تخزين وحفظ الناتج الغذائي في الأردن

  • تقديم ولمحة تاريخية

في اقتصاد انتاجي يعتمد على الزراعة والثروة الحيوانية في تشكيل الهوية الغذائية، برع الأردنيون عبر التاريخ في الزراعة مواجهين التحديات التي كانت السبب في تعطيل أي عملية زراعة وإنتاج سابقا، من كون معظم أراضي الممالك الأردنية القديمة كانت غير خصبة بما يكفي للزراعة، إلى جانب قلة الأيام الماطرة خلال العام والموسم الشتوي، فتشير الدراسات أنه ومع بداية نشأة المملكة النبطية كانت عملية الزراعة والفلاحة عاديّة وناتجها بالكاد يغطي الاحتياجات، لكن الأردنيين الأنباط عملوا على تطوير الزراعة وتقدمها استجابة للتزايد في عدد السكان، حتى أصبحت من أهم حرفهم والمصدر الرئيس للحصول على الطعام وتشكيل الهوية الغذائية.

 ولم يكتف الأردنيون الأنباط بالاستثمار والزراعة في أراضي أدوم ومؤاب الخصبة، بل زرعوا كل زاوية واستصلحوا الأراضي في حدود مملكتهم الأردنية التاريخية، حتى أصبحت “بترا” أكثر من مركز تجاري للقوافل بل تحولت إلى مركز لمنطقة زراعية تصدر الفائض عن حاجتها، بفضل قدرة الأردنيين الأنباط على التعامل مع الأراضي القاحلة وتحويلها إلى مستقرات دائمة صالحة للزراعة حتى أنهم توسعوا إلى وادي عربة وصولاً للنقب، متبعين العديد من الأساليب الزراعية التي تضمن استخدام نظام المصاطب التي تعمل على تصريف المياه وتوجيهها بشكل يعمل على إبطاء سيلان مياه الأمطار،  وبالتالي منع انجراف التربة، مما يتيح المجال لكروم العنب والنباتات المزروعة بامتصاص الرطوبة والاحتفاظ بها لأكثر وقت ممكن، وبالنتيجة تمكن الأردنيون الأنباط بين حوالي القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي من انتاج القمح والشعير، بالإضافة لأنواع أخرى من الحبوب إلى جانب الزيتون والبلسم وكروم العنب.

ولما كان ناتج الموسم الزراعي وفيراً بالحد الذي يسمح بتخزينه حتى المواسم القادمة أو استخدامه طوال العام أو حتى إعادة تصديره وبيعه أو مقايضته بسلع أخرى مع القادمين لعاصمة التجارة العالمية في ذلك الوقت “بترا”، فقد برزت الحاجة لتطوير أساليب حفظ وتخزين هذا الناتج والحفاظ عليه بحالة جيدة سواء بإبقائه كما هو، أو بإعادة معالجته بشكل يسمح بتخزينه للاستفادة منه في وقت لاحق، وفي هذا تأكيد على ترسخ قيم الانتاجية من خلال الحرص على عدم الهدر والإسراف والتبذير، ونستعرض في هذا البحث أبرز طرق حفظ الناتج الزراعي والمواد الغذائية لدى الأردنيين في كل المناطق.

  • نملية-خزانة المونة، ماذا يتضمن صندوق الاحتياط الغذائي الأردني؟

ظلّت ثقافة تخزين المونة سائدة في المجتمع الأردني، حتى وان تراجعت مع وصول الكهرباء التي ساهمت بتوفير بدائل لتخزين الناتج الغذائي مثل الثلاجات والبرادات الخاصة بتجميد الطعام، إلى جانب تنوع طرق الإنتاج ووصول البيوت البلاستيكية والمعلبات التي تتيح فرصة الحصول على كثير من الأصناف الغذائية طوال العام، مما أدى لتراجع أهمية طرائق التخزين لكن معظمها ما يزال مستخدماً حتى الآن، فتجد أن الأسرة الجيدة تخزّن في خابية البيت أو ما يسمى النمليّة ما يكفي لتغطية احتياجات المنزل الغذائية لأوقات تصل حتى سنة أو نصف سنة، وتتنوع محتويات هذه المؤونة فتجد فيها الجميد والسمن واللبنة المحفوظة بالزيت والكشك والقمح للطحين ومشتقات القمح من جريشة وفريكة وبرغل، وعدس، وحمص، وخضروات مجففة، وبصل ناشف وبندورة مقطنة، وكوسا وباذنجان منقورة ومغسولة بالماء والملح ومجففة، ودوالي مجففة، ورمان، ومكدوس الباذنجان المحشو بالجوز والمحفوظ بالزيت، وكبيس الزيتون (الرصيع)، ومعاقيد المشمش والخوخ والتفاح والسفرجل، ومنتجات العنب – خبيصة وزبيب وعنبية ومدقوقة ودبساً وخلاً- وقُطين التين، والعسل البري والجوز واللوز والزعتر الناشف والسمسم المحمّص والنعنع والميرمية وغيرها، ومعظم هذه المنتجات تنتجها الأسرة الأردنية أو تشتريها من الأقارب والمنتجين المحليين مباشرة، كما أن هناك مواد مستوردة كالأرز والسكر والشاي والبن والتمر والفستق، خابية المونة المتعددة الأصناف هذه تنوّع خيارات المائدة حتى في الشتاء القاسي ولياليه الطويلة، أما في الربيع والصيف ومواسم الحصاد والإنتاج، تتزين المائدة الأردنية بالأطباق المعدّة من الحليب ومنتجاته الطازجة والخضروات والفواكه الطازجة والأعشاب الموسمية والنباتات البرية، وسنتعرف في هذا البحث على أبرز ملامح عملية الحفظ والتخزين التي ساعدت في تنوع واستمرار المطبخ الأردني على مدار الفصول.

نملية

  • الحفظ والتخزين كجزء من النظام المعماري الأردني

عند الحديث عن موضوع حفظ وتخزين الطعام لا بد من التطرق لطبيعة نظام البناء في البيوت الأردنيّة القديمة، وهو أمر له جذور تاريخية حيث كان الأردنيون القدماء المستقرين في عين غزال في مرحلة الانسان المزارع من أوائل من بنوا المنازل الحجرية والدائرية والمنازل من طبقتين بحدود الألف السابع قبل الميلاد، وخلال العصور تنوعت أشكال البناء والاستقرار تبعاً لظروف الحياة واضطرار الأردنيين للتحول من الاستقرار للترحل بفعل الأحداث والظروف السياسية كما في عهد الاحتلال العثماني مثلاً حين تحولت الكثير من العائلات والعشائر الأردنية من الاستقرار في بيوت طينية وحجرية نحو البداوة والترحال الدائم هرباً من بطش الاحتلال العثماني وملاحقته لهم نتيجة عجزهم عن دفع الضرائب.

خابية وكواير

ومن أهم النماذج على شكل البيوت الأردنية في تلك الفترة هي المُغر – المغارات – التي صنعها الأردنيون في عدد من المدن الأردنية [1]، ويقدر عمرها بحوالي 200 سنة، ويمكن بالنظر للتصميم الداخلي لهذه المغارات أن نلاحظ كيف تم تقسيم البناء، مع تخصيص أماكن للمواشي والدواب بعيدة عن غرف المعيشة والنوم، في حين يتم مراعاة وجود أماكن للتخزين، ويلاحظ استخدام الطين في الأثاث المنزلي من خلال الرفوف، والمطوى المخصص لترتيب المفارش والأغطية، وكذلك فتحات خزائن المطبخ المبنية من الطين وهي ذات تصميم فريد يتكون من 16-20 فتحة لحفظ الأطعمة وأدوات المطبخ، وفي الزوايا يوجد ما يشبه “الكورنر” الذي يعتبر جزء من الديكور المعاصر حالياً، والجزء الأهم هو ما يعرف بالكواير التي تتنوع أشكالها وأحجامها واستخداماتها تبعاً للمنطقة ونوع المخزون، وتواجد هذه الكواير في قسم الإقامة والمبيت الذي يوجد المطبخ في جزء منه، كما توجد أقسام خاصة من الكواير في قسم المواشي والدواب لتخزين الأعلاف والتبن، وسنتناول في الأجزاء القادمة من هذا البحث أشكال واستخدامات وتسميات هذه الفتحات والأماكن المخصصة للتخزين والحفظ .

السلط 1920 صورة لعائلة سلطية وتعتبر الصورة مرجعا لطبيعة الحياة اليومية لأجدادنا ونظام البناء الداخلي لبيوت السلط القديمة

  • حفظ وتخزين الحبوب

بعد مواسم الخير والحصاد والتي تتوج مراحل العملية الانتاجية الزراعية للحبوب والتي تم تناولها بالتفصيل في بحث سابق، يتم تخزين الفائض من الحبوب لاستخدامه طوال العام حيث أوضحنا في بحث سابق كيف تحتل الحبوب مكانة ذات أهميّة في المطبخ الأردني، ويتم تخزين هذا المخزون في ما يعرف بـ “الخوابي”، و “الكواير” ومفردها “خابية” و “كوارة” على الترتيب، وهي عبارة عن بناء داخل المنزل بارتفاع مترين وعرض حوالي مترين وأكثر، وبناء هذا الكواير في عدة مناطق أردنية مثل قرية “ضانا” يعتبر من مسؤولية المرأة الأردنية والتي تقوم ببنائها من الطين الذي يحتوي نسبة عالية من الصلصال والمتعارف عليه في. المنطقة باسم “طين السّمقة”، وتستوعب الكوارة الواحدة من خمسة الى ستة شوالات من الحجم الكبير ما يعادل حوالي 500-600 كغم، وفي الشمال كانت الكواير تبنى كجزء من سقف المنزل، حيث كانت البيوت الطينية تبنى على القناطر وبين كل قنطرتين زوج من الكواير، وللكوارة باب علوي يسمى “طرنافة” يصب منه القمح، وباب سفلي صغير تؤخذ منه الكمية اللازمة للاستهلاك اليومي، ويتم اغلاقه بقطعة قماشية تسمى “كبتة”، وفي البيوت الكبيرة متعددة القناطر كان يتم تقسيم الكواير بحيث تكون كل واحدة منها لصنف معيّن من الحبوب، وللوصول إلى الكوارة من أعلى تصعد المرأة على السلّم وتقوم بتنظيفها بواسطة مكانس من القش، وظهرت في فترات لاحقة كواير الخشب التي أصبحت أكثر شيوعاً.

ومع اختلاف الظروف الجغرافية والاجتماعية وحتى العوامل السياسية اختلفت وسائل وأدوات التخزين، ففي الشوبك مثلاُ كانت القلعة ملاذاً للأهالي وما يملكون في مشهد يوضح تماسك النسيج الاجتماعي الأردني خصوصاً في حالات الخطر والتهديد الخارجي والذي كان شائعاً خلال فترة الاحتلال العثماني من الجيش التركي والعصابات التابعة له أو التي يقوم بتحريضها على إثارة الفوضى، فلجأ الأهالي في الشوبك الى تقسيم القلعة لـ “عقود”، حيث تمنح كل عائلة عقد تخزن فيه الغلال المنقولة من البيادر بواسطة “العدول” المصنوعة من الصوف والشعر، ثم يتم تفريغ الحبوب في الكواير المصنوعة من الطين، وتغلق أبواب القلعة لحمايتها.

في حين لجأ الأهالي في وادي موسى لتخزين الحبوب في الخربة وهي القرية المبنية من الحجارة في المنطقة، واستخدموا لهذه الغاية نوعاً خاصاً بهم من الكواير البرميلية المبنية من الطين المخلوط مع التبن أو الأحواض المستطيلة او المربعة، وتتشارك المرأة مع الرجل مهمة بناء الكوارة التي تتسع لما يتراوح ما بين 40-80 صاعاً، وتغطى الكوارة باستخدام غطاء مصنوع من الطين والتبن أو قطعة من القماش أو شوال من الخيش، ويتم عادة ترك فتحة صغيرة في أسفل الكوارة لاستخدامها في اخراج الحبوب حسب الحاجة، وكانت معظم الأسر تمتلك بيتاً للتخزين أو تقوم باستئجار أماكن للتخزين إما مقابل كمية من القمح أو حتى بلا مقابل فيما يتعارف عليه محلياً بمفهوم “العونة”.

وفي أقصى الجنوب الأردني، يقوم الحويطات بتخزين الحبوب في حفرة يتم حفرها بعمق يتناسب مع كمية الحبوب المراد تخزينها، ومن ثم رشها بالماء بعد انتهاء الحفر لتصبح سطوحها الداخلية صلبة وملساء مستوية،، ثم توضع الحبوب بداخل ما يعرف بـ “المطامير” ومفردها “مطمارة” ومن ثم يتم إضافة طبقة من التبن ومن فوقها التراب ويتم الضغط على المطمارة حتى يستوي التراب مع ما حوله، ويترك البدو هذه المطامير بدون حراسة حيث لا داعي للقلق من هذه الناحية فسيكون من الصعب على أحد غيرهم تمييز موضعها، ومن الطرق الأخرى حفظ الغذاء في المغر التي كان يتم إغلاقها بالحجارة والطين مع قيام صاحب المخزون بوضع ختم خاص به على باب المغارة من خلال ترك أثر يده بالطين، ومن التقاليد المرعية عدم كسر ختم المغارة الطيني إلا من قبل صاحبها، وكانت الحبوب التي تزيد عن حاجة الأسر لدى بدو وادي رم، تخزّن في “الطيران” ومفردها طور وهي صخور طبيعية تسمى “مصن”.

وتختلف الكواير والأحواض في معان عن سواها حيث تتشكل الأحواض من جدران يصل ارتفاعها إلى نصف متر وبمساحة تصل إلى أربعة أمتار مربعة، في حين تأخذ الكواير الشكل الدائري وتبنى على عدة مراحل تستمر عدة أيام وتكون من مهمة المرأة، وعادة ما تكون بحجم برميلين، وتتسع لخمسة شوالات من القمح أي ما يعادل حوالي 500 كغم، وتغلق بغطاء طيني أو من القماش أو حتى بلوح معدني أو خشبي، وكانت هناك نساء معروفات متخصصات في بناء الكواير مقابل أجرة معينة وهو ما يؤكد مكانة المرأة ودورها المهم في الاقتصاد الانتاجي الاردني.

ومع التحولات التي عاصرتها المنطقة ما بعد التحول من مرحلة الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية تأثرت المدن الأردنية بهذا التحوّل وانعكس ذلك على أسلوب الحياة الذي أصبح أكثر تنوعاً، فمثلاً لم يعد هناك حاجة للقيام بإعداد الخبز إلا في حالات نادرة أو لأنواع خاصة من الخبز غير المتوفر في المخابز، ولا حاجة للتحطيب فالحطب متوفر في الأسواق، وكذلك الحال في الحبوب المتوفرة في المحال طوال العام، إلا أن الكثير من الأسر الأردنية بقيت تقوم بتخزين الحبوب في كميات تغطي احتياجاتها للفترة المقبلة، فكانوا يخزّنون الطحين في براميل خشبية سعة الواحد منها شوال ونصف، أما البرغل فكان يقسم إلى نوعين، الخشن لعمل المجدرة، ويخزن في خرايط قماشية بيضاء اللون مع إضافة الملح وتركه في مكان جاف، والبرغل الناعم يتم تخزينه في مرطبانات من الزجاج.

عملية اعداد وتخزين الجميد

  • حفظ مشتقات الحليب:

نأتي هنا الى مشتقات الحليب والتي تعتبر المكون الغذائي الثاني في المطبخ الأردني بالتشارك مع الحبوب، وتبدأ العملية منذ لحظة حلب الأغنام والتي تتم عادة من خلال شبق الغنم وهي مرحلة يتم فيها صف الغنم بصفين متقابلين بشكل مائل من خلال استخدام حبل مغزول من الصوف في عملية كانت تشبه ما يعرف بخطوط الإنتاج الحالية في المزارع والمصانع، ويتم الحلب في وعاء من النحاس غالباً، ويتم تفتير الحليب ووضع “روبة” اللبن للحصول على اللبن الرائب في عملية تأخذ نهار كامل في فترات الشتاء بينما تحتاج حوالي 3 ساعات في الصيف، وبعد ترويب اللبن يتم خضه في ظٌبية مصنوعة من الجلد، لفصل الزبدة عن اللبن المخضوض وتنتج بذلك الزبدة والشنينة، وتخزن الزبدة في “نصيّة” وهي وعاء مصنوع من التنك المعدني، أو يتم تخزينها في المزبد والذي يصنع من جلد الكبش ويتسع أحياناً لأربع تنكات –تبعاً لحجم الكبش-، ويحرص على عدم دخول الهواء للمزبد وإضافة الملح والورص (الكركم) إلى الزبدة لحفظها، أما السمنة فتصنع بتذويب الزبدة على النار وتركها لتصفى عن اللبن مرة أخرى، ويتم إضافة البرغل الخشن والورص والملح، وتُغلى مرة أخرى حتى الاستواء وتترك لترقد ثم توضع في أوعية زجاجية تعرف بالمرتبانات او القطرميزات.

 وتستمر عمليات المعالجة المتكررة للحصول على المزيد من المنتجات، فيتم صنع اللبن الجامد من خلال وضع الشنينة في أكياس قماشية مخصصة لهذه الغاية ، وتركها لعدة أيام حتى يقطع منه المصل، ويتم الحصول على اللبن الجامد (اللبن المكروت) الخالي من الدسم (بدون زبدة)، ويتم استخدام هذا اللبن في إعداد “اللبنة المدحبرة” والتي يتم تخزينها بإضافة الزيت والملح وتركها في أوعية زجاجية، أو من خلال “تنطيل” اللبن أي عمله على شكل أقراص دائرية تترك على طاولات خشبية وقطع من القماش تحت الشمس حتى يجف وينتج بذلك الجميد ويكون هذا في فترة الربيع، أما الكشك فعادة ما يصنع في فترة شهر حزيران ما بعد انتهاء عملية التعزيب والحصاد، فيتم خلط البرغل باللبن المنزوع الدسم (المكروت/المخيض) ويطبخ ويترك في وعاء، ثم يترك الخليط مغطى لمدة يومين ومن ثم يتم عرضه على الشمس لمدة يومين حتى يجف، في حين استعمل الأردنيون الجبنة المالحة كوسيلة للحصول على الجبن طوال العام من خلال استعمال المساة المأخوذة من معدة وليد النعجة بعد تمليحها وتجفيفها لمدة أسبوع تحت أشعة الشمس، ومن ثم توضع في قطعة من الصوف وتضاف هذه القطعة إلى الحليب الموضوع على النار ويتم مرس القطعة في الحليب حتى يفتر، ثم يغطى القدر حتى تدور الجبنة فيه عندها تسكب في قطعة من القماش وتوضع على طاولة ذات سطح مستوي مع إضافة ثقل فوقها حتى ينقطع المصل، ومن ثم يفتح الكيس ويتم تفريض الجبنة من خلال تقسيمها الى قطع متساوية ومتناسقة، ثم يتم تمليحها وتركها أسبوعاً ليتم بعد ذلك غليها وكبسها وتخزينها في أوعية معدنية خاصة بذلك تعرف بالـ “نصيّة”.

  • حفظ النباتات والخضار والفواكه:

لتخزين الخضار في فترات ما قبل ظهور التبريد والتجميد، لجأ الأردنيون لتجفيفها كوسيلة لحفظها لاستخدامها في غير موسمها، فعلى سبيل المثال كان يتم تجفيف البندورة بعد أن تسطح من الوسط ويتم تمليحها، وتخزن في أكياس قماشية بعد أن تجفف وتعلّق هذه الأكياس على جوانب البيت، وكذلك فيما يتعلق بالكوسا التي كانت تقطّع الى دوائر وتُملّح وتطبخ حوساً مع البندورة في الشتاء، ويتم تجفيف البامية ووضعها على شكل قلائد يتم تعليقها حتى تجف وتطبخ مع البندورة في الشتاء، كما يتم صناعة رب البندورة بتقطيع حباتها وعجنها وعصرها وتصفيتها من البذور والشوائب مع إضافة الملح وغليها على النار حتى تصبح معقوداً ثم تعبأ في مرتبانات وتخزن لتستخدم عند الحاجة، كما تتم صناعة المكابيس والمخللات من زيتون وخيار وفقوس وباذنجان وغيرها.

قلائد بامية مجففة على شكل “عقد” من إعداد احدى سيدات حوران الأردنية

نعنع يتم تعريضه للهواء بهدف تجفيفه وحفظه لاستعماله طوال العام

  • حفظ الفواكه بالتسكير (المربيات والتطالي):

وإلى جانب التجفيف الذي كان يعتمد على الملح، كان يتم الاستعانة بالتسكير وهي طريقة حفظ الغذاء بإضافة السكر والشيد، وهي وسيلة إنتاج المربيات والتطلي من عنب وتين ومشمش وغيرها من الفواكه والثمار التي تحفظ بعد غليها على النار لفترات محددة وفصل الثمار عن العناقيد و/أو هرسها وإضافة كميات من السكر وتركها حتى تتماسك وتشتد ويتم تخزينها في مرتبانا،  كما تتم صناعة المعاقيد بتركها تغلي مع اسكر حتى تتماسك وتشتد مثل معقود التين ودبس الخروب والرمان ، فتتم صناعة دبس الخروب من خلال تنشيف الثمر وطحنه على الحجر وغليه حتى يصبح دبساً، وكذلك الحال مع الرمان الذي يتم عصره وغليه حتى يشتد، أما الليمون فيتم تخزينه في التبن ويتم رشه بالماء حتى لا يجف ويفسد.

مربيات صناعة منزلية من سيدات أردنيات من 6 محافظات أردنية ، تجدونها متوفرة في دكانة مطعم ارث الأردن

  • حفظ اللحوم:

ورغم أن اللحوم لم تكن جزءًا من الغذاء اليومي لدى عموم الأردنيين وكانت تستخدم بشكل طازج لغاية المناسبات الهامّة التي تم توضيحها في بحث سابق، الا أنه جرت العادة على تخزين اللحوم لحين الحاجة إلى استخدامها، ومن طرق تخزين اللحوم “القشيم” حيث تفرك اللحوم مع الدهن ويضاف لها قليل من الملح ويتم غليها على النار ومن ثم يتم تخزينها في مرطبان، وكذلك طريقة “الزربة” أو “الدفينة” والتي تتلخص بطبخ اللحم الفائض حتى ينضج ويبرد ويحفظ في “سعن” وعند الحاجة يتم استخدام الكمية اللازمة لإعداد الأطباق، وفي بعض المناطق يتم طبخ الذبيحة كاملة بدهنها، ووضعها في جرة وحفظها للاستخدام اليومي، فيما يسمى بالـ “قاورما”، وكان البعض يسلق اللحم بالماء حتى ينضج ثم ينشر اللحم على ظهر بيت الشعر “الشقاق” حتى ينشف، ولا تؤمن هذه الطريقة دوام اللحم سوى بضع أيام وتعتبر هذه الطريقة قليلة الشيوع وتستخدم عندما تقع إحدى الماعز ويتم ذبحها قبل أن تنفق.

وكانت تتم الاستفادة من كل أجزاء الذبيحة تقريباً، فالنساء كن يدبغن الجلود من خلال إضافة الملح لها وتجفيفها بعد تنظيفها من الدهون التي علقت بها، ثم يضعن الصفة (الرماد) فيه ويتم قلبه بحيث يكون الصوف أو الشعر إلى الداخل ويترك يومين أو ثلاثة ثم يفتح بعد ذلك ويكون نزع الصوف أو الشعر عنه أسهل، ويكشط بقايا الشعر المتبقي بسكين حادة وهكذا حتى ينظف الجلد تماماً من الدهون والشعر ويغلى الجلد مع قشر اللزاب أو جذور السنديان، حسب الغاية من الاستخدام (خافة أو ظبية أو سعن أو شكوة) أما اذا كان لصناعة الجاعد فإنه يملح فقط وينظف في الغالب بدون دباغة.

 ورغم عدم توفر كميات كبيرة من الأسماك نتيجة محدودية المناطق البحرية في الأردن، الا أن الأردنيين في العقبة كان لهم كلمتهم وطريقتهم في حفظ الأسماك واللحوم وتخزينها سواء للاستخدام الذاتي أو حتى لنقلها وبيعها للمناطق الأخرى من خلال وضع السمك في براميل خشبية مطلية من الداخل بالإسمنت، مع إضافة كميّات كبيرة من الملح داخل البرميل والذي يغلق بإحكام، وبهذه الطريقة يمكن حفظ السمك لمدة تصل لحوالي العام.

المراجع:

  • حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان: الأردن
  • خريسات، محمد عبد القادر (2012) المسيحيون في قضاء السلط، عمان، الأردن
  • العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.
  • العزيزي، روكس (2012) معلمة للتراث الأردني، مطبعة السفير.

[1] كتاب المعزب رباح ، صورة ونموذج بناء مغارة أبو خضر في السلط ص 224