أعمدة الحكمة).

قصة مختلقة بدون شهود

استشهد الشيخ طلال الحريذين في أثناء الحرب وهو الشاهد الوحيد على مزاعم لورانس أما “فارس وحليم” فهما اسمان اخترعهما لورانس من بين الأسماء الشائعة في المنطقة.

وأكد الشريف محسن الحارثي، أن شقيقه الأكبر الشريف علي الحارثي حدثه عن تفاصيل الهجوم على القطار الذي كان يقل جمال باشا وعن إقامته ولورانس بعد ذلك في الأزرق، فلم يذكر أن لورانس افترق عنه في أثناء الأيام العشرة التي قضاها معه.

الوصول للعقبة والسفر لملاقاة اللنبي

بلغ لورانس معسكر العقبة يوم 26 تشرين الثاني ، وبعد اثني عشر يوماً ذهب في طائرة إلى معسكر الجنرال اللنبي وكان لورانس يخشى أن يغضب القائد العام لإخفاقه في تدمير جسر اليرموك، ولكن اللنبي كان قد هزم الأتراك وحقق انتصارات في مناطق السويس وبئر السبع وغزة والقدس ، فلم يعر إخفاق لورانس أي اهتمام ، وخدم حسن الحظ لورانس مرة أخرى وإلا لكان لمستقبله مع الثورة والحلفاء منحنى آخر.

منافس جديد للورانس في الميدان

ومع ذلك قام الجنرال اللنبي بانتداب الكولونيل نيوكمب رئيس البعثة العسكرية البريطانية مع العرب كمنافس للورانس في الميدان ، وقام نيوكمب بعمليات ناجحة قرب الخليل كانت أكثر نجاحاً مما حققه لورانس ، واجتذب جانباً من القوات العثمانية وظل يشاغلها إلى أن وقع في الأسر وبذلك أتيح للورانس فرصة عدم وجود منافس قوي له في الميدان.

نظرة على تحركات لورانس بعد فتح العقبة : (جدول تحركات لورانس)

من

إلى

المناطق

7 تموز

3 آب

مصر وجدّة

4 آب

5 آب

العقبة والقويرة

6 آب

16 آب

مصر

17 آب

6 أيلول

العقبة والكونتيلا

7 أيلول

22 أيلول

غزو خط السكة عند حارة العمارة

27 أيلول

9 تشرين الأول

غزو خط السكة عند بير الشيدية

10 تشرين الأول

14 تشرين الأول

مصر

15 تشرين الأول

23 تشرين الأول

العقبة

24 تشرين الأول

26تشرين الثاني

غزوة تل شهاب

27 تشرين الثاني

25 كانون الأول

العقبة وغزة والقاهرة والقدس

فشل لورانس في أخذ زمام المبادرة وافتقاده لصفات القائد

يتضح من الجدول أعلاه أن لورانس لم يقض في العقبة ، وهي مركز قيادة جيش الثورة الشمالي سوى ثلاثين يوماً متفرقة خلال فترة ستة أشهر تقريباً ، وأنه قضى خارج ميدان القتال حوالي شهرين وقد اشترك خلال هذه الأشهر الستة في ثلاث غزوات ، بخبرته الفنية في تفجير الألغام لأنه كان دائماً يسير في حملة يقودها أحد الأشراف ، وعندما وجد في غزو حارة العمارة أن الأمر خرج من بين يديه عندما حاول أن يستقل بالأمر وكاد البدو يثورون عليه فاضطر مكرهاً أن يعود إلى العقبة ويستعين بالأمير فيصل الذي أرسل معه أحد الأشراف وعدداً من رجال خاصته فاستقام أمر الغزوة بعد ذلك.

القيادات العربية تحقق الانتصارات ولورانس بعيد عن الميدان

ولو كان لورانس قائداً للثورة أو لجيشها الشمالي – كما يحاول المعجبون به أن يصوروه لقضى معظم أوقاته في مركز قيادته يشرف على تنظيم الجيش الذي كانت أعداده تتزايد بصورة مطردة، ويعمل على بعث السرايا الغازية إلى مختلف الجبهات، ويصدر الأوامر لتحريك القطع العسكرية المواجهة للأعداء وينسق الخطط ويدير شؤون التسليح، ويؤدي عشرات المهام التي يقتضي أن يؤديها من يكون في منصب القائد، وهي المهام التي لم يتولَّ أي منها ” مفجر الديناميت ” بل كانت تتم حصراً بتنسيق ما بين الأمير فيصل والشريف ناصر والشيخ عودة أبو تايه وكبار القادة العسكريين أمثال جعفر العسكري ونوري السعيد وحسن وفقي وعلي خلقي ومولود مخلص ورشيد المدفعي، وبينما كان جيش الثورة العربية يحقق انتصاراته بقواته النظامية وغير النظامية ويخوض معارك مريرة ضد العدو العثماني كان لورانس يقوم بدور متواضع لا يرتفع بأي حال لدور قائد الجيش أو حتى الموجه لقائد الجيش.

المراجع :

  1. لورنس وجهه نظر عربية ، سليمان الموسى، دار ورد للنشر و التوزيع ، الطبعة الثالثة