ثورات الأردنيين في حوران وجبل عجلون والكورة 1838 – 1840

تمهيد

بداية نوضح للقارئ والباحث المهتم في هذا الموضوع أننا عند الحديث عن ” ثورات الأردنيين الصغرى في حوران وجبل عجلون والكورة 1838 – 1840 ” فإن المقصود هو التسميات المعتمدة للتقسميات الإدارية في ذلك الوقت والتي قد تشمل في بعض الأحيان مناطق حالية بمسميات أخرى، وحيث تشمل هذه المسميات حالياً كافة المناطق الشمالية والغورية في الأردن بما في ذلك الرمثا واربد والحصن والكورة والطيبة والوسطية وعجلون وجرش والأغوار الشمالية وصولاً الى المناطق الشمالية والغربية من الزرقاء والمفرق، وتمتد أيضاً لتشمل مناطق حوران الأردنية تاريخياً الواقعة من درعا والسويداء والقنيطرة وغيرها من المناطق التي كانت ضمن حدود الممالك الأردنية النبطية تاريخياً  .

 

خارطة تبين حدود منطقة حوران التي كانت تاريخياً ضمن مملكة الأنباط الأردنيةخارطة تبين حدود منطقة حوران التي كانت تاريخياً ضمن مملكة الأنباط الأردنية

وكنا قد تناولنا في بحثنا السابق ثورة الكورة عام 1834، والتي تم قمعها كغيرها من الثورات المحلية التي عمّت الأردن والمناطق المجاورة في تلك الفترة، وأعدم على اثرها قائدها الشيخ رباع الثاني الشريدة في بلدة سوف، بعد استدراجه بالغدر والحيلة كما قصفت قلعة الكرك، وأعدم الشيخ البطل اسماعيل المجالي ( الشوفي )، وأحرِق أبناء الشيخ ابراهيم الضمور كعقوبة له ولأهل الكرك على حمايتهم للدخيل قاسم الأحمد، إلا أن ثورات شعوب المنطقة وسعيهم الدائم للحصول على حريتهم وحكمهم المحلي لم تهداً فاستمرت المناوشات والاشتباكات مع قوات ابراهيم باشا ( عثمانيي مصر)، المتواجدة في مناطق الأردن وسوريا وفلسطين ولبنان بعد تمرده على السلطان العثماني وحملته العسكرية المعروفة ضد الدولة العثمانية التي اوقفتها تهديدات بريطانيا وفرنسا بقصف قوات الوالي العثماني في مصر محمد علي باشا اذا لم تتوقف عن الزحف تجاه اسطنبول، وذلك دفاعاً  من تلك الدول العظمى عن الاحتلال العثماني التركي في حينه للمصالح التي كانت تجمعهم، حيث أرغمت فرنسا وبريطانيا الوالي العثماني في مصر محمد علي باشا على الجلاء عن الأناضول بعد أن وصلت قوات ابنه ابراهيم باشا الى قونية التركية وانتصرت على القوات العثمانية التركية فيها، وتقرر الاكتفاء بتنازل الباب العالي عن سوريا والأردن وفلسطين ولبنان لعثمانيي مصر، والتي اصبحت منذ حينه مناطق خاضعة لاحتلال قوات محمد علي باشا العثمانية المصرية بدلاً من قوات الاحتلال العثمانية التركية وذلك بموجب اتفاقية “كوتاهيه”، الموقعة في 4 مايو/أيار سنة 1833م ولغاية عام 1840 بعد اتفاقية لندن.

 وثيقة تؤكد إعدام اسماعيل الشوفي المجالي واغتيال الشيخ رباع الشريدة في سوف من قبل العثمانيين ومعهم شيوخ آخرين من منطقة جبل عجلونوثيقة تؤكد إعدام اسماعيل الشوفي المجالي واغتيال الشيخ رباع الشريدة في سوف من قبل عثمانيي مصر ومعهم شيوخ آخرين من منطقة جبل عجلون

أسباب حملة الوالي العثماني محمد علي باشا على المنطقة

تعود أحلام وطموحات الوالي العثماني على مصر محمد علي باشا ( أو كما يلقب بالتركية العثمانية: قوللى محمد على پاشا) في المنطقة إلى عام 1810، بعد وعود من السلطان العثماني “محمود خان الثاني” له بتوليته عليها كمكافئة على مساعدته للعثمانيين في حروبهم ضد الوهابيين في نجد، وما تلاها من مشاركة قوات الوالي العثماني في مصر محمد علي في محاولة قمع الثورة التحررية في اليونان والتي انتهت بتدخل الدول الاوروبية لمساعدة اليونانيين والضغط على العثمانيين الأتراك وعثمانيي مصر لمنح اليونانيين حريتهم واستقلالهم، وبعد ذلك شعر الوالي العثماني محمد علي بالخديعة، فما حصل عليه نظير خسائره الضخمة في اليونان من قبل أسياده العثمانيين الأتراك لم يكن أكثر من مجرد جزيرة كريت غير ذات الفائدة له ولحكمه في ذلك الوقت، مما أدى لقيامه بالتعاون مع الولاة العثمانيين الآخرين في عكا ولبنان بالانقلاب على العثمانيين الأتراك في اسطنبول واعلان سيطرتهم على دول المنطقة، وذلك يعود لعاملين أساسيين:

  1. سياسي يتمثل بجعل المنطقة حاجزاً يقي منطقة حكمه في مصر من الهجمات العثمانية التركية، ويقضي على محاولات شعوب المنطقة للاستفادة من مناخ النهضة والتحرر الذي كان في أوجه في ذلك الوقت بعد نجاح الثورة الفرنسية وعدة ثورات أخرى في العالم في تلك الفترة، كما أن بسط نفوذه على هذه البلاد سيُمكنه من تجنيد جيش عظيم من سكانها، فيزداد بذلك عدد أفراد جيشه .
  2. أما العامل الاقتصادي فيعود إلى إرادته استغلال موارد المنطقة والأردن على وجه الخصوص من الخشب والفحم الحجري والنحاس والحديد التي كانت تفتقر إليها مصر، فضلاً عن أهمية المنطقة الاقتصادية بسبب موقعها الجغرافي، وعلاقاتها التجارية بأواسط آسيا حيث تمر قوافل التجارة، إضافة لموقعها الهام على طريق الحج.

استمرار المعاناة وتكرار المأساة خلال فترة حكم محمد علي باشا

مما لا يمكن انكاره أن المنطقة شهدت تطوراً نسبياً في تلك الفترة في شتى المجالات الاقتصادية والتعليمية والإدارية، مقارنة بعصور الظلام التي عاشتها خلال الفترة العثمانية التركية السابقة، لكن في حقيقة الأمر فإن هذا لم يكن فقط بهدف إعطاء القبائل الأردنية وشعوب المنطقة حريتها وحقوقها، بل في إطار مراحل بناء الدولة وحشد المزيد من الموارد لحماية السلطة الجديدة وتوسعة نفوذها، ومحاولة ابراهيم باشا اجراء بعض الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة لاستمالة السكان الساخطين على المحتل العثماني التركي واسترضائهم، فقام بتقسيم المنطقة ادارياً أيضاً وجعل المتسلمين والمباشرين في كل منطقة مسؤولين عن النواحي الاقتصادية في كل مديرية، ولم تكن الغاية من هذا التقسيم تختلف كثيراً عن غاية العثمانيين الأتراك، فالاختلاف الذي حصل أن الضرائب في عهد الاحتلال العثماني التركي كانت تجبى عبر السكّان المحليين مع حالة من الفراغ السياسي والغياب التنموي الكامل من قبل سلطة الاحتلال العثماني مع توفر الحد الأدنى من السيادة المحلية التي أدارت شؤونها بذاتها في المدن الأردنية، بينما أصبحت في عهد عثمانيي مصر تجبى مباشرة من قبل المتسلمين والمباشرين بعد أن أعفى ” السرعسكر ” الشيوخ من القيام بذلك مع تواجد عسكري ضخم غير مؤلوف بالنسبة للأردنيين الذين اعتادوا على الحكم المحلي منذ أيام مدن الديكابوليس، وهو بالطبع ما جعل الأمور أكثر سوءا، فهؤلاء المتسلمين تفوقوا بالرشوة والتلاعب ، وتفاقم ظلم المتسلمين والحاميات العسكرية للفلاحين، من خلال مضاعفة الضرائب وإجبار الشباب والأطفال على الانضمام للجيش حتى وصل الأمر بالناس لقطع سباباتهم عمداً كوسيلة لإعفائهم من التجنيد الاجباري الذي لم يكن محصوراً، وهذا سرعان ما تسبب بسقوط القناع وتزايد حالة الغليان بعد انكشاف الحقيقة للقبائل الأردنية التي تأملت خيراً بأن يضع هذا الحكم الجديد حداً للظلم والاضطهاد والتهميش التنموي الذي عانوه من العثمانيين الأتراك وولاتهم، وهو ما أدى بالنتيجة الى شعور عام بالخيبة بعد اكتشافهم أن حكم الوالي العثماني في مصر محمد علي باشا لم يكن إلا الوجه الآخر للنهج العثماني التركي القاضي بفرض الضرائب القاسية ومصادرة المحاصيل والتجنيد الالزامي للشباب والاضطهاد والقمع مما قاد لقيام ثورات الكورة والكرك والسلط وحوران في عام 1834 والتي أخمدها ابراهيم باشا بمساعدة حليفه بشير الشهابي أمير لبنان، فأعدم قادتها وتم التنكيل بالمدن والقرى الثائرة في حينه.

والواضح البديهي هنا مما لا يتطلب المزيد من التفسير والايضاح أن انتقال الثورة من الشمال الأردني في حوران وصولا للوسط عبر عشائر البلقاء ومدنها ، والتحاق بني حميدة ، وعشائر الكرك والحويطات بالثورة يؤكد على الحالة الوطنية الأردنية الثورية الجامعة الرافضة لأشكال الاحتلال ، والمتضامنة كليا مع مكوناتها في الريف والبادية والحضر، في تأكيد آخر على تاريخية الأردن .

وبينما نقوم في هذا البحث باستعراض ثورات حوران والكورة وجبل عجلون، فسنقوم بتفصيل ثورات الكرك والسلط وقبيلة بني صخر والحويطات وباقي القبائل الأردنية في تلك الفترة في أبحاث منفصلة لاحقا ، عدا عن تلك المنشورة على موقع إرث الأردن سلفا.

 

ثورات حوران والكورة وجبل عجلون 1838-1840

ولم تتوقف المحاولات عند ذلك الحد، ففي ظل مناخ النهضة والتحرر السائد في تلك الفترة والتأثر العالمي بأفكار الثورة الفرنسية، لم يكن لدى شعوب المنطقة أي خيار سوى الاستمرار بما كانت تقوم به لعقود طويلة سبقت ذلك، من ثوراتها المحلية للتحرر من الحكم الخارجي والتخلص من الاحتلال بكل أشكاله، فلا احتلال أفضل من آخر مهما تبدلت الأعلام والأسماء، وقد تجددت الاحتجاجات والاضطرابات مرة أخرى بدءاً من عام 1838 ، نتيجة فرض ضريبة جديدة هي ضريبة ” الفردة ” على كل الذكور البالغين من العمر 14 سنة فما فوق ومقدارها (15-500 قرش)، إلإضافة للتجنيد الالزامي الذي كان يفرض على 10% من دافعي ضريبة ” الفردة ” والذي تم تطبيقه بطرق وأساليب وحشية، كما تم جمع كل أشكال السلاح من المدن والعشائر الأردنية كمحاولة لإجبارهم على دفع الضرائب والالتزام بالتجنيد الإجباري، وقد بدأت هذه الثورات في حوران الأردنية مع نهايات عام 1838 ثم اتسعت لتشمل الكورة والطيبة وجبل عجلون ووصلت حتى للبنان لتضرب مقر الأمير بشير الشهابي الذي ساعد محمد باشا في قمع ثورات عام 1834.

وقد كتب القنصل النمساوي في عكا في حينها “أنطوان كتفاكو” في حينه قائلاً : “يظهر أن ثورة حوران التي بدأت في رمضان، ليست على وشك الانتهاء، بل أنها قد اتخذت شكلاً أكثر خطورة، لأن كثير من دروز لبنان قد انضموا الى اخوانهم في اللجاة (حوران)، واستولوا على جملة قرى منها حاصبيا في محافظة النبطية أقصى الجنوب الشرقي في لبنان التي فرّ متسلمها“.

ويورد الكاتب والباحث أيمن الشريدة في كتابه “دراسات وثائقية لثورة جبل عجلون”، عدداً من الوثائق التي تمثل شكاوى شعبية من شيوخ وفلاحين من أغلب قرى منطقة جبل عجلون كالكورة وبني عبيد وما حولها والتي كانوا يرسلونها للسر عسكرابراهيم باشا كمحاولة لتجنب الاصطدام مع القوات العثمانية المصرية وجاء من ضمنها عبارة “لكم البلاد وليس لكم العباد” وعبروا فيها عن ظلم المتسلمين وبطشهم وعن سخط الناس ورغبتهم بالرحيل من أماكن استقرارهم هرباً من هذا الظلم، ولما لم تجد هذه الشكاوى تجاوباً يذكر، أخذت بوادر الشجب والمعارضة تظهر هنا وهناك وانتهت أخيرا بثورة عمّت جبل عجلون قاطبة والتي كانت تشمل ليس مدينة عجلون وحدها فحسب بل نواحي عجلون السبعة، وقد تزامنت هذه الثورة مع عدة ثورات في المناطق المجاورة، وقد استعملت بهذه الثورة أسلحة كثيرة عددا ونوعاً كما اتخذت الثورة الجبال الوعرة والغابات الكثيفة مركزاً لها.

وجرت في أثناء ذلك مصادمات كثيرة بين الجنود والثوار في العديد من المناطق الأردنية،  مما ادى لتخبط المتسلمين والقادة من عثمانيي مصر  خصوصاً مع تحركات عشائر الصقر والِغزاوية في الأغوار الشمالية،  مما دفع بالبكباشي ” محمد آغا الدلي ” إلى إرسال قواة ضخمة إلى هناك بدون تخطيط ولا تفكير وهو ما تمت محاسبته عليه لاحقاً  بأوامر من قبل ابراهيم باشا نفسه، فترك 150 جندي فقط في اربد لحماية قلعة السرايا فانتهز ثوّار الكورة والطيبة والوسطية الفرصة للهجوم على دار السرايا في اربد واغتنام محتوياتها وأسلحتها وخيولها ووثائقها، واشتبكوا مع الحامية الموجودة فيها طوال اليوم وسقط منهم 10 شهداء.

ونورد هنا الوثائق التي ارسلها وجهاء مناطق الكورة وبني عبيد وجبل عجلون لابراهيم باشا يبلغونه فيها عدم احتمال السكان لظلم المتسلّمين وتجاوزاتهم:

 

الوثيقة الأولى : اعتراض زعامات ووجهاء الكورة ونواحيها : نمر الأحمد (جديتا) ، محمد العيسى (كفرعوان) ، محمد البشارة (كفرابيل) ، أحمد الياسين (بيت ايدس) ، أحمد الصالح (الأشرفية – خان زينة سابقاً)، حسين (دير ابي سعيد)، حسن العثمان (عنبة)، عبد القادر (سموع)، ابراهيم الدخيل (جفين) ، سعيد الأحمد وأسعد الأحمد وعبد الرحمن الموسى وسلامة العبدالله (تبنة).


الوثيقة الثانية: اعتراض زعامات ووجهاء الكورة ونواحيها: موقعة من مصطفى الشريدة (حفيد رباع الشريدة الذي تم اغتياله في وقت سابق)، وصلاح عبد الرحمن، ودرغام العباس، وأحمد المصلح وبركات الأحمد.


الوثيقة الثالثة: اعتراض موقع باسم شيخ بني عبيد وفلاحي المنطقة.

فشل الحل العسكري وتكليف حكمدار حلب بإدارة الأزمة 

فشل الحكام المحليين وقواتهم في إدارة الأزمة واخماد الثورات وحصرها بسبب اتساع رقعة الاحتجاجات، لتشمل سهل حوران والرمثا  وبني عبيد والكورة بقراها الثلاث والعشرين وعجلون بنواحيها السبعة والأغوار الشمالية وناحية بني جهمة (وهي ناحية تاريخية تشمل مدينة اربد الحالية، وكفريوبا والبارحة وزبدا وكفرجايز وتقبل)، مما أدى بابراهيم باشا الى تكليف حكمدار حلب المدعو ” اسماعيل عاصم بك “، شعورأ منه بخطورة الوضع وبتأزم الموقف وخروج المنطقة عن السيطرة، وقام في رسالته المرسلة إلى الحكمدار بتكليفه بمهمتين أساسيتين: أولاً اخماد الثورات والاحتجاجات وثانياً محاسبة المتسلمين المفسدين لتهدئة الناس، ولجأ اسماعيل عاصم بك في ادارته للأزمة إلى االمهادنة بعد تأكده من فشل الحل العسكري خصوصاً بعد الاشتباك مع الثوار في وادي بيت يافا-الطيبة وسقوط قتيل من القوة الغازية و4 شهداء من الثوّار الأردنيين، فأعطى الأهالي الأمان على أرواحهم وأموالهم إن هم سلموا أسلحتهم مما اغتنموها من سرايا اربد، فاستجاب أهالي الطيبة نظرأ لسهولة اجتياح منطقتهم والطرق المؤدية لها في حال مقاومتهم، إلا أن اهالي الكورة اختاروا المقاومة ورفضوا تسليم اسلحتهم خشية تكرار الغدر الذي تعرضوا له في ثورتهم السابقة، مما دفعهم للتحصن في تبنة التي كانت مقر الاجتماعات والتحركات وبمثابة مركز لإدارة الثورة كونها محصنة بالتضاريس الجبلية الوعرة والمحاطة بالغابات والأحراج الكثيفة جداً في حينه.

وقد أرسل ثوار الكورة خطابا مكتوبا يرفضون فيه تسليم السلاح والخيل الذي اغتنموه حتى تحقيق مطالبهم المتمثلة باعفاء متسلّمي الكورة المتسلطين عليهم والذين وصفوهم بأنهم “لا يخافون الله ولا يرحمون مخاليقه”، وطالبوا بإطلاق سراح المعتقلين، معلنين اعتزامهم عدم الهدوء والسكينة في مناطقهم بالكورة وجبل عجلون حتى لو راحوا ذبحاً تحت سيف ابراهيم باشا نفسه.

حشد الحكمدار اسماعيل بك قوات ضخمة قوامها أربعة أعلام (كتائب) من الفرسان والمشاة، حيث بلغ عدد الفرسان في هذه الحملة أكثر من 900 خيلاً، وقاموا باقتحام تبنة بالقوة ونهب أموال أهلها ومواشيهم بعد أن لجأ الأهالي المقاومين إلى الغابات المحيطة بالقرية مستدرجين قوات اسماعيل بك لملاحقتهم داخل الأحراش، فلم يتمكن الفرسان من التوغل في الغابات واكتفت القوة الغازية بملاحقة الثوار من قوات المشاة، وجرت اشتباكات متفرقة بينهم سقط فيها قتلى وجرحى من القوة الغازية وارتقى أكثر من 20 شهيداً من أبناء المنطقة، وكتب اسماعيل بك أن قواته طاردت الثوار لخمس ساعات في الجبال والغابات ولكن بسبب الوعورة الشديدة للمنطقة لم يتمكنوا من إلقاء القبض عليهم لكنه عادوا بما وجدوه من مواشي قدرها : “ستمائة ثور ، وثلاثمائة ماعز وأشياء شتى”.

واستمرت الحملة بعد ذلك في طريقها إلى عجلون لإخضاع بركات الأحمد الفريحات وصلاح العبد الرحمن بالتعاون مع محمد خفتان بك آغاسي، واشتبك الثوار الأردنيون مع قوات عثمانيي مصر مستفيدين من الميزة الجغرافية التي توفرها جبال المنطقة وتضاريسها وغاباتها، ولكن سرعان ما اكتشفوا حجم حشد العدو وامكانياته، فانسحب الثوار من المنطقة ليجنبوا أهلها ما حدث في المناطق الآخرى، ودخلت القوة العسكرية الى كفرنجة وجمعوا أسلحتها واستمروا بالمسير جنوباً لملاحقة قبيلة بني صخر بعد وصول الأنباء أنها كانت تتمركز في منطقة بيادة التمر قرب عين الزرقاء والتي يتأكد من الوثائق والمراسلات العثمانية المصرية مشاركتها في الثورات والاشتباكات مع قوات عثمانيي مصر في ذلك الوقت، فهاجمت القوة العسكرية مضارب القبيلة التي كانت تستعد للرحيل وسقط في هذه الاشتباكات أكثر من 20 شهيداً من أبناء قبيلة بني صخر، ونهبت القوات الغازية أكثر من 400 رأس من الإبل وأكثر من 25 الف رأس من الغنم، وكانت هناك مخاوف لدى قادة الحملة العسكريين من الاستمرار في ضرب العشائر الأردنية لعدم إثارة المزيد من السخط ولمحاولة تهدئة الأمور، وهو ما تؤكده رسالة محمد شريف باشا حكمدار الشام إلى ابراهيم باشا بتاريخ 6 تشرين الثاني 1839 والتي يخبره بها بنهاية الثورة والسيطرة عليها، وقد سمّت الرسالة بعض القبائل الأردنية التي لم تقترب من القوات الغازية ولم تشتبك معها في حينه، ولكن الرسالة أكدت أنه اذا دعت الحاجة لضربها فالأمر منوط بأمر ابراهيم باشا نفسه نظراً لبعض المخاوف من تدخلها وانضمامها للثورة الأردنية العارمة.

الثورة  لم تنتهِ بل استمرت بأشكال أخرى

اضطر الشيخان بركات الأحمد الفريحات وصلاح العبد الرحمن اللذان تصفهما المراسلات العثمانية المصرية بـ “الشقيّان رئيسا الفساد” إلى الهرب مع مجموعة من الثوار، لحماية الأهالي وممتلكاتهم فيما تبقى من المناطق الثائرة وتجنيبها مصير ما لاقته منطقة تبنة، فقد كان النهج العسكري السائد في تلك الفترة تأديب المدن والقرى العاصية وجعلها عبرة لغيرها ، من خلال ممارسة أشد انواع التنكيل والقمع بالأهالي ونهب خيراتهم وثرواتهم ومحاصيلهم ومواشيهم، وبذلك يتم تجويعهم وافقارهم بزيادة على الضرائب المرتفعة التي كانوا بالكاد يستطيعون دفعها قبل الثورة، كما تم جمع الأسلحة المتبقية في الكورة وعجلون وبلغ عددها وفقاً للمراسلات العثمانية المصرية نحو 150 بندقية و22 زوجاً (44) من الغدارات (سلاح ناري يبلغ طوله حوالي 50 سم ما بين المسدس والبندقية)، واستمرت الأعمال ضد القوات العسكرية الغازية بعد ذلك من خلال عمليات متفرقة بدلاً من المواجهة الواحدة المباشرة التي كانت الغلبة فيها سابقاً للجيش النظامي المدجج والمجهز، حيث أشارت المراسلات إلى وجود  300 محارب في المزار الشمالي إلى جانب الشيوخ بركات وصلاح ولباد ، منهم 200 من حملة البنادق و100 من حملة النبابيت (سلاح محلي الصنع)، وجاء في الرسالة التي بعثها محمد شريف باشا حكمدار الشام طللباً للإمدادات وملاحظته لوجود ثوار من مناطق أخرى لجانب الثوار المتحصنين حول المزار الشمالي، ومنهم ثوار من “قبيلة بني حميدة القريبين من الكرك خلف الجبل” على حد وصفه، قبل أن يتبين لاحقاً في رسالة أخرى عدم التأكد النهائي من هذه المعلومات مما يرجح قيام الثوار المحليين بإشاعتها في نفوس عثمانيي مصر لإرهابهم وتخويفهم من حشد ( بني حميدة -قاهرة الأتراك ) والقبائل الأردنية وتحقيق المزيد من المكتسبات للسكان المحليين، أو أن بعض القادة العسكريين اختلقوها لتخويف قادتهم الأعلى رتباً والتأثير على الأوامر بمواصلة القتال، خصوصاً في ظل نقص الإمدادات بالمؤن والسلاح ووعورة المناطق مما تسبب بتمدد الحملة العسكرية جنوباً باتجاه الزرقاء والأزرق، وقد استغل ثوار العشائر الأردنية انشغال القوات الغازية بالسلب والنهب هناك بتنفيذ المزيد من العمليات ضد القوات الغازية مرغمينهم على التفاوض لمرات عديدة مع ممثلين عنهم، وفي الوقت ذاته لم تكتفِ القوات الغازية من ملاحقة قبيلة بني صخر بل أعادوا السطو على مواقع أخرى لهم ناهبين 12 ألف شاه و 200 بعير وحمل 200 بعير من الشعير والحنطة كانت مخزنة في قلعة الزرقاء بعد وشاية قام بها أحد جواسيس الغزاة في ذلك الوقت.

نص رسالة ابراهيم باشا الى حكمدار حلب يكلفه فيها بتزويد الجيش بالمؤن والسلاح و بانهاء الاحتجاجات في جبل عجلون ومعاقبة المتسلّمين المقصرين واصفاً اياهم بأبشع الأوصاف

نص رسالة ابراهيم باشا الى حكمدار حلب يكلفه فيها بتزويد الجيش بالمؤن والسلاح وفيها امر ضمني بالسطو والسلب  والنهب على المؤن، و بإنهاء الاحتجاجات في جبل عجلون ومعاقبة المتسلّمين المقصرين واصفاً إياهم بأقسى الأوصاف

نتائج الثورة

  • انتهت الثورة بعزل متسّلم جبل عجلون والخواجا موسى فارحي كاتب الحسابات ، وحبسه بأوامر من ابراهيم باشا، وهو المتسلّم الذي كانت العرائض الاحتجاجية التي كتبها وجهاء المناطق تشير لظلمه واضطهاده.
  • عزل متسّلم الكورة ، محمد آغا الشوربجي الذي طالب الوجهاء في رسالتهم لابراهيم باشا قبل الثورة بعزله.
  • خسرت قوات محمد علي باشا خلال سلسلة الثورات تلك أكثر من 10 آلاف مقاتل وهو عدد أكبر من العدد الذي تم جمعه من سكان المناطق في حملات التجنيد الإلزامي في ذلك الوقت.
  • أجبرت السلطة الحاكمة ممثلة بمحمد علي باشا، عبر ابنه ابراهيم باشا وقادته العسكريين على تغيير نهجها من النهج السلطوي إلى نهج المهادنة مع الأردنيين والتفاوض مع الثوار، إضافة لمحاولتها كسب ود بعض المناطق واسترضائها .
  • لجأت الإدارة إلى تسليم الحكم في المناطق الثائرة إلى الزعامات الأردنية المحلية بدلاً من المتسلمين التابعين لعثمانيي مصر من خلال اتباع أساليب ادارية جديدة تمثلت بالمجالس التمثيلية، وحققت هذه الزعامات نجاحات كبيرة في ضمان مصالح الأهالي، ومثال ذلك زعامة الشيخ يوسف الشريدة في تبنة، بعد أن كان يتم التعامل مع المناطق الواقعة تحت الاحتلال كمزارع لحصد الضرائب، ويتم بيعها للجباة مقابل منحهم نسبة من الربح بدل جمعهم لهذه الضرائب وحسب عدد سكانها.
  • انهاء نظام الالتزام والإقطاع الزراعي في المنطقة والعمل على تشجيع الزراعة، وتشجيع التعليم وفتح بعض المدارس.
  • ساهمت الثورات في إضعاف وإنهاك حكم الوالي العثماني المصري محمد علي باشا الذي انتهى في المنطقة بعد أقل من عام على نهاية هذه الثورات، حيث أن العثمانيين الأتراك ، كانوا يستعدون إبان الثورات لتلك المرحلة وفي انتظارها، حيث عادوا لاحتلال هذه الأراضي الأردنية تدريجياً من جديد بعد جلاء قوات محمد علي باشا العثمانية المصرية على اثر اتفاقية لندن التي وقعتها الدولة العثمانية التركية مع بريطانيا وروسيا والنمسا والتي دعمت جميعها الدولة العثمانية التركية ضد محاولات الوالي العثماني محمد علي إعلان الاستقلال في مصر.
  • أجبر العثمانيين الأتراك وفي المرحلة المقبلة من حكمهم واحتلالهم للمنطقة أن ينتبهوا أكثر لأهميتها وخطورة تركها بدون إدارة حقيقية، وذلك من خلال اتخاذ أساليب أكثر مراعاة لطبيعة وشخصية سكان المناطق الأردنية مقارنة مع غيرها من المناطق المحاذية التي كانت أكثر مطاوعة.
  • على المدى الطويل أدت الثورة لزيادة القدرة التنظيمية والتنسيقية بين الوجهاء وشيوخ العشائر الأردنية الرافضين لكل أشكال الحكم الخارجي واستناد هذه الزعامات على قوى عسكرية ورجال مسلحين ومدربين لحماية مصالح السكان، وهو ما ساعد خلال الفترة التالية التي تضمنت انتزاع حوالي 10 سنوات من حكم الزعامات المحلية خلال فترة ما بعد انسحاب قوات محمد علي باشا من 1840-1849 ثم برز أثر هذه الثورة على البيئة المحلية من خلال حركات التحرر الوطني من الاحتلال العثماني التي بدأت بالثورات الأردنية الصغرى ومنها هذه الثورة انتقالات للثورات الأردنية الوسطى والتي تكللت لاحقا بالنجاح في الثورة العربية الكبرى، ثم مقاومة الاستعمار البريطاني والفرنسي لاحقاً فاستضافة الأردنيين ودعمهم للثوار السوريين كالزعيم سلطان باشا الأطرش ورفاقه ضد الفرنسيين، وكذلك دعم وتسليح الثوار الفلسطينيين ضد الاحتلال الريطاني، كل هذه المواقف كان لها جذورها وما كانت لتتم بدون وجود قيادات وزعامات لها خلفية سياسية وتؤمن بالاستقلال وحرية الشعوب.

انسحاب جيش محمد علي باشا من المنطقة

بعد مؤتمر لندن واتفاق القوى العظمى على دعم العثمانيين الأتراك في الأستانة ضد الوالي العثماني في مصر محمد علي باشا في محاولاته لإعلان استقلال مصر، استسلم الأمير بشير الشهابي حليف محمد علي في لبنان، فأصدر محمد علي الأوامر لقواته بالانسحاب من المنطقة والعودة إلى حماية مركز الحكم في مصر، وكان الانسحاب على ثلاثة مراحل، كان آخرها انسحاب الفوج الأخير بقيادة ابراهيم باشا نفسه الذي وقف في الساحة العامة بدمشق مودعاً سكانها وأوصاهم بأن يلتزموا الهدوء وينتظروا الهدوء وأن لا يثوروا، وأضاف وهو يمتطي جواده ويهدد بأصبعه  “والا عدت من منتصف الطريق وحاربت العصاة”، وهكذا انسحبت قوات عثمانيي مصر بهدوء وسلام من سوريا بتاريخ 20 ديسمبر من عام 1840 عائدة إلى مصر، ولكن هذا الهدوء لم يكن حاضراً في طريق العودة التي تمر بالأردن، وبقي الأردنيين الذين لا ينسون ثأرهم رافضين لهذا الحكم الذي قتل آبائهم وأجدادهم وظلوا يقاومونه حتى أنفاسه الأخيرة، حيث يذكر الرحالة الانجليزي تراسترام أن جيوش محمد علي دمرت قرية زوبيا أثناء مرورها بالمنطقة وذلك بعد مواجهة أهالي القرية للجيش، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ عندما قرر الجيش المرور بقرب الكرك عند انسحابهم عبر غور الصافي باتجاه غزة انتهز الكركيون الفرصة للثأر من جيش ابراهيم باشا ووجهوا ابنهم جلحد الحباشنة كدليل للجيش فاستطاع أن يدمر غالبية الجيش المنسحب بذكائه ومعرفته الجيدة بأرضه وأرض أجداده إذ قام البطل جلحد الحباشنة بتسيير القوة المؤلفة من ثلاثة آلاف جندي وضابط مع الخيل والمدافع واللوازم الأخرى، في طريق أشد وعورة عن قصد ليتكفل أهل الكرك بمهمة دحرجة الحجارة من المرتفعات لتهشيم الجيش المنسحب عبر أرض لا يعرفها، ويغوص الفارين بأرض طينية، وقد وصل شاطئ البحر الميت حوالي ثلاثمئة جندي من الثلاثة آلاف جندي من جيش ابراهيم باشا.

وبذلك انتهت مرحلة وبدأت مرحلة جديدة في الأردن التي نعمت بنحو 10 سنوات من الحكم المحلي المستقل الذي أرسى ركائزه زعامات محلية كان لهم السبق في إدارة شؤون مناطقهم والحفاظ على مصالح سكانها عبر ثورات عظيمة خاضوها بمعاني الشرف والكرامة، ولتكون نهاية قوات عثمانيي مصر وحكمه على أيدي فرسان العشائر الأردنية، والمسمار الأول في نعش الاحتلال العثماني التركي.

 

المراجع :

  • عدنان فريد جراد ، الحكم المصري في سوريا (1831-1840) ص 119 – 120
  • أحمد صدقي علي شقيرات‎، تاريخ الإدارة العثمانية في شرق الأردن (1864 – 1918) ص 44 – 49
  • قسطنطين بازيلي ، سورية و فلسطين تحت الحكم العثماني كتاب تأريخي ص 258 – 259
  • أيمن الشريدة ، دراسات وثائقية لجبل عجلون والكورة من خلال المحفوظات الملكية المصرية ، الجامعة الأردنية 1995
  • فتوحات إبراهيم باشا في فلسطين ولبنان وسوريا نقلا عن تقارير أنطون كتافاكو قنصل النمسا في عكا وصيدا 1831-1841, عربها وعلق عليها الخوري بولس قرألي ، حريصا : مطبعة القديس بولس, 1937
  • ﻋﻠﻴﺎن اﻟﺠﺎﻟﻮدي، ﻗﻀﺎء ﻋﺠﻠﻮن. 1864-1918. الجامعة الأردنية 1994