طقوس بيع الخيل عند الأردنيين

طقوس مقدسة

4

صورة من كتاب قصة الخيول الأردنية العربية

تقدم طقوس بيع وشراء الخيول لدى الأردنيين حالة من الترف المعرفي والحضاري والإنساني الذي تناقلته الأجيال حتى وصل إلى حالة من الاكتمال في أدق التفاصيل، فيهتم السياق الناظم لهذا التبادل بوصف وقوننة وحفظ حقوق الأطراف بشكل سردي يحرص على أنسنة كل الأطراف بما فيها الفرس التي ستباع .

وللبيع تقاليد جمالية حرص الأردنيون على الالتزام بها حيث يشترط في بيع الفرس الأصيلة المعروضة للبيع أن يكون مع بائعها حجة تثبت نسبها، أو أن يكون هناك ثلاثة شهود عدول يشهدون أن هذه الفرس من السلالة الفلانية، وأنهم يعرفونها أولادا أتلادا من خيل العشيرة الفلانية .

ويبدأ البيع على هذا الوجه :

أ. يحضر الشاري وملء يده اليمنى قمحًا ويحاول أن لا يُسْقُط من القمح شيءٌ عند قبضه على ناصية الفرس التي يريد شراءها، وبعد أن يفعل ذلك يجيء الذي يريد بيع الفرس ويقبض على الناصية بيده فوق يد الشاري بحضور جمهور كريم .

ب. عندما يقول الشاري بحضور الشهود والجمهور : ( يا فلان أو يا أبو افلان بعتني الفرس الصقلاوية الصفرا – مثلا – بمبلغ مية نيرة مثلا إوْ أولة إوْ ثانية إتشهد على ثلاث أو تطلع على مية ) فيرد عليه : ( امباركة بعت واتكلت على الله ) .

   عندها يرد الشاري قائلا : ( أنا شريت واتكلت على الله ، لكن وش تطيب نفسك عنه قضب ناصية كرامة للخيل ؟)؛ فيرد البائع قائلا : ( أفوت خمس نيرات أو عشرة ) وذلك بحسب أريحيته وقدرته على التنازل و التفاوض؛ ويندر من الناس الذي يبيع بلا قضب ناصية  .

    والشروط يجب التقيد بها حرفيا، أما إن لم يشترط وقت الإشهاد مدة الرضاع،  فيصار إلى التقاليد القديمة؛ أي إن المثاني يشهد عليها بعد عشر ليالي، كما أن مدة الرضاع ثلاثون ليلة، وبعد أن تتم الصفقة، يتسلم الشاري الفرس ويبسط يده لتأكل ما فيه من القمح رمزًا إلى البركة التي تشير إليها هذه القبضة من القمح . وكل بيع للفرس الأصيل لا يتم على هذا الوجه يعد مطعونًا في صحته .

 

رموز بيع الخيل عند الأردنيين :

  • القمح يرمز الى البركة والنماء .
  • المحافظة على القمح خوف السقوط إشارة إلى الأمانة في المحافظة على قدسية الشركة ، وأن المثاني أمانة في يده .
  • قبض الشاري على ناصية الفرس عند أصولها ، ترمز إلى أن الشاري صار صاحب الحق في هذه الفرس .
  • قبض البائع على ما برز من يد الشاري من الناصية رمز إلى أن البائع تخلى عن حقه الأساسي بتلك الفرس ، وأن علاقتها به أو علاقته به لم تعد جذرية .

وهناك بيعان لا يليقان بالخيل الأصيلة عند الأردنيين  :

  • بيع المقلَفَعْ – وهو البيع الذي يخلو من هذه الشكليات ومن الرموز ؛ إذ ليس لبائع الفرس أولى ولا ثانية ولا قضب ناصية.
  • بيع المهلوبة – وهو بيع الفرس المريضة – على علاّتها – فلا يشترط فيه حضور شهود ، ولا شروط، ولا أولة ولا ثانية .

ومن أمثالهم في الأمور التي تجري بلا عناية قولهم :

  • بيع امقلفع:  “من قلفع الشيء” ، رماه من غير أن يلتفت إلى مكان سقوطه .
  • بيعة امْهلوبة ، امْهَلوبة من (الْهَلِبْ) وهو مرض يصيب الخيل ، فيتساقط شعره وقلما تعيش منه.

فبيع  الخيل الأردنية الأصيلة له تقاليد خاصة ، فالفرس الأصيلة – والأردنيون يقولون الأصيل، ويجمعون الكلمة على أصايل- لا تباع كما يباع غيرها من الدواب، فشاري الفرس ، يتعهد بأن يقدم لبائعها من نسلها :

  • المهرة الأولى ، ويسمونه الأوَّلة .
  • المهرة الثانية ، ويسمونها الثانية .

      ويطلق على هاتين المهرتين اسم المثاني،  ومن أمثلة الأردنيين في هذا السياق قولهم في وصف من يدّعي حقًا ليس له : ( هي اكحيلة ، وِالك فيه مِثاني؟ ).

ويشترطون :

  • أن تِشَهَّد على ثلاث، إوْ تِطلع على مِيّة .والمقصود أن يحضر المهر الذي ولدته الفرس التي اشتراها بعد ثلاث ليالي من الولادة أمام الحاضرين ويشهدهم أنّها ملك صاحب الفرس الذي اشتراها منه كما في الاتفاق والعرف الأردني، ثم يرعاه حتى مئة يوم ويذهب به إلى الرجل الذي باعه الفرس كما في العرف فأول ولادتين من نسل الفرس المباعة تبقى ملك للبائع وعليه يتم الاتفاق.
  • أن تردَّ او تُفيَّض وتسلم المهرة الجديدة إلى البائع في الوقت المعين، و إذا تهاون الشاري في ذلك ضمن كل خسارة .
  • بعد ولادة المهرة بثلاث ليال، يعرض مالك الفرس تلك المهرة وأمها على مجلس الرجال في الشق، ويقول اشهدوا ترى هذي أولة افلان، أو ثانية إفلان، وهي سليمة من كل أذية .
  • وعندما يبلغ عمر المهرة مائة ليلة يحضرها مرة ثانية ويقول : ( اشهدوا ترى هذي أولة افلان أو ثانية افلان)، وبعد ذلك يوصل المهرة الى صاحبها ، فيكرم عادة بذبيحة يسمونها ذبيحة التوريد .
  • وإذا أراد شاري الفرس أن يحتفظ بالمهرة الأولى أو الثانية ويقدم أمها بدلًا منها فياضة، فله الحق بذلك، على أن يشهد مجلس الرجال في عشيرته على عزمه ذلك بعد التشهيد الأول، أي بعد مضي ثلاث عشرة ليلة على ولادة المهرة، على شرط أن تكون المهرة وأمها سالمتين من كل مرض .
  • وإذا قرر الشاري أنه اختار المهرة الأولى – الأوّلة – بدلا من أمها، فإن بائع الفرس له الحق في المهرة الأولى التي – تنتجها تلك المهرة لإتمام المثاني، وبعد هذا الإشهاد الذي يسمونه التشهيد – فإذا ماتت الفرس التي خصصت بالبائع كان ذلك لسوء حظه، وليس له الحق بأن يطالب بتعويض . وإذا ماتت التي اختارها الشاري سقط حق البائع بالمطالبة بما بقي له من المثاني، أما إذا ماتت المهرة قبل أن يشهد الشاري عليها ، فإنّ حق البائع يظل ثابتا عند الشاري .
  • ولشدة احترامهم للشركة في الخيل، التي تشبه النسب عندهم، فإن المثاني توصل إلى أصحابها، ولو كان العداء مستحكمًا بين عشيرة البائع وعشيرة الشاري، وإن اتفق أن أحد الناس استغل العداء بين قبيلته وقبيلة شريكه ولم يوصل المثاني بآمن الطرق، عٌدّ بايقا والبوق هو من الخيانات الكبرى، أما إذا لم يتمكن الشريك من ايصال المثاني بسبب العداء المانع عن ذلك، فإن المثاني تبقى أمانة ينفق عليها الذي هي عنده إلى أن يتمكن من تسليمها له، وأن يرجع على شريكه بالنفقات، وأمانته مقبولة ، إلا إذا تجاوز الحدود المعقولة .

 

المراجع

  • روكس بن زائد العزيزي ، الخيل فـي حياة الأرادنة.
  • الأميرة عالية بنت الحسين وبيتر اوبتون، قصة الخيول الأردنية العربية،المدينة للنشر،2011
  • بحث و تحقيق فريق عمل إرث الأردن – 2016