الكرك حينما تكتب في سفر الوطن!

د. زيد النوايسه

مائة عام وخمس سنوات، هي عمر ‘الهية’ الثورة، الساكنة في الوجدان الأردني كما الوشم على وجوه جداتنا، هي بواكير الوطن الذي بناه الاباء والأجداد، بالدم والدمع والصبر، ففي ذلك المساء التشريني، الأحد 21/11/1910، خرجت الكرك وكل حواضرها عن بكرة أبيها، معلنة الثورة على الحاكم العثماني المستبد ‘جمال باشا السفاح’ وقائد حملته العسكرية ‘سامي باشا الفاروقي’، فكانت هبة الكرك أو ‘الهية’ كما يسميها الكركيون.

تلك الهية ‘الثورة’، والتي جاءت بعد خمس سنوات تقريبا على ثورة الشوبك ‘الثورة المنسيه’ آذ شكلت بواكير الرفض والتمرد الشعبي على المنطق الاستعلائي للحاكم العثماني، فانتفض أهل الشوبك لكرامتهم، ورفضوا قرار قائد الحامية العثمانية، بإلزام نساء تلك القرية بإحضار الماء يوميا، فكانت أحداث عاصفة، انتهت بقبول الأتراك بشروط أهل الشوبك، وكان من قادت تلك الثورة، الشيخ مصلح الهباهبة والشيخ مطلق البدور والشيخ احمد الغنميين.

لقد جسد الشعر الشعبي تلك المرحلة ، التي ساد فيها الظلم والعسف والبطش العثماني، وإجبار الناس على السخرة، وها هو شاعر الكرك الشيخ ‘عبد الله العكشة’ يصف الحال فيقول :

الله من قلب أضرمت بيه نيران جوّى ضلوعي زايد إلها الهابا

ع ديرة ما هي ملك ابن عثمان ظلت عزيزة بالشرف والمهابا

ترى السخرة خلت الناس نسوان أو غدت على بعض المخاليق نابا

عسكر كركنا شارب الشف فسقان حنا فريسة أو هم صاروا ذيابا

يا شيوخنا صفت عذارى بديوان والكل منهم ساعياً بالخرابا

حنّا الغنم وأنتم على الكل رعيان حسبي عليكو الله صرنا نهابا

شيخاً بلا عزوة ترى ماله الشأن أو عزوة بلا شيخاً بليّا مهابا

عندما نستعرض تاريخ تلك المرحلة ، نجد أن أهم الأحداث التي سبقت حدوث ‘الهية’ هو تمكن قائد الحملة على حوران والكرك، ‘سامي باشا الفاروقي’ من إخماد ثورة حوران قبل شهرين من اندلاع الأحداث في الكرك، فقرر الفاروقي الطلب من متصرف الكرك ‘طاهر بيك’ بوحي من إحساسه بالزهو والانتصار، معتقداً انه يستطيع كسر شوكة الكرك وأهلها، بفرض إحصاء النفوس والتجنيد الإجباري وجمع السلاح وتسجيل الأراضي والأملاك، ولكن حساباته خالفها الواقع المتمرد، فرفض الأهالي وزعماء المنطقة الأمر، وتداعوا لاجتماع في بلدة المزار لشيوخ وزعماء عشائر المنطقة، المجالي، والطراونة، والنوايسة، والقطاونة، والصرايرة، والضمور، والبطوش، والمواجده، والخرشة، والنعيمات، وكان القرار بالخروج على السلطه التركية، ورفض قراراتها بمعزل عن الثمن وفداحة الخسارة المتوقعة، فالكرامة والعزة ليست موضع نقاش ومساومة ، وفي هذه الأثناء قام شباب من أبناء بلدة ‘المزار’ باعتراض الضابط التركي اليوزباشي ‘سعيد أفندي’ ومعه خمسة جنود، قتلوهم جميعا، وكانت الشرارة بالإيذان ببدء أحداث ‘الهية’ والتي سرعان ما امتدت إلى الحامية العسكرية التركية في بلدة ‘العراق’ غربي المزار الذين سارعوا وهاجموها وقتلوا من فيها.

كان الرد العثماني قاسيا وهمجيا على قرية ‘العراق’ إذ سقط ما يقارب المائة شهيد من أهلها ( تسع وتسعون رجل وأمراه) حسب الروايات وفي بعضها ثلاثة وثمانون، تلك القرية المنسية للآن قدمت للوطن ما لم يقدمها كثيرون غيرها ممن توارثوا المواقع والمناصب في حالة مقيتة، منذ أن تأسست الدولة وحتى الآن، ولم ينال أي من هؤلاء الشهداء الكبار الذين علمونا أسمى معاني التضحية والبطولة، ابسط تكريم ولو بتسمية شارع بأسمائهم في قرية نائية أقصى الأردن؟!!.

في صباح اليوم التالي الاثنين 22/11/1910، وعلى وقع أهزوجة الثورة الشهيرة ‘يا سامي باشا ما نطيع ولا نعد رجالنا لعيون مشخص والبنات ذبح العساكر كارنا’، توافد الكركيون من كل فج عميق في الكرك من ريفها وقراها وباديتها، ومن كل عشائرها وعائلاتها، بل أن المشاركة امتدت لتشمل العشائر الأردنية من العقبة جنوبا كالحويطات إلى عشائر بني حميدة والكعابنة والسلايطة شمالاً، ومن سكة الحديد شرقاً إلى غور الصافي غرباً، ، ليهاجموا مقر الحكومة والسرايا والقلعة، وتستمر الأحداث ما يقارب العشرة أيام، ولكن وصول الامتدادات العسكرية إلى منطقة القطرانة، وشدة العسف والبطش العثماني، وحصار الكرك، الذي مارسه الجيش التركي، ساهم في إخماد هذه الثورة المجيدة التي جاءت في بواكير مرحلة النهضة العربية لتؤسس وتمهد موضوعيا للثورة العربية الكبرى فيما بعد بقيادة الشريف الحسين بن علي.

بعد أن استتب الأمر، قدرت خسائر الأتراك بـــ 150 قتيلا، والخسائر المادية بما يقارب 290 ألف قرش، أما خسائر الكرك فاستشهد 130 مواطن، وحوكم 1047 شخص ، ثبتت التهم على 110 أشخاص، وحكم غيابا على ،560 ومنهم قائد الثورة الشيخ قدر المجالي الذي ظل مختفيا لسنوات، إلى أن تم اغتياله مسموما في دمشق، وها هو شاعر الثورة الشيخ غنام البطوش يرثي الشيخ ‘قدر’ قائلاً:

أمسى الضحى شدّيت كور النجيبة      أدوّر على عمي طول مغيبه

لهو مع الحجاج فوق النجيبة          ولا تكسر مركبه في البحر عام

وقد صدرت أحكام بالإعدام على 22 شيخا من شيوخ الكرك، اعدم 5 منهم في ساحة الاتحاد بدمشق وهم الشيخ علي سليمان اللوانسه والشيخ درويش بن خليل الجعافرة والشيخ ساهر بن محمد المعايطة والشيخ منصور بن إبراهيم الذنيبات والشيخ خليل بن هلال الذنيبات واعدم البقية في قلعة الكرك، بالتزامن مع إعدام أحرار العرب بساحة المرجة بدمشق، وساحة الشهداء في بيروت، والشهداء الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام أمام المسجد الأموي في الكرك، اعدموا بأبشع طريقة إعدام عرفتها البشرية حيث تم ربطهم بحجر كبير والقي بهم من أعلى قلعة الكرك لتتدحرج أجسادهم إلى الوادي، وهؤلاء هم:-

الشيخ محمد البحري البصراوي والشيخ ذياب بن حمود الجلامدة والشيخ عاتق بن طه الطراونه والشيخ فجيج بن طاعة الطراونه والشيخ منصور بن طريف والشيخ سليمان البطوش والشيخ عبد الغني البطوش والشيخ صحن بن فارس المجالي والشيخ عبد القادر المجالي والشيخ درويش المجالي والشيخ محمود بن طه الضمور والشيخ محمد بن علي الطراونه والشيخ حسين بن اعوض الطراونه والشيخ محمود بن إسماعيل القطاونه والشيخ معمرالمعايطة والشيخ سالم الصرايرة والشيخ حسين بن عليان العواسا النعيمات.

اليوم، وبعد مائة عام ونيف، نستذكر هؤلاء الأجداد العظام الذين كتبوا بالدم في سفر الوطن، أروع صفحات البطولة والكرامة والكبرياء الوطني، وننحني أمام هاماتهم الكبيرة التي طاولت ذرى المجد والعزة والفخار، وأسست مبكراً للدولة التي ننتمي إليها الآن، ونقف أمام ذكراهم خجلين معتذرين، لان عصبياتنا وانتماءاتنا الصغيرة، وانتهازية البعض منا، ساهمت في إغفال ونسيان تلك الصفحات المضيئة من تاريخنا، في المقاومة، والرفض، والتضحية والبطولة، فأي بطولة وتضحية وفداء أمام تضحية عشائر قرية ‘العراق’، تلك القرية البائسة والفقيرة والمهملة الآن، فما بالكم قبل مائة وثلاثة أعوام؟!!، لتقدم ما يقارب المائة من أهلها فداءً للوطن والحرية ورفض الظلم؟!! وأي مشهد أنساني أعظم وأنبل أكثر من إصرار الشيخ محمود بن إسماعيل القطاونة ‘ أبو شما’ ، وهو يطلب من الحاكم العسكري في ساحة المسجد الأموي، أن يعدمه قبل خاله الشيخ محمد بن علي الطراونة ‘أبو فياض’، لأنه لا يقبل أن يعدم خاله أمامه، في صورة تعزز الوفاء والاحترام حتى أخر لحظة في الحياة في أبهى صورة.

نستذكر تلك الثورة اليوم وشهدائها وقادتها الكبار الكبار، بصمت وكبرياء، لنقول لكل العابثين والعابرين، والطامحين الطامعين، ‘مهلاً’، فهذا الوطن لم يولد في غفلة من الزمان، ولا كان مجرد التماعة برق في عقل مغامر، ولا هو محطة عابرة في التاريخ، بل هو نتاج الدم حينما ينتصر على السيف، والإرادة حينما تقرر أن تكون ويكون الوطن، فالسلام على أرواح البناة الأوائل الذين سطروا بدمهم ملحمة ستظل الأجيال تذكرها بفخر واعتزاز وكبرياء، وسيظل الرهان والآمل معقود على كل المؤمنين بهذا الوطن بإعادة اعتبار للهية ‘الثورة’ وصناعها و ‘تأريخها’ لتظل راسخة في ضمير الأجيال.