ملكية وإدارة الأرض وتجذّر قيم الإنتاجية عند الأردنيين

مقدمة

تقدم مؤسسة إرث الأردن سلسلتها البحثية الجديدة المتعلقة بالإرث الغذائي والإنتاجي الأردني تزامناً مع افتتاح مطعم إرث الأردن والذي جاء ليتوّج جهود خمس سنوات من العمل والزيارات الميدانية لمختلف المناطق الأردنية لتوثيق الأطباق الأردنية المصنوعة من منتجات محلية، وطرق إعدادها الأصلية كما عكفت على ذلك الجدّات والسيدات الأردنيات لسنين طويلة، بشكل يضمن استدامة هذا الإرث والحفاظ عليه، من خلال حرص المؤسسة على الحصول على المنتجات من السيدات الأردنيات اللاتي ما زلن يحافظن على أصالة هذه الأطباق ويقمن بإنتاج المواد اللازمة لذلك منزلياً في تسع محافظات أردنية، تتناول هذه السلسلة البحثية كافة تفاصيل المطبخ الأردني، وما يلتصق بعملية إعداد وتناول الطعام من أبجديات الضيافة وطقوس اجتماعية تمتد لتاريخ طويل من الإسهام في الإرث الغذائي الإنساني الممتد لأكثر من أربعة عشرة ألف سنة تاريخ أقدم بقايا خبز تم العثور عليها في العالم على الأرض الأردنية.

 خلفية تاريخية

عرف أجدادنا الأردنيون القدماء قيمة الأرض وأولوها اهتماماً كبيراً منذ القدم فمنحوها جهدهم وحصدوا بالمقابل ثمار تعبهم فاستحقوا مكانتهم الراسخة في الإرث الإنساني، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من كون منطقة “عين غزال”  أول قرية زراعية في التاريخ الإنساني المسجّل، وأكدت العديد من المسوحات الكشفية أن المنطقة كانت تبذر فيها الحبوب وتحصد المحاصيل بتخطيط لم يشهده العالم من قبل، بعد أن كان يتم في السابق جمع الحبوب البريّة واستعمالها، وترتبط الزراعة والأرض بالضرورة بمجتمعات متحضرة ومستقرة وقادرة على إدارة وتنظيم شؤونها، وهو ما تؤكده الشواهد الآثارية التي ما زالت ماثلة حتى الآن وتعرض في المتاحف العالمية وعلى رأسها متحفي اللوفر في باريس وأبو ظبي، بالتشارك مع متحف الأردن.

واستمر الاهتمام بالأرض وتطوير نظم إدارتها وقوانين ملكيتها مع تواصل الوجود الإنساني غير المنقطع على الأرض الأردنية، وصولاً لعهد الأردنيين الأنباط الذين امتلكوا وحكموا مساحات شاسعة من الأراضي تمتد نحو شبه الجزيرة العربية جنوباً ودمشق شمالاً وصولاً لشواطئ المتوسط غرباً، بما في ذلك من تعقيدات وتنوعات جغرافية وتنوع سكاني، وهو ما استدعى وجود نظام يتم الاحتكام له في ملكية الأراضي وتقسيمها بين أبناء المجتمع الأردني النبطي بما يضمن تحقيق أعلى درجات الاستفادة منها، بحيث كانت السلطة المركزية هي المعنية بتوزيع الأراضي على الأفراد، فقد كان الأردنيون الأنباط ملتصقين ببيئتهم الزراعية ومحبين للتملك، بحيث فرضوا الضرائب على من سعى إلى خراب الأراضي الزراعية، كما كافئوا من حافظ عليها، وقد تناولنا في بحث سابق موضوع ملكية الأراضي عند الأردنيين الأنباط بشكل مفصّل.

وبقيت الأمور على هذا النحو حتى ما بعد الفترة الأردنية النبطية، وازدهرت أشكال متعددة من الزراعة خلال الفترات التالية، من إنتاج القمح وتصديره للمناطق المجاورة وصولاً لروما، بالتوازي مع انتشار أنواع مختلفة من الزراعة أبرزها قصب السكر خلال الفترة المملوكية والتي ترافقت بالتوازي مع ازدهار في الصناعة والتجارة فبرز سكر مونتريال كأول ماركة تجارية مسجلة في العالم اجتاحت الأسواق الأوروبية التي لم تكن تعرف السكر قبل ذلك الوقت، وما تزال الشواهد الآثارية قائمة حتى اليوم تشهد على عظمة الإنسان الأردني وإبداعه وإسهامه في الإرث الإنساني، وأبرزها معاصر السكر في الشوبك وطبقة فحل وبقية مناطق الأغوار الأردنية، ويمكن الاطلاع على بحثنا السابق عن تاريخ صناعة السكر في الأردن للاستزادة في هذا الموضوع.

مناخ وطبوغرافية الأرض الأردنية

تمتاز الأرض الأردنية بمزيج متنوع ما بين مناخي حوض البحر الأبيض المتوسط والصحراء القاحلة، حيث يسود مناخ حوض المتوسط في المناطق الشمالية والغربية من البلاد، بينما يسود المناخ المداري الجاف في وادي الأردن، فيما يسود المناخ الصحراوي في المناطق الجنوبية الشرقية. وبشكل عام، فإن الطقس حار وجاف في الصيف، ولطيف ورطب في الشتاء، ومن ناحية طبوغرافية فالتنوع أيضاً حاضر، ما بين سهول حوران الأردنية شمالاً الخصبة جداً لزراعة القمح والبقوليات، وجبال عجلون والسلط المشهورة بكروم العنب والزيتون والرمان، وصولاً للأغوار الأردنية، والغور هي مفردة تدل على التسمية المحلية لوادي الأردن الأدنى وتعني الأرض الهابطة والمنخفضة التي تمتد من بحيرة طبرية وحتى البحر الميت، وتعتبر من المناطق المميزة بطبيعتها التي لاءمت الإنسان عبر العصور المختلفة لخصوبة أرضها ووفرة مياهها، وعلى جنباتها يؤرخ لبدايات الوجود الإنساني المسجل بعد العصور الجليدية، وأصبحت منطقة زراعية منفردة اشتهرت بزراعات متعددة ومتنوعة كقصب السكر، والموز، والنخيل، والأرز ومختلف أنواع الخضار والفواكه وأجودها، وينظر للأغوار كسلة الغذاء، ليس للأردن فقط بل للمناطق المجاورة، سواء في الجزيرة العربية جنوباً حيث الجفاف والحر الشديد، وحتى أكثر المناطق خصوبة في سوريا لا تستطيع إنتاج بعض الأصناف خلال فترات البرد القارس شتاءً، بينما تتمكن الأغوار الأردنية من تصدير أطنان المنتجات الزراعية طوال العام.

1900 م- رجال من الشوبك بكامل أناقتهم على إحدى القمم الجبلية حيث تتميز المنطقة بمناخ مميز وماطر لوقوعها بين مناخين جغرافيين متداخلين

نقطة تحوّل ومنعطفات حرجة

شهدت الزراعة والاهتمام في الأرض تراجعاً ملموساً خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر مع دخول العثمانيين للمنطقة وإدخالها في نفق مظلم، من خلال احتلالهم غصباً للأراضي الأردنية واستيلائهم عليها وإعادة توزيعها على النظام الإقطاعي من جهة، ومن خلال سياسات الحصار الاقتصادي والتضييق التي تم اتباعها لتجويع الأردنيين ومحاصرتهم اقتصادياً لتجفيف منابع القوة التي كانت تؤرق السلطة الحاكمة في ذلك الوقت والتي أشعلت العديد من الاحتجاجات ضد الحكم الخارجي منذ أنفاسه الأولى، فما بين مطرقة الضرائب المبالغ فيها بدون أدنى عائد ومقابل، وسنديان غياب الأمن، غابت الملكية الخاصة وبذلك يغيب الدافع الأول للإنتاج، من هنا تحول جزء كبير من السكان من حياة الاستقرار في متجمعات زراعية منتجة مكتفية، وتصدر ما يزيد عن الحاجة أو تبادله بسلع أخرى، إلى مجتمعات أقل استقراراً تبحث عن نفسها وتحاول تأمين قوتها من خلال أساليب أخرى قد تكون قاسية وعلى حساب بعضها البعض، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل تأجيج الفتن والتحريض المستمر على سياسة فرق تسد، ومع ذلك تعامل الأردنيون مع الظروف بحنكة ودهاء، فأوجدوا البدائل، وطوروا الأدوات، ونوعوا في الأساليب واستطاعوا بالقليل من الموارد الصمود والبقاء والاستمرار.

جرش 1900 – شارع الأعمدة في جرش وآثار الخراب والتهميش واضح على أهم اجزاء المدينة التاريخية

نهاية الفترة العثمانية، بداية الاهتمام

بعد تمرد الوالي العثماني في مصر محمد علي باشا وحملته التي كادت أن تطيح بالدولة العثمانية لولا تدخل فرنسا وبريطانيا دفاعاً عن العثمانيين، تنبه العثمانيون لأهمية منطقة الأردن وبدأوا بعض المحاولات لتحسينات إدارية محدودة، واستفاد الأردنيون من تلك الظروف ومن ثوراتهم المستمرة ضد العثمانيين ومحمد علي باشا في الحصول على مناطق حكم محلي خاصة بهم من خلال اختيار زعامات يضمنون حقوقهم ويديرون شؤونهم، وهو ما نتج عنه عودة للحياة الزراعية وتحسن ملحوظ في الإنتاجية بعد شعور السكان بأن هناك قيمة وجدوى لتعبهم وكدحهم قبل أن تعود الأمور للتدهور من جديد مع توريط العثمانيين لأنفسهم في حروب محكوم عليها بالفشل، زادت من حالة من التوحش في استهلاك موارد المنطقة وفق عقلية المزرعة، وسنتعرض تالياً أهم جوانب عملية الزراعة وملكية الأرض خلال تلك الفترة:

أصناف الأراضي نهايات الفترة العثمانية:

  1. الأراضي المملوكة: وهي كما حددها قانون الأراضي العثماني لعام 1858م أربعة أنواع:
  • العرصات” وهي الأراضي الموجودة ضمن المناطق السكنية في المدن والقرى ولا تزيد مساحة الواحدة منها على نصف دونم.
  • الأراضي الأميرية التي تحولت إلى ملك خاص بعد إتمام فرزها ومنحها حسب رغبات سلطات الاحتلال العثماني.
  • الأراضي العشرية: وهي تلك التي تم توزيعها وتمليكها للمقاتلين بعد احتلال مناطق جديدة لتوسيع النفوذ العثماني تحت مسمى “الفاتحين”.
  • الأراضي الخراجية، وهي الأراضي التي تقرر تركها لأصحابها غير المسلمين شريطة مشاركتهم عوائد استثمارها، بطريقتين، الأولى حراج مقاسمة يتراوح بين عُشر إلى نصف ناتج الأرض حسب درجة خصوبتها، والثاني خراج الموظف، وهو مقدار معين ثابت من المال يؤخذ بشكل مقطوع على الأراضي.
  1. الأراضي الأميرية، وهي أراضي تم استملاكها والاستيلاء عليها من قبل الاحتلال العثماني تحت مسمى “بيت مال المسلمين”، وغالباً كانت من أفضل الأراضي وأكثرها موارد مثل المزارع والمراعي والمصائف والمشاتي والمحاطب، وكانت توضع تحت تصرّف الإقطاعيين الذين عزز من وجودهم النظام العثماني وهم نوعين : الزعامة والتيمار.

    • الزعامة: الإقطاع الذي يدر ربحاً سنوياً يتراوح ما بين 20 – 100 الف أقجة عثمانية و “يمنح لمن أبدى قدرات فائقة في خدمة الدولة العثمانية” وفق نص القانون، وفي الواقع يقوم بدفع مبلغ معين للحاكم العثماني، مقابل أن يقوم باستغلال الناس واستعبادهم للعمل بالسخرة لجمع هذا المبلغ مضافاً إليه ربحه الشخصي.
    • التيمار: شكل مصغّر عن الزعامة، حيث يدر ريعاً سنوياً يتراوح ما بين (2000 – 19999) أقجة.

كما تم منح بعض هذه الأراضي لغايات إعادة توطين المهاجرين الشراكسة، والشيشان، والطاغستان، واللازكي، والتركمان في محاولات لخلق مجتمعات وبيئات حاضنة وموالية وأكثر تقبلاً للعثمانيين في وسط المناطق الأردنية.

  1. الأراضي الموقوفة: وهي الأراضي التي أوقفها أصحابها لغايات استثمارها لبناء دور عبادة من مساجد وكنائس وأديرة أو مدارس وأضرحة للصحابة والأولياء، وكثيراً ما كان يتم الاستيلاء عليها وتحويلها لغير أهدافها.
  2. الأراضي المتروكة: وتشمل الأراضي الخالية التي تركت لعموم الناس مثل الطرق العامة غير المؤهلة وغير المخططة، إلى جانب المراعي والبيادر والأحراش.
  3. الأراضي الموات: الأراضي الخالية التي تبعد عن العمران مسافة لا تقل عن ميل ونصف تخميناً أو مسير نصف ساعة مثل الجبال والأودية.
  4. الأراضي المشاع: وهي الأراضي التي تعود ملكيتها للجماعة من أهالي قرية أو عشيرة معينة وتقسم على العائلات بالتساوي بغض النظر عن عدد الأفراد، ويتم إعادة التوزيع كل سنتين أو ثلاث سنوات ويتولى ذلك شيوخ القرية أو العشيرة.
  5. الأراضي المحلولة: وهي الأراضي التي تؤول ملكيتها الفعلية للحكام والولاة التابعين للاحتلال العثماني بوفاة أصحابها دون ورثة شرعيين، أو الأراضي التي تركها أصحابها مدة تزيد على ثلاث سنوات متتالية من دون “عذر شرعي”، وكان يتم تأجيرها للأهالي بمزايدة علنية مقابل مبلغ من المال.
  6. الأراضي المدورة: وعي الأراضي التي كانت ملكيتها للسلطان عبد الحميد قبل خلعه عن العرش ثم تحولت ملكيتها لصالح خزينة الاحتلال العثماني

صورة تعود الى 1890 لسيدات واطفال من قبيلة العدوان الأردنية أثناء ترحالهم الموسمي بعيداً عن سطوة الضرائب العثمانية الجائرة التي تبتدأ ب25% على الدخل

  • طرق استثمار الأراضي الزراعية:

عرفت المنطقة خلال تلك الفترة طرقاً متعددة لاستثمار الأراضي الزراعية وبعضها ما يزال معمولاً به حتى اليوم بين المزارعين، ومن هذه الطرق:

  1. الاستثمار المباشر : أن يقوم صاحب الأرض باستثمار أرضه بمساعدة أفراد أسرته.
  2. المزارعة : من الطرق القديمة في استغلال الأراضي، يتمثل في الشراكة بحيث تكون الأراضي من طرف والعمل من طرف آخر وهي ثلاثة أنواع :
  • الشراكة: بحيث يقدم المالك الأرض ويقدم الفلاح الجهد والعمل ويتقاسمان التكاليف والنفقات، ويحصل كل منهما على نصف الغلّة 50%.
  • المرابعة: بحيث يقدم المالك الأرض ويتكفل بكامل النفقات والتكاليف، وإقامة وطعام الفلاح، بينما يقدم الفلاح العمل مقابل حصوله على ربع الغلّة 25%.
  • الخُمس: ويقدم بموجبه المالك الأرض وجميع النفقات واللوازم، في حين يقدم الفلاح عمله وكون نصيبه خمس الناتج 20%.
  1. التأجير: تأجير الأرض لمدة طويلة قد تصل لعشر سنوات مقابل مبلغ معلوم ومتفق عليه من المال، أو نسبة من الغلّة.
  2. المغارسة: يقوم المزارع بزراعة البستان بالأشجار المثمرة لفترة زمنية محددة بالسنوات، مقابل تقاسم الناتج ما بين المالك والمزارع وورثتهما حتى نهاية فترة العقد.
  3. الضمان: من طرق استثمار الأشجار المثمرة بعد ظهور الثمر، بحيث يدفع المستأجر مبلغاً من المال لصاحب البستان للاستفادة من الثمر وقطفه وينتهي العقد بنهاية موسم جني الثمر.

المنتجات الزراعية ومناطقها:

كما تقدّم ، أدى موقع الأردن المتوسط ما بين إقليم حوض البحر المتوسط والإقليم الصحراوي، وتباين التضاريس الطبيعية وتنوع مناخها إلى تنوع المنتجات الزراعية وأدوات الإنتاج، ونلخص هنا أبرز هذه المنتجات:

  1. المحاصيل الزراعية:

–          القمح والشعير: تعتبر حبوب القمح والشعير جزء أساسي من الهوية الغذائية الأردنية، وكانت تعتبر أهم المحاصيل من حيث المساحة المزروعة والناتج، وذلك لاعتماد السكان عليها في غذاءهم وفي غذاء حيواناتهم التي كانت مصادر للإنتاج، وانتشرت زراعة هذه المحاصيل في كل أرجاء الأردن خصوصاٌ في اربد والسلط، وتكثر زراعة القمح في المناطق السهلية والمنحدرات الجبلية  لخصوبة تربتها ووفرة أمطارها، وأما الشعير فغالباً ما كان يزرع في المناطق التي تقل فيها خصوبة التربة ومياه الأمطار لقدرته على تحمل العطش، وتتضح لنا من كثرة  الطواحين الماثلة حتى الآن وفرة إنتاج المناطق الأردنية من هذين المحصولين اللذين كانت تصدر كميات كبيرة منهما من حوران الأردنية إلى المناطق المجاورة، وصولاً لدمشق وأبعد من ذلك إلى روما منذ عهد الامبراطورية الرومانية وحتى فترات حديثة في بداية القرن العشرين.

صورة لسهول حوران الأردنية في اربد عام 1900 وتظهر المساحات الشاسعة  من الأرض التي كانت تزرع بالقمح وفي المدى تل الحصن ، حيث يلاحظ من النمط العمراني في المدن والبلدات الأردنية بناء السكان لمساكنهم في المناطق الجبلية للاستفادة من الأراضي المنبسطة في الزراعة

 

اليادودة 1914 وتكتل عمراني مميز وبه عناصر دفاعية نتيجة لغياب الأمن في تلك الحقبة ويلاحظ أيضاً استعمال الأراضي المنبسطة لغايات الزراعة والبناء في المناطق المرتفعة للاستفادة من الجغرافيا وتطويعها لأسباب اقتصادية وسياسية حيث كانت الجغرافيا حليف الأردنيين وصديقهم الدائم في مواجهة الاخطار والاستعمار

 

–           البقوليات: تتنوع سلة الغذاء الأردنية بشكل يوضح سبب غٍنى المطبخ الأردني بالأطباق المتنوعة، ونجد أن اهتمام المزارع الأردني تعدى المواد الأساسية لتشمل زراعة البقول بأنواعها والتي احتلت المكانة الثانية بعد زراعة الحبوب، كالعدس والكرسنة، والحمص والجلبانة والنعمانة الشبيهة بالفاصولياء، حيث زرعت هذه المحاصيل على نطاق واسع في قضاء السلط، واليادودة، ووادي السير، والرميمين، وقرية الرمان وفي سهول مأدبا والكرك.

–           كما تنوعت المحاصيل ما بين صيفية وشتوية بشكل يضمن استمرار الإنتاجية، ومن المحاصيل الصيفية السمسم والذرة ، إضافة للتبغ (الدخان/ التتن / الهيشي) ، ويذكر الرحالة والكاتب الفرنسي أنطون جاسان أن الدخان كان يزرع في الطفيلة والكرك، كما زُرع في أراضي السلط وقراها.

  1. الخضروات والمقاثي:

اهتم السكان بزراعة مختلف أنواع الخضار في المناطق المرويّة لتكتمل لوحة الألوان المنسجمة والمتنوعة في المطبخ الأردني، وذلك نظراً لخصوبة التربة وملاءمة المناخ، ومن هذه الخضروات: البندورة والبصل والثوم والبامية والباذنجان، والكوسا، وتشتهر مناطق اربد وعجلون وجرش والسلط والأغوارالأردنية وصولاً للمناطق الجنوبية بانتاج وتصدير أفضل أنواع الخضروات والمقاثي في المنطقة، نظراً لاستفادتها من الأغوار الأردنية ودفئ طقسها حتى في أصعب الظروف الجويّة، وقد اهتم الأردنيون العديد بثراء وتنوع أطباقهم فمزجوا الخضار والمقاثي مع منتجات الحبوب والألبان مما أكسب المطبخ الأردني قيمة غذائية عالية من خلال توفر كامل العناصر التي يحتاجها الجسم من فيتامينات ومعادن وحديد الى جانب الطاقة، ومن أبرز هذه الأطباق الأردنية السفرجلية ، والفناقش والمحاشي البردقانية.

  1. الأشجار المثمرة:

 اهتم الأردنيون بزراعة أنواع مختلفة من الأشجار المثمرة، وأهمها العنب الذي يعتبر من أهم تلك الأشجار نظراً لإمكانية استغلال أوراقه في تحضير الأطباق، وحبوبه التي تؤكل طازجة أو تستغل ليصنع منها الزبيب أو النبيذ حيث عثر على العديد من المعاصر التاريخية لتصنيع أجود أنواع النبيذ للاستهلاك المحلي وتصديره للمناطق المجاورة حيث تشير التقديرات أن 15% من الناتج المحلي من العنب يذهب لصناعة النبيذ، وتكثر كروم العنب في السلط وعجلون خصوصاً كما تتم زراعة العنب في اربد ومأدبا ووادي الكرك، وفي الطفيلة وقصبة معان والشوبك ووادي موسى.

كما عرفت زراعة الزيتون في المنطقة لنفس الأهداف فزيته وحبوبه تعد مكون من عناصر الهوية الغذائية الأردنية واستخدمت مؤخراً كبدائل لعناصر أخرى مثل السمنة البلدية، كما اشتهرت زراعة الرمان الذي يستهلك حباً وعصيراً ويصنع منه الدبس، ولا تكاد تخلو محافظة أردنية من أودية وبساتين الرمان، وكان الباعة المتجولين في دمشق ينادون : معاني يا رمان ، أردني يا رمان ، في إشارة لجودته وطعمه المميز، كذلك اشتهرت زراعة التين، والدراق، والسفرجل، والأجاص، والمشمش، والخوخ، والتفاح، والليمون، والتوت.

ومن الجدير ذكره أن الأهالي في قضاء الطفيلة في عام 1911 قاموا بتأسيس شركة زراعية من أجل جلب أشجار التوت وزراعتها في القضاء والاستثمار في هذا المجال، إلا أن محاولات الحصول على ترخيص من الاحتلال العثماني باءت بالرفض وحكم على المشروع الريادي بالفشل والإجهاض ككثير من أحلام الأردنيين في ذلك الوقت.

وخلال سنوات النهضة التي تلت تأسيس الدولة الأردنية الحديثة ازدهرت الزراعة بشكل واضح، وفرضت صادرات الفواكه الأردنية مكاناً لها في أسواق الدول المجاورة، فوفقاً لأرقام 1943 فإن الأردن صدّر إلى السوق الفلسطيني 500 طن من الزبيب و 2420 طن من العنب، و 1850 طن من الفواكه الأخرى.

  1. الأشجار الحرجية:

تشكل الأشجار الحرجية جزء مهم من الغطاء النباتي للأردن، حيث كانت تغطي معظم مناطق الأردن في المرتفعات الجبلية وبطون الأودية وخاصة مناطق مجاري المياه، وتعتبر أشجار البلوط والسنديان والصنوبر والسرو والبطم والدفلى والحور والصفصاف والطلح والطرفاء من أهم أشجار المنطقة، وكان السكان يعتمدون عليها مصدراً للدفء ويستفيدون من أخشابها والجذوع المتكسرة منها بشكل يضمن استدامة هذه الفائدة، ولكن كثافة هذه الغابات أغرت العثمانيين وأثارت شهوتهم للاستهلاك النهم والمتوحش، فقاموا بنهبها وتقطيعها بشكل واسع لاستغلالها وقوداً للقطارات العسكرية، حيث بلغ فيهم الأمر إلى مد خط فرعي من سكة القطار العسكري العثماني لوسط منطقة الهيشة في الشوبك التي سميت بذلك نظراً لتشابك الغابات فيها نتيجة كثافتها وذلك لتسهيل عملية قطع الأشجار منها ونقل الخشب إلى مناطق أخرى ما حوّل الهيشة حينها إلى أرض جرداء.

الزرقاء 1903 وتظهر الكميات المهولة للخشب الذي قطِع باشراف مهندسين ألمان لاستكمال بناء سكة حديد القطار العسكري لنقل الجيوش العثمانية والألمانية ومؤنها وتسريع قمع الثورات الأردنية الصغرى، كنموذج عن عقلية التوحش في استهلاك موارد المنطقة خلال فترة الاحتلال العثماني

  1. النباتات البرّية:

عرف الأردنيون كيفية الاستفادة من كل ما تقدمه الطبيعة الأم، لأنهم فهموها ودرسوها بعناية حتى تمكنوا من فهم أسرارها، فانتقوا المفيد منها بعين الخبير وميزوه عن الضار ، فأنتجوا أفضل أنواع المنكهات للأطعمة، ومن أهم هذه النباتات الحندقوق ، والسماق الذي يكثر في البلقاء، والنيلة في غور الصافي، وتضاف بعض الأعشاب للجميد لإضفاء نكهات مميزة له، كما كان ينمو نبات السمح الذي يثمر قروناً كبيرة فيها بذور، تجمع القرون وتوضع بالماء حتى تتفتح وتصعد القشور إلى السطح في حين تغوص البذور في القاع، لتجمع وتجفف وتطحن دقيقاً يصنع منه خبز لذيذ الطعم، كما تستعمل الكثير من الأعشاب في الطب الشعبي الأردني، أو حتى كوصفات منزلية بسيطة لمشاكل البرد وارتفاع الضغط وغير ذلك من الأمراض الموسمية.

المراجع:

o          حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان: الأردن

o          بالمر، كارول (2008) الفلاحون والبدو في الأردن: دراسة اثنوجرافية في الهوية الغذائية، تعريب عفاف زيادة, مؤسسة أهلنا للعمل الاجتماعي والثقافي. عمان: الأردن

o          العبادي، احمد (1979) المناسبات البدوية ، عمان: الأردن

o          العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.

o          الحوراني، هاني (1978) التركيب الاقتصادي الاجتماعي لشرق الأردن، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت: لبنان

o          نتائج المسح الميداني في الكرك القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة القافة الأردنية، عمان: الأردن.

o          نتائج المسح الميداني في البلقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان: الأردن

o          نتائج المسح الميداني في الزرقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان: الأردن

o          أبو حسّان، محمد (2005) تراث البدو القضائي نظرياً و عملياً، الطبعة الثالثة.

o          عبيدات، سليمان أحمد (1994) عادات وتقاليد المجتمع الأردني ، الأهلية للنشر والتوزيع.

o          صويلح،  ياسين (2004) مجلة المأثورات الشعبية ، العدد 71.

o          زيارات ومقابلات، إرث الأردن الميدانية أثناء مرحلة البحث.

o          أحمد أبو خليل، موقع زمانكم، قسم مفردات مصوّرة، مقالة بعنوان: القَرَنْ”: أي ربط حيوانين أو أكثر واستخدامهما معاً في أعمال الزراعة.