الشعر واللغة عند الأردنيين الغساسنة

مقدمة

تعد اللغة الأداة والوسيط الذي تنقل به الحضارات معارفها وتاريخها. إن كل الحضارات على مر التاريخ كان لها لغة وشعر وكتابات ونقوش، يمكننا أن نفهم من خلالها كيف فكّر الإنسان في تلك الحضارات وما أهم الأحداث التي مرّت. من النقوش والكتابات الأردنية النبطية عرفنا ملوك أجدادنا، ونظام حياتهم، ودينهم وعاداتهم وحتى موسيقاهم. ومما تركه لنا الأردنيون الغساسنة من أشعارعربية فصيحة ونقوش على الكنائس والقصور سنعرف أكثر عن حضاراتهم.

نقش من المرحلة النبطية المتاخرة. كتب بأبجدية نبطية ويقرأ قراءة عربية حيث أن الخط العربي مشتق بالأصل عن الخط الأردني النبطي

في فصول هذا البحث سنتطرق لعدة جوانب ثقافية لغوية ميزت اللغة عند الأردنيين الغساسنة. فمن ثنائية اللغة وصولا إلى الثورة الأدبية في القصيدة العربية الجاهلية، خلق الأردنيون الغساسنة جوا ثقافيا إبداعيا يتوجب علينا أن نتلمس آثاره مما تركوه لنا من قصائد تفيض حكمة وقوة وإبداع.

التعدد اللغوي عند الغساسنة

إن عملية تعلم أي لغة تتسم بقدر عال من الصعوبة. ويعدُّ الانفتاح على لغات العالم المحيط أمرا يصبغ جوانب الحياة الاجتماعية بصبغة تتسم بالقبول والعلمية. كان الأردنيون الغساسنة بحكم تجارتهم الواسعة والطويلة المدى والتي امتدت على طول طريق الحرير والطرق الأردنية الثانوية المتفرعة منه على احتكاك مستمر مع التجار القادمين من الشرق الأقصى ومن الغرب (الإمبراطورية البيزنطية).

لقد أفرز هذا الاحتكاك معرفة في لغات أخرى بجانب اللغة العربية. فالأردنيون الأنباط  الذين  كتبوا بالأبجدية النبطية وتحدثوا عدة لغات انخرطوا في المجتمع الغساني ناقلين معارفهم باللغة اليونانية والرومانية والآرامية والسريانية.

منمنة (صورة تخيلية) تصور الملك الغساني الحارث وهو في خيمته

لطالما اتصف المجتمع الأردني بتجانسه وتكاتف أبنائه وشغفهم بالعلم. فالأطباء الغساسنة كتبوا مصنفات كثيرة بالسريانية ولم يصلنا منها سوى كتابات تاريخية تذكرها. كُتب التاريخ الكنسية وقوائم التعميد وأسماء الرهبان والمطارنة كُتبت بالسريانية واليونانية كرسالة الملك الأردني الغساني الحارث بن جبلة والملقب بالبطريق الأمجد إلى القس يعقوب البرادعي يخبره فيها بآخر إنجازاته. وقد كانت الرسالة مترجمة عن السريانية إلى اللاتينية وترجمها الباحث تيسير خلف مؤخرا إلى العربية وجاء فيها:

رسالة البطريق الأمجد الحارث بن جبلة للقديس يعقوب البرادعي

أود أن أعلمكم يا صاحب الغبطة أن الله والقديسة مريم باركا سفري وغمراني بنعمة النجاح في ما عزمت عليه من أعمال، وعندما كنت أستعد لمغادرة العاصمة حدثني الأسقف مار بولس رئيس الدير الكبير(الأرشمندريت) بالأمر الذي سبق أن ناقشه معك، والذي كتب بخصوصه إليك. وقال لي إنه أرسل لك ثلاث رسائل بهذا الشأن، وأود أن أخبر غبطتكم أنه إذا لم تستطيعوا إرسال الرسائل والأشخاص المكلفين بتنفيذ ما أمرتم به، أو إذا منعتكم الظروف من الحضور إلينا، بإمكانكم إرسال الرجال المعنيين محملين بالرسائل، وأطلب من الله أن يساعدني على إنجاز الأمور حسب إرادته، ولهذا يجب اختيار الأشخاص المؤهلين لهذه المهمة.
وفي هذه المناسبة، أبلغ غبطتكم عن موضوع آخر، وهو أن طيب الذكر ثيودور بابا الإسكندرية تفضل وتحدث معي حول موضوع مار بولس رئيس الدير الكبير (الأرشمندريت)، فكنت في غاية السرور، و حمدت الله فقد تحدثت معه وجهاً لوجه واستفدت منه كثيراً، وبتنفيذي للأمور التي أمرتموني بها، أرجو أن أكون أهلاً لصلواته
.
وفي ختام رسالتي أقبل قدمي قداستكم راجياً أن تذكروني في صلواتكم المقدسة والساعية لرضا لله”[1]

ومن الأدلة الأخرى القوية التي تثبت ثنائية اللغة عند الأردنيين الغساسنة الوثائق الدّينية المطولة التي وقع عليها شمامسة وأساقفة الأديرة الغسانية الذين يبلغ عددهم 137 قسا وأسقف وشماس. كتبت الرسائل والوثائق بالسريانية وترجمت حديثا إلى العربية.

وتتناول هذه الوثائق موضوعات عدة كالمجامع الدينية التي عقدت للتوفيق بين المذاهب وبين المطالبة بالكتابة اللاهوتية لتدعيم فكرة الثالوث المقدس، ومراسلات أخرى تتسم بطابع ديني تبشيري.

 

آثار نتل -وكالة بترا

وفي نِتِل، بلدة أردنية جنوب عمّان تزخر بالآثار الغسانية، يخلّد الأردنيون الغساسنة اسم أهم ملوكهم على الإطلاق الحارث بن جبلة عبر الفسيفساء، الفن الأردني بامتياز. وتقرأ الفسيفساء المكتوبة بالخط اليوناني “أوه يا حارث يا ابن الحارث”

نقش كنيسة نِتِل الغسانية وقد كتب باليونانية ويُقرأ “أوه يا حارث يابن الحارث” وتظهر في النقش الفسيفساء الأردنية المبهرة

ومن النقوش الأردنية الغسانية الأخرى التي كتبت باليونانية نقش وجد في تل العميري، قرب منتزه عمّان القومي في العاصمة. وتل العميري منطقة مأهولة بالبشر منذ العصر الحجري، يذكر النقش أنه تم رصف مقام القديس سرجيوس (سركيس)، شفيع الأردنيين الغساسنة، بالفسيفساء وبأن هذا العمل مُهدى للملك الأردني الغساني المنذر بن الحارث. ويخلد النقش أيضا بناء الكنيسة التي تم التنقيب عن آثارها حديثا ليتم الكشف عن صحنها وخزان ماء وعدة مرفقات أخرى.

صورة جوية لكنيسة تل العميري الأردنية الغسانية

ترجمة النص عن اليونانية: “يا رب ، تقبل قربان المتبرع صاحب الكتابة ، عبدك موسيليوس و أبناءه
يا رب يسوع المسيح ، إله القديس سرجيوس ، احمي القائد بالغ التعظيم المنذر
يا إله القديس سرجيوس ، بارك خادمك أوزيبيوس وأبناءه!
يا إله القديس سرجيوس ، بارك ابنك يوانيس مع زوجته وأولاده!
يا إله القديس سرجيوس ، بارك خادمك عبد الله وديونيسيوس و [- – -]!
في عهد الأسقف بوليوكتوس ، المحبوب من الله ، تم رصف هذا الضريح للشهيد القديس سرجيوس بالفسيفساء بسعي من ماري ، ابن ربوس ، الكاهن الأكثر تقوى ، وجورجيوس الشماس ، وسابينوس وماريا. في شهر أبريل في وقت [..].” (ترجمة الباحث تيسير خلف)

النقش اليوناني المكتشف في كنيسة موقع تل العميري

تدلنا هذه الجوانب على أن الأردنيين الغساسنة كانوا في أغلبهم ثنائيي اللغة في الحد الأدنى. فالتأثير السرياني جاء بفعل اللغة السريانية التي كانت الكنيسة تعتمدها. أما اللغة اليونانية فهذا لأنها كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية وكانت المعاملات والوثائق تكتب فيها. لم تضعف اللغات المتعددة اللغة العربية عند الأردنيين الغساسنة وظهر منهم شعراء مجيدون أسسوا لثورة في القصيدة العربية القديمة، وسنتناول فيما يلي بتفصيل أهم الشعراء الغساسنة وجوانب فنية وتاريخية من شعرهم.

الثراء اللغوي

أدى التعدّد اللغوي الذي امتاز به الأردنيون الغساسنة إلى ثراء لغوي غير معهود. ويقصد بالثراء اللغوي أن تأخذ اللغة مفردات وألفاظ من اللغات الأخرى وأن تعطيها أيضا. وصحيح أن الأردنيين الغساسنة كتبوا باليونانية أغلب وثائقهم لكونها اللغة الرسمية للمعاملات آنذاك إلا أن الوثائق التي وصلتنا لا تخلوا من الكلمات العربية الفصيحة التي نستعملها حتى هذا اليوم والتي لم يجد الكَتَبة الغساسنة مرادفا لها باليونانية فكتبوها عربية ولكن بالرسم اليوناني.

صورة لإحدى البرديات التي اكتشفت في البترا وتؤرخ لعهد الملك الغساني أبو كرب. للاطلاع على باقي البرديات: http://papyri.info/search?SERIES=P.Petra

 وجدت في البترا، العاصمة الأردنية النبطية، مجموعة من البرديات المتفحمة استطاع العلماء إنقاذ بعضها وأُرّخت لعهد الملك الغساني أبو كرب (539 ميلادي) الحاكم الغساني على ولاية فلسطين. وتضمن البرديات مجموعة من عقود الملكية والمواريث وغيرها. وقد استخلص العلماء منها العديد من الكلمات العربية التي كتبت باليونانية مثل:

(βαιθ αλαχβαρ) بيت الأكبر: الغرفة الكبيرة
(βαιθ αλμεναμ): بيت المنام: غرفة النوم
(αλκασεβα): القصبة: قطعة أرض
(αλνασβα): النصبة: حقل العنب
(χαφφαθ): قفة: إناء لحفظ الطعام أو الشراب
(μαραβζ): مربض: حظيرة أبقار أو أغنام
(αβου χηρηβυσ): أبو كرب ملك الغساسنة

ولم يقتصر الثراء اللغوي عند الأردنيين الغساسنة على كتابة العربية باليونانية إنما استخدام خاصية تعريب الكلمات عن الآرامية والأليونية (إحدى لغات اليونان نسبة لمدينة ليون إحدى مدن الحضارة اليونانية) والفارسية واللاتينية.

فعن الآرامية أخذت كلمات مثل كلمة “أكار” بمعنى الحراث، وكلمة ” ناتور” عربت لتصبح “ناطور” وكلمة “فدان” وحدة قياس المساحة وكلمة “سراجا” التي أصبحت “سراج”وعن الأليونية كلمة “يونتيكا” التي أصبحت بندق. وعن اليونانية كلمة “كانديلا” التي عربت وأصبحت قنديل وكلمة “فرنس” التي أصبحت فرن. ومن الصّعب حصر عدد الكلمات التي أعطتها العربية للغات الأخرى ولكنها في بعض اللغات تتجاوز الآلاف كالإسبانية والآرامية.

إن خطوط التجارة الممتدة والشغف بالعلم أثرى بلا شك حياة المجتمع الأردني تحت ظل حكم الغساسنة وهذا ملمح من ملامح الرقي الحضاري الذي يمكن أن نتتبعه في مدة حكمهم.

الملوك الشعراء

كان الأردنيون الغساسنة قوم بلاغة وفصاحة وقد نقلوا لنا في شعرهم الحكمة. ومن الواضح أن السلالة الأردنية الغسانية الحاكمة كانوا شعراء أبا عن جد. وبهذا الصدد، نستشهد بأشهر ما قيل في الوصية، وصية الملك الأردني الغساني الحارث الأكبر لابنه عمرو بن الحارث على بحر البسيط:

يا عمرُو أصلِحْ لكَ النَّاسَ الَّذينَ لهُمْ … فِيهَا السَّوارِحُ …
احلل بوادي بِهَا عن قُربِ حاضِرِهَا … بحيثُ موجوءها شِيحٌ وقيصُومُ[3]

صورة تخيلية للملك الحارث بجانب الامبراطور البيزنطي

وفي هذا الشعر نجد الحكمة والقوة والإحسان والعدل، قيم لا زال المجتمع الأردني يحتفي بها. وبها يوصي الملك الأردني الحارث الأكبر ابنه عمرو بن الحارث بالعدل والإصلاح.

ويتابع الملك الغساني عمرو بن الحارث الذي اشتهر بفراسته وقدرته على التنبؤ بنظم وصيته لابنه الملك الحارث الملقب بالأعرج أو الخطّار فيقول على بحر البسيط:

يا حارِ  إنِّي أرى دُنيايَ صائِرةً … منِّي إليكَ وقد قامَتْ على ساقِ[4]

غداً ستجتازُها دُونِيْ وتَملِكُهَا … إنْ يأذنِ اللهُ لي فيها بتفراقِ

ما يقتِنيْ المُلكَ إلاَّ من تبوَّأهُ … عندَ النَّوائِبِ مِنْ ماضٍ ومن باقِ

والنَّاسُ سرحُ رِباعٍ والمُلوكُ لهُمْ … ما بينَ راعٍ وحفَّاظٍ وسوَّاقِ

ولا يحُوطُ ولا يرعَى الأنامَ سوى … من في ذُرَى المجدِ عالٍ في العُلى راقِ

ماضِي العزيمةِ ذي حَزْمٍ وذي فِطنٍ … مُوفٍ لدى العقدِ من عهدٍ وميثاقِ

تفِيضُ كالبحرِ ذي الأمواجِ راحتُهُ … بنائِلٍ مُستهِلِّ السَّيبِ دفَّاقِ

فإنْ ألمَّتْ عوانٌ للحُرُوبِ وقى … مِنها الَّذي لا يقيهِ دافِعٌ واقِ

بذابلٍ من قنا الخطِّيِّ يقدمُهُ … وصارمٍ كشُعاعِ الشَّمس برَّاقِ

هيَ الوصِيَّةُ فاحفظهَا كما حُفِظَتْ … لِلمُلكِ عن كُلِّ فَتَّاقٍ ورتَّاقِ

وفي هذه الوصية تظهر لنا فلسفة الحكم عند الأردنيين الغساسنة، فالملك هو ” راعٍ وحفَّاظٍ وسوَّاقِ” يتولى رعاية شعبه ويكفل لهم أمنهم وأمانهم. ويتابع وصفه للملك فيقول أنه قوي العزيمة وحازم وفطن ويوفي بوعوده ومواثيقه ” ماضِي العزيمةِ ذي حَزْمٍ وذي فِطنٍ … مُوفٍ لدى العقدِ من عهدٍ وميثاقِ”

يستكمل الملك الحارث الأعرج نظمه للوصية الشعرية فيقول قصيدة يشابه مطلعها مطلع وصية جده الحارث الأكبر يوصي فيها ابنه بالصدق وبأن يكون ملكا عادلا يرعى الضعفاء والمساكين ومن لا راعي لهم:

لا تكذبنَّ فخيرُ القولِ أصدقُهُ … والمرءُ يكذِبُ في سرِّ وإعلانِ

ما مِثلُ مُلكِكَ مُلكٌ حازَهُ ملِكٌ … من نسلِ حميرَ أو من نسلِ كهلانِ

إلاَّ التَّبابِعةُ الغُرُّ الَّذين لهُمْ … كانتْ تدِينُ مُلوكُ الإنسِ والجَانِ

أبناءُ قيصرَ قدْ كانتْ تدينُ لهُمْ … وكانَ دانٍ لهُم كِسرى بنُ ساسانِ

إنَّ المُلوكَ رُعاةُ النَّاسِ حينَ لهُمْ … ما كانَ في الأرضِ من عِزٍّ وسُلطانِ

كُنْ خيرَ راع إذا استرعاكَ ربُّهمُ … إياهُمُ ولنا كُنْ خَيرَ ما ثانِ[5]

ويذكر الأصمعي في كتابه “تاريخ العرب قبل الإسلام” قصائد أخرى لملوك أردنيين غساسنة وكلها تصب في الوصية والأخلاق الحسنة فيقول الملك الغساني عمرو بن الحارث (المحرق) لابنه أيهم يوصيه فيها بالعدل والإحسان:

فإذا ملكت وصرت صاحب أمرها … بعدي فحطها بالتي هي أقوم
أحسن إلى من كان فيها محسنا … واعدل فمهما تستطع فتقدم
من نائل وسماحة تعلو بها … لبني أبيك سناؤها المتعظم
والجار والمولى فلا تخذلهما … فكلاهما لك صاحب لا يسلم
وعلى العشيرة كن عطوفا إنها … لبني أبيك صناعة لا تهزم
هاتا وصاتي إنني أوصيكها … فاعمل بها دون الورى يا أيهم[6]

ونرى في هذه الأبيات البلاغة والفصاحة التي كان اكتسبتها القصيدة العربية عند شعراء الأردنيين الغساسنة الملوك. وقد أوصى الأردنيون الغساسنة أبناءهم بالعدل والإصلاح والحزم والقوة وهذا ما مكن ملوك الغساسنة الأردنيين من الحكم لمدة تزيد على الأربعة قرون حكما يمتاز بالرقي والحضارة.

الشعراء الغساسنة

من الأردنيين الغساسنة شعراء آخرون، نستعرض في هذا الفصل أهم الشعراء الغساسنة الذين  تخلدت قصائدهم في كتب التاريخ.

الشيظم بن الحارث الغساني وهو من السلالة الغسانية الحاكمة، تذكر المصادر قصته بأنه قتل رجلا ورحل إلى العراق وهناك احتمى بخربة أو كهف وأنشد أثناء رحيله شعرا كثيرا وصلنا منه قصيدته التي مطلعها

لحى الله صعلوكا إذا نال مذقة      توسد إحدى ساعديه فهوما

وساقته الأقدار عبر التجارة إلى أن يعود لموطنه متخفيا ورأى الملك المنذر بن الحارث فأنشد فيه شعرا وشرح له قصته فافتداه الملك. (الهزاع: 1994)

عدي بن الرعلاء الغساني، وهو من الشعراء الذين نسبوا لأمهم وفقا لتقاليد النسب في المجتمع الغساني. صاحب بيت شعري من أشهر البيوت الشعرية الجاهلية:

“ليس من مات فاستراح بميت …. إنما الميت ميت الأحياء

إنما الميت من يعيش ذليلا… كاسفا باله قليل الرجاء”

أنشد عدي بن الرعلاء الغساني شعرا في موقعة عين أباغ التي وقعت بين الغساسنة والمناذرة ويفتخر فيها بقوة وبأس الأردنيين الغساسنة. يقول في مطلع القصيدة:

“كم تركنا بالعين عين أباغ … من ملوك وسوقة القاء”

وتذكر المصادر التاريخية التي أرخت طبقات الشعراء قبل الإسلام عدة شعراء غساسنة آخرين بعضهم كان متأخرا (في القرن السابع وما بعده) كالمثلم الغساني وآخرون لم تصلنا سوى أسماؤهم وأبيات قليلة من قصائدهم كالفظ بن مالك الغساني وأوفى بن يعفر الغساني الملقب بابن عنق الحية وجذع بن سنان الغساني وحبة بن الأسود الغساني.

رعاية البلاط  الأردني الغساني للشعراء

احتفى البلاط الأردني الغساني بالشعراء من جميع أقطار الأردن وما حولها وعلى امتداد نفوذهم الواسع. إننا نجد ذكر أمجاد الأردنيين الغساسنة في قصائد شعراء من المدينة المنورة ونجران وكندة وغيرها من المدن والحواضر التي نالها نصيب من الحضارة الأردنية الغسانية على مدار أربعة قرون من الحكم.

صورة لمنزل أثري قديم يعتقد بأنه يعود لحاتم الطائي

ونذكر من أكثر الشعراء اتصالا ببلاط الأردنيين الغساسنة الشاعر حاتم الطائي الذي يُضرب فيه المثل في الكرم والجود. كان الشاعر حاتم الطائي  أحد أمراء  قبيلة طيء وهي قبيلة عربية لم تكن على علاقة جيدة مع الملوك الأردنيين الغساسنة فكانوا يحاولون الإغارة على القوافل التجارية التابعة للغساسنة وفي مرة نجحوا وقتلوا ولدا للملك الأردني النعمان بن الحارث فغضب الحارث فأغار عليهم وأخذ منهم أسرى كثر (الهزاع: 1994).

لم يكن من قبيلة طيء سوى أن تستنجد بالشاعر حسن الخلق ذي المكانة حاتم الطائي، فقصد بلاط النعمان وأنشده شعرا بديعا أعجبه وكان من عادات الأردنيين الغساسنة أن يجزلوا العطاء للشعراء المجيدين، فطلب حاتم الطائي من النعمان أن يطلق سراح قومه ففعل النعمان إكراما لهذا الشاعر.

وقد قال في مدح النعمان بعدها قصيدة مطلعها:

أَبلِغِ الحارِثَ بنِ عَمروٍ بِأَنّي     حافِظُ الوُدِّ مُرصِدٌ لِلصَوابِ

وَمُجيبٌ دُعائَهُ إِن دَعاني         عَجِلاً واحِداً وَذا أَصحابِ

أما حسّان بن ثابت فهو أكثر الشعراء الذين ذكروا الأردنيين الغساسنة في أشعارهم. نكاد لا نجد قصيدة للشاعر حسان بن ثابت إلا ويتغنى فيها بحضارة ورقي وانتصارات الأردنيين الغساسنة. وفي الواقع، يعد شعره أهم وثيقة اجتماعية تاريخية تطلعنا على تفاصيل الحياة الأردنية الغسانية. فمن شعره عرفنا كيف يلبسون وكيف هي احتفالاتهم الدينية ومجالس الطرب وانتصارات الحرب (شهيد: 2009) اعتمد الباحثون أحيانا اعتمادا شبه كامل على شعر حسان بن ثابت لصياغة صورة تاريخية أكثر وضوحا عن الحضارة الأردنية الغسانية. ومن أشهر ما قال في الغساسنة قصيدة مطلعها:

لله در عصابة نادمتهم           يوما بجلق[7] في الزمان الأول

وتذكر المصادر التاريخية عدة لقاءات بين الشاعر حسان بن ثابت وبين ملوك الغساسنة جبلة بن الحارث والحارث بن أبي شمر والنعمان وغيرهم وكانت تدور في هذه اللقاءات مساجلات شعرية يرعاها البلاط الغساني الأردني.

أما الشاعر الأخير المهم والذي استقر في بلاد الأردنيين الغساسنة بصفة قريبة لمفهوم اللجوء السياسي اليوم فهو الشاعر النابغة الذبياني من بني تميم.

صورة تخيلية للشاعر النابغة الذبياني

كان النابغة شاعرا سياسيا مجيدا، من عليّة القوم في قبيلة بني تميم. ويذكر أبو الفرج الأصفهاني أنه وجّه شعرا لملوك الغساسنة يدعوهم فيها لإطلاق سراح الأسرى من الذي أخذوا في موقعة يوم حليمة وعين أباغ. وقصّة النابغة الذبياني مع البلاط الغساني فيها تضارب واختلاف وجدل كبيرين. فقد كان الشاعر على علاقة جيدة مع مملكة المناذرة (أعداء الغساسنة) ولأسباب كثيرة اختلف مع النعمان بن المنذر ملك المناذرة وخاف أن يقتله ملك المناذرة فلجأ إلى الحارث الأصغر، الملك الأردني الغساني في ذلك الوقت، ودخل في حمايته (الهزاع: 1994)

وكعادة الأردنيين الغساسنة في حماية اللاجئ وإغاثة الملهوف، أعطوا النابغة الحماية وظلّ في بلاد الأردنيين الغساسنة آمنا حتى مات.

ويظل امتنان النابغة الذبياني للملك الأردني الغساني الحارث الأصغر (عمرو بن الحارث) خالدا في كتب التاريخ وفي ديوانه:

كليني لهم، يا أميمة ، ناصب        وليل أقاسيه، بطيء الكواكبِ

عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة          لوالده ليست بذات العقاربِ[8]

ماذا يخبرنا الشعر الغساني؟

لقد أسلفنا الحديث عن شعر حسان بن ثابت وشعر النابغة وكلاهما شاعران جاهليان احتفى بهما البلاط الأردني الغساني. وبما أن الشعر هو وثيقة اجتماعية وسجل تاريخي مهم يعكس لنا أحوال الشعوب، يمكننا أن نستشف من أشعار حسان بن ثابت والنابغة أهم سمات المجتمع الأردني الغساني وفقا للدراسات التي تناولت ديوانهما.

أولا: مناطق النفوذ والمدن والحواضر الغسانية

من الأمور التي تمكنا من معرفتها بمساعدة الشعر هي المناطق التي امتد عليها الحكم الأردني الغساني. وتذكر العديد من الأشعار هذه المناطق، فيقول حسان بن ثابت  في مطلع قصيدة ألقاها في حضرة الملك عمرو بن الحارث، يذكر فيها المدن والحواضر الأردنية الغسانية، التي تدل كثرتها على اتساع الحضارة وامتداد سيطرة المملكة:

لمن الدار أوحشت بمعان….. بين أعلى اليرموك والخمان

       تلك دار العزيز بعد أنيس ….. وجلول عظيمة الأركان
ثكلت أمهم وقد ثكلتهم……. يوم حلوا بحارث الجولان

ويقول في موضع آخر:

أسألت رسم الدار أم لم تسأل…… بين الجوابي فالبضيع فحومل
فالمرج مرج الصفرين فجاسم……….. فديار سلمى درساً لم تحلل

ثانيا: الأحوال الدينية والاجتماعية

يمكننا أيضا أن نشكل صورة جيدة عن الأحوال الدينية والأعياد والمناسبات من تلك الأشعار. فقد جاء الشعراء على وصف احتفالات عيد الفصح وأحد الشعانين (يوم السباسب والسباسب هو سعف النخيل) إضافة للأحوال الاجتماعية كالملابس والأحذية. (النعيمات: 2006)

يقول النابغة في واحدة من أجمل وأشهر القصائد التي تصف بدقة الأردنيين الغساسنة في الجانبين الديني والاجتماعي:

مخافتهم ذات الإله ودينهم… قويم فلا يرجون غير العواقبِ

رقاق النعال، طيب حجزاتهم…. يحيون بالريحان يوم السباسبِ

تحييهم بيض الولائد بينهم….وأكسية الإضريح فوق المشاجبِ

يصنون أجسادا طال نعيمها ….. بخالصة الأردان خضر المناكبِ

فهم أناس متدينون، “رقاق النعال” واصفا ملوك الأردنيين الغساسنة وهم يمشون بين العامة دلالة على العفة والزهد والتواضع. أما الإضريح والأردان فهي أنواع من الملابس الغالية.

 

شعرهم من ناحية فنية

تقوم القصيدة العربية التقليدية على ثلاثة عناصر أساسية وهي: المقدمة والتخلص والخاتمة. (النعيمات: 2006) والمقدمة هي مفتتح تقليدي لا يخرج عن موضوعات محددة كالغزل والبكاء على الأطلال[9]. أما التخلص فهو الانتقال من موضوع المقدمة إلى موضوع القصيدة الرئيس بشكل جيد لا يفقد القصيدة وحدتها.

لقد حفّز الجو الثقافي الذي رعاه ملوك الأردنيين الغساسنة الشعراء على الإبداع وعلى إخراج أشعار رقيقة  تطرب السامعين. فمن المقدمات الطللية التي بدأ حسان بن ثابت فيها إحدى قصائده في مدح ملوك الأردنيين الغساسنة:

أسألت رسم الدار أم لم تسأل ….. بين الجوابي فالبضيع فحومل

أما القصائد “الغسانية” المحتوى والتي تبدأ بمقدمة غزلية قصيدة بديعة للأعشى:

أترحل من ليلى، ولما تزود؟…. وكنت كمن قصى اللبانة من ددِ [10]

أما الخاتمة فهي بحسب النقاد “ما يبقى في الأسماع” ولهذا يضرب المثل في خاتمة قصيدة النابغة الذبياني الشهيرة في مدح آل غسان:

حبوتٌ بها غسان إذا كنت لاحقا… بقومي وإذا أعيت علي مذاهبي

وبحسب الدراسات التي أجريت على شعر الغساسنة وشعر من سكنوا ديار الأردنيين الغساسنة، فإن اللغة الشعرية خاصتهم تميل للسهولة والرقة إلا في الأشعار التي تتناول الحروب والرواحل (وصف القوافل والإبل). ولأن البيئة الغسانية كانت بيئة حضرية أقرب للمدنية منها للبدوية، فكان لا بد للألفاظ أن تكون أكثر رقة وسهولة.  وفي الشعر الغساني صور فنية بديعة وكثيرة، ومن أشعارهم ما يزال يستخدم كشواهد نحوية وبلاغية إلى الآن. ويفيض الشعر الغساني بالحكمة، فقول ابن الرعلاء الغساني :”ليس من مات فاستراح بميت …. إنما الميت ميت الأحياء” ما زال حاضرا في الشعر العربي اليوم.

ومن ناحية أدبية فنية، تتعدد الأغراض الشعرية التي كتب بها الأردنيون الغساسنة فقد كتبوا كثيرا في الفخر والمدح والرثاء والحكمة.

دور الشعر الغساني في حركة الشعر العربي القديم

 لا يمكن أن نغفل مقدار القصائد التي رفدت بها المملكة الغسانية نهر الشعر العربي القديم.  فقد وفر ملوك الغساسنة كل أجواء الإبداع والراحة لشعرائهم وأجزلوا لهم العطاء. ولم تقتصر الإضافة التي قدمها شعراء الأردنيين الغساسنة على (الكم) إنما (النوع) فتمتاز قصائدهم بأنها ذات قيمة فنية عالية، وبأنها متعددة الأغراض الشعرية ومتجددة الصور الفنية والجمالية إضافة للقيمة التاريخية لهذه القصائد.

عندما يرغب الدارس بدراسة الأدب الجاهلي القديم سواء دراسة تاريخية أو شعرية أسلوبية فلا بد له/ لها أن يتبحر في الشعر الذي أفرزته المملكة الأردنية الغسانية على مدار أربعة قرون من الحضارة والإبداع.

خاتمة

تناولنا في هذا البحث من سلسلة الأردنيين الغساسنة عدة جوانب ميّزت الواجهة الحضارية الأكثر غنى عند الأردنيين الغساسنة.  فكما يقال، إن أراد شعب أن يقول من هو فإنه يخرج للعالم شعراءه وفنانيه. وقدمت لنا الحضارة الأردنية الغسانية شعراء مجيدين ومتميزين لا زال تاريخ الأدب العربي يحتفي بشعرهم حتى يومنا هذا.

المراجع

  • النعيمات. ريهام. (2006) صورة الغساسنة والمناذرة في الشعر الجاهلي، رسالة ماجستير منشورة، جامعة آل البيت
  • E (1996) Bazantinum and Arab in the sixth century, Vol2, Part 2 Dumbarton Oaks, Harvard University.
  • اليسوعي، لويس.( 2011) الآداب النصرانية قبل الإسلام،(ط2) دار المشرق: بيروت
  • الهزاع، قطنة. (1994) الشعر في بلاط الغساسنة، رسالة ماجستير منشورة، جامعة اليرموك.
  • المرزباني، معجم الشعراء، تحقيق د.فاروق سليم.، ط1 (2005)، دار الصادر، بيروت: لينان
  • ديوان النابغة الذبياني، شرح وتحقيق د. حنا نصر الحتي،ط1 (1991) دار الكتاب العربي، بيروت: لبنان
  • خلف، تيسير. ( 2008) كنيسة العرب المنسية، ط1، دار التكوين. دمشق: سورية
  • العيسي، سالم (2007) تاريخ الغساسنة، ط1، دار النمير. دمشق: سورية
  • الراوي، عثمان (2017) بلاد العرب السعيدة وما تبقى من شعرها غير المجموع في الجاهلية والإسلام، ط1، دار غيداء. عمان: الأردن

[1] المصدر:كنيسة العرب المنسية للباحث تيسير خلف. ص215

[2] حقوق الترجمة محفوظة للباحث تيسير خلف.

[3] المصدر: كتاب وصايا الملوك وأبناء الملوك من أبناء قحطان بن هود لدعبل الخزاعي، ج1، ص33

[4] المصدر السابق. حارِ: صيغة ترخيم لاسم ابنه الحارث

[5] المصدر: الشعر في بلاط الغساسنة، الهزاع (1994) ص 153

[6] المصدر السابق. ص154

[7] إحدى المدن الغسانية في سهول حوران الأردنية

[8] النابغة الذبياني، الديوان، تحقيق محمد أبو الفضل ص 40

[9] البكاء على الأطلال أو “الطللية”  هي افتتاح القصيدة بالتحسر على الديار وعلى أحوال الماضي وفيها استذكار للمشاعر القديمة والذكريات.

[10] اللبانة: الحاجة. الدد يعني اللهو واللعب