الثورات الصغرى – ثورة الأردنيين عام 1670

مقدمة

بات من الواضح للمؤرخين بأن نضال الأردنيين نحو الاستقلال بحكم مركزي  قد بدأ منذ فترة طويلة خاصة بعد أن أثبت أنه الأفضل في ترجمة تطلعات وطموحات الشعب بمختلف الحقب الإسلامية، وقد امتدت سلسلة  الثورات الصغرى  في تاريخ الاردنيين النضالي لأمد طويل، واندلعت الثورات بتسارع كبير وظلت مستمرة ومتقطعة جيلاً بعد جيل، وتارة لاستعادة الاستقلال الذي ظل حلماً قريباً تحول دونه قوى خارجية. وبعد كل ثورة كان تخضع قوى الحكم الخارجي للإرادة الأردنية أو يتم كبح جماح الثورات الأردنية عبر إبادات جماعية و بسط للسيطرة و النفوذ بقوة الجيوش الجرارة التي تم توجيهها على العشائر الأردنية لمرات لا يمكن حصرها .

لكن رغم كل هذه الظروف و التحولات التاريخية القاسية ظلت النزعة الاستقلالية موجودة وبعثت العشائر الأردنية ما مفاده أن الأردن لن تحكم من خارجها واستمرت العشائر الأردنية بمقاومة السلطة الخارجية من الثورات الصغرى و الوسطى حتى كللّت طموحها الجمعي بالاستقلال عبر الثورة العربية الكبرى .

قدمنا في البحث الماضي سردا تاريخيا موجزا و اضاءة معرفية على واحدة من الثورات الأردنية الصغرى ( ثورة الأردنيين عام 1557- 1570)، في هذا البحث نستكمل مسيرة توثيقنا و استعراضنا للثورات الصغرى بالحديث عن ( ثورة الأردنيين عام 1670 ) .

 

تمهيد

لاحظ الاحتلال العثماني ومن أول عام أن طريق الحج مورد ثمين للأردنيين وقد مكنهم من انتزاع حكم محلي بالحقب الأيوبية والمملوكية ولذلك كانت أول قرارتهم نقل طريق الحج الذي كان مستقراً لآلاف السنين بمن يوفرون الخدمات عليه من تزويد ونقل شرقاً بحيث يتم التنازع على محطاته الأقل عدداً بين نفس عدد مشغلي المحطات، بالإضافة لانتزاع الجغرافية الدفاعية والكتل السكانية المعطية للأفضلية للأردنيين مقارنة مع الطريق المفتوح في الصحراء ومخافره المدججة بالسلاح والعسكر. لم يكن هذا ليمر مرور الكرام وخرجت عليه الثورة تلو الأخرى ابتداءًا من أول عام حاول فيها الاحتلال العثماني توسيع نفوذه على الأردنيين فرفضوا سلطته وتجهيله وضرائبه والعمل عنده بالسخرى إلى آخره مما حمله الاحتلال العثماني من ظلام على مدى أربع قرون.

حاول العثمانيون منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر التآمر على القوى العسكرية المحلية المتمردة ضدهم من أبناء عشائر الأردن والأعيان والوجهاء بدلاً من أن تعطيهم حكماً لا مركزياً من أبنائهم أو بالحد الأدنى تمثيلاً سياسياً في اسطنبول، وأن تستمر في الإشراف على تنظيم الحج لإضفاء الصبغة الدينية – عبر تجارة الدين – على حكمها، فقد كان الحج وسيلة اقتصادية ودينية لجمع المال والضرائب والتجارة، لذا كان لا بد للعثمانيين أن يخططوا لإخضاع قبائل المنطقة الممتدة على طريق الحج و التجارة، ولا سيما أولئك القائمين على طول طرق المواصلات الرئيسية إلى مصر، والديار المقدسة في الحجاز، إذ أن مهاجمتهم لقوافل المسافرين والتجار نظير مواقفهم السياسية التحررية والاستقلالية عن مظلة الخلافة المزعومة، كان يهز الحكم العثماني ويضعفه ويثير الأهالي والسكان ضده، لا سيما أن هذه الاعتداءات المتكررة كانت ردود فعل طبيعية على السياسة العثمانية المتبعة، وهي في غالبها تنطوي على مطالب عادلة ومشروعة، وتمثل وسيلة للاحتجاج والاعتراض على السلطة كما يحدث في الوقت الحالي من اغلاق طرق للاحتجاج على قرارات أو تصرفات أو لإيصال رسائل معينة للسلطة عندما لا يستطيع نقلها من ينوب عن المحتجين في المؤسسات المناطة بذلك، لا سيما وأن السلطة العثمانية لم تكن تؤمن بسياسة الاحتواء والحوار، بل فقط بسياسة دفع الضرائب وبيع التيمارات والمناصب كما تقدم أو التنكيل بالاستقلاليين كحل آخر.

طريق الحج، وسيلة احتجاج على ظلم السلطة وأول تطبيق عملي على ضرائب العبور الحالية

ونتيجة لما تقدم فقد اتبع العثمانيون أساليب متنوعة في التعامل مع هذه الاحتجاجات والحركات التحررية المتمردة، فكانت تحاول مهادنة العشائر واسترضاءها واستمالتها، فتعين المناصب وتهبها لشيوخ العشائر، لتسهل عملية السيطرة على العشائر والسكان عن طريق جعل شيخ العشيرة ذا نفوذ ومحاولة استغلال نفوذه، وليكون صلة وصل بينها وبين تلك القبائل واختارت أن يكون اسم هذا المنصب “شيخ عربان الشام”، كما أنها سجلت تلك العشائر وحددت أماكنها، وفرضت على بعضها الضرائب إلا أنها بالمقابل عملت على أن تدفع قدراً من المال للقبائل المتنفذة المتحالفة معها والقائمة على طريق الحج بما يعرف بالصرّة، والهدف المعلن من ذلك هو تأمين سلامة الحجاج أثناء مرور قوافل الحج من أراضي تلك القبائل في ما يعرف بضريبة المرور والعبور الممارس في المنافذ الحدودية والجمارك والمطارات حالياً، إلى جانب مساعدة القوافل في معرفة الطريق، وفي ذات الوقت كانت تنتفع هذه القبائل مادياً بتقديمها الجمال لنقل الحجاج ، فكان الموضوع عبارة عن حركة اقتصادية هائلة يرافقها التجار للتجارة والكسب، الى جانب قيامهم بفريضة الحج أحياناً، وقد يتخيل القارئ للوهلة الأولى أن العثمانيين إنما كانوا يقومون بدفع ذلك في إطار حمايتهم لرحلة الحج المقدس أو حمايتهم للإسلام، إلا أن ذلك في حقيقة الأمر كان تغليفا رائجا للتجارة بالدين وأهم مصادر دخل الدولة العثمانية، فهي تجني الضرائب من العشائر ومن الحجاج بشكل مستمر بدون إنشاء طرق ملائمة أو حتى حماية القوافل التجارية وقوافل الحجاج بشكل فعلي، وبجزء من هذه الضرائب تقوم بدفع رسوم العبور للقبائل المسيطرة على طرق التنقل الرئيسية، بينما يخصص الجزء الأكبر للدولة، عدا عن الفساد الكبير في آلية جمع تلك الضرائب عبر مختلف المناصب في الدولة العثمانية، والضحية والخاسر الأكبر هم السكان في المناطق المهمشة.

ورغم كل ما تقدّم ذكره لم تنفك القبائل عن مهاجمة القوافل وأمراء الحج العثمانيين، ويرجع ذلك في الدرجة الأولى إلى أن أمراء الحج العثمانيين كانوا  يمتنعون في كثير من الأحيان عن دفع الصرر للقبائل نظير السماح بعبورهم ومساعدتهم في الطريق وتأجيرهم الجمال ويحتفظون بها لأنفسهم، فكانت العشائر تحاول الانتقام بالسيطرة على القوافل ومصادرتها لاسترداد حقوقهم المسلوبة، إضافة لاستمرار عملية تهميشها وعدم التعامل معها إلا كمزرعة لجني الضرائب من خلال الهجمات العثمانية عليها، فاستخدمت هذا الخيار كأفضل رد على سياسة الإقصاء العثمانية، وهذا كله تتحمل مسؤوليته الدولة العثمانية نتيجة لانعدام العدالة وعدم وجودها الفيزيائي كدولة بالمفهوم الحقيقي للكلمة، انما عبر منظومة حكم بالوكالة والتمييز، فتأخذ الضرائب من جهة وتدفعها لجهات أخرى لشراء ولائها ورضاها، بينما لا يحصل دافعو الضرائب إلاّ على المعاناة والشقاء، فتصبح الغلبة للأقوى، وهذه أشبه بالغابة من كونه دولة، وعدا عن مهاجمة القبائل بمبررات عدة ولمرات متعددة فإن الأداة المفضلة للعثمانيين كانت التحريض بين القبائل بعضها ببعضها و زرع الفتن بمبرّر أو بدونه، وحينما يشعروا أن قبيلة ما قد زادت قوتها عن قدرتهم على المواجهة، يلجأ العثمانيون للمهادنة والمصالحة معها واشغالها في حرب ضد قبيلة متمردة أخرى.

ظهور ارشيد بن سلامة الفواز وفترة التحالفات

ومع بداية القرن السابع عشر، ظهر ارشيد بن سلامة بن نعيم بن سلامة الفواز، وبدأت فترة حكمه عام 1600 وكانت هذه الفترة فترة تحالفات وصراعات للسيطرة على المنطقة بين عشائر المنطقة وكان العثمانيين في الأعلى ينظرون لهذه الصراعات ويحاولون تغذيتها وتأجيجها بين العشائر، فقد كان فخر الدين المعني ذو أطماع في منطقة عجلون التي كانت تحت إمارة الغزاوية، وكان الفواز في حوران الأردنية وإمارتها لهم، وينازعهم عليها الصقور، واستقرت الأمور للفواز في النهاية حيث سيطروا على إمارة حوران ومنافع طريق الحج وصولاً لبادية الأنباط الجنوبية قرب تبوك، وقد استطاع الفواز الاحتفاظ بسيطرتهم على طريق الحج بالتعاون مع تحالف من العشائر الأردنية بحيث تم وضع حد للفتن التي انتفع منها العثمانيون، إلا أن ذلك لم يرق للسلطان  فأصدر فرمانه في أواخر 1648 إلى والي الشام بعزل “شيخ الشام ابن رشيد” (وتلفظ على وزن فعيل) ومنعه من التدخل في الحج والحيلولة دون استمراره في السلطة.[1]

حمد بن رشيد وثورة 1670

وبعد وفاة الشيخ رشيد واستلام ابنه حمد، توترت العلاقات أكثر بين تحالف العشائر الأردنية والعثمانيين، حيث قام حمد بن رشيد أمير حوران في عام 1670 بتحضير جيش وإعلان مناطق نفوذه محرّمة على العثمانيين، لكن قافلة من القوافل العثمانية لم تظن أن تهديده كان حقيقيا وجاهزا للتنفيذ خاصة مع قرب قوات الاحتلال العثمانية في دمشق، فدخلت القافلة حوران في المكان المعروف بالصافي، فهاجمها الأردنيون بقيادة الشيخ حمد بن رشيد معلنينها ثورة مسلحة على الوجود العثماني بالأردن.

ظفر الأردنيون بالنصر في ذاك الاشتباك وصادروا الكثير من السلاح والذخيرة. في هذه الأثناء كان حاكم عجلون هو موسى بن محمد المعروف في ذاك الوقت بابن تركمان. ولتخفيف خسائرهم من التماس المباشر مع فرسان العشائر الأردنية لجأ الاحتلال لحيله المعهودة حيث نقل الصراع ليصبح بين ابن تركمان حاكم عجلون وقتها وبين الشيخ حمد بن رشيد بعد أن كان بينهما سابقاً مؤاخاة ومودة وعهود، فحرّض العثمانيون موسى على محاربة حمد بن رشيد، وبعد رفض فرسان عشائر عجلون المضي معه في حرب ضد أبناء عمومتهم من الأردنيين جمع العثمانيين له قوات من دمشق ونابلس والقدس والعديد من القوات المرتزقة من جنوب شرق اوروبا، وخرج الجيش العثماني وتقابل الطرفان في مكان قريب من نهر الزرقاء.

9.indd

نهر الزرقاء – 1900 م

فوقعت بينهما حرب عظيمة ودخل الأمير موسى في المعمعة يحث عساكره على القتال وقد قتل جماعة من مقاتلي حمد بن رشيد فطعنه أحدهم برمح أرداه به فوقع قتيلا عن جواده وكان الأمير حمد بن رشيد قريباً من موقع مقتله فلما رآه قد سقط بادر إليه يظن أنه لم يمت فلما رآه قد مات علم أن العسكر العثمانيين والمرتزقة المحاربين في صفوفهم لن تقوم لهم قائمة فولوا هاربين، فأمر قواته بالكف عنهم واشتغل الصديق بأمر صديقه السابق الذي خسره بسبب الفتنة العثمانية، وعظم مصابه به وأخذ يندبه ويبكيه، وقيل عنه أنه كان يقول: “إن حزني على موسى لا يذهب مني أبداً” ولقد قتل من جماعته أخوان وهرب بنوه وبقية أخوته وكان قتله في سنة 1670.

حققت الثورة النجاح لفترة وجيزة اذا بقيت الأردن محكومة محلياً من قبل الفواز لمدة تسعة أعوام لا يستطيع العثمانيين دخولها. وضع العثمانيون الجائزة تلو الأخرى لمن يرسل لهم رأسه، ولم يظفروا به حتى ساقته المقادير إلى أجله برحلة كان يقوم بها إلى نواحي بغداد فنزل عند رجل غدر به فتوفي في سنة 1679 ليعود العثمانيين الى سابق عهدهم بتهميش ونهب الأردن حتى ثورة أخرى. [2]

المراجع: 

[1] بيات ، الدولة ، ص99

[2] : rafeq, the province p55,56

مخطوطة تحت النشر لتاريخ عشائر السردية، تأليف و إعداد المؤرخ كليب الفواز ، ص (112-160 )، 2016.