الجوفيّة

مقدمة

تعتبرُ الجوفية من الألوان الغنائية التي لاقت انتشارًا في مختلف مناطق الأردن، من شماله لجنوبه، وهي من الألحان النشطة وذات الطابع الذكوريّ، ويرافقُ أداءها رقصة خاصّة تُعرَفُ بنفس الاسم دون مرافقة الآلات الموسيقيّة الشعبيّة، وبالرغم من الإشارة إلى الجوفيّة أحيانًا على أنّها من ألوان الغناء البدويّ، إلا أن واقع انتشارها يؤكد انتشارها أيضا في مجتمعات ريفيّة ومدنيّة.

التسمية

تشير المراجع والأبحاث إلى أن تسمية الجوفيّة ترتبط بمنطقة الجوف الواقعة الى الجنوب من الأردن، وهي من المناطق التي كانت تعتبر سكنًا شتويًا – أراضي التشريق – للكثير من القبائل الأردنيّة لفترات طويلة، ومن الجوف إلى كافة مناطق الأردن مرورًا بالأقاليم الوسطى وصولاً للمناطق الشماليّة، انتشرت الجوفيّة لاسيّما في القرن العشرين حيث ساهمت قوات الثورة العربية الكبرى والتي كانت خطوط سيرها تنطلق من الجنوب نحو الشمال، بنقل الكثير من الجوفيّات ونشرها بين الناس، خصوصًا وأن الجوفيّة من الألوان الغنائية الاكثر حماسيّة والأقرب لأجواء الحروب والمعارك.

الرقصة

تؤدّى الجوفيّة مع رقصتها الخاصة والتي صفتها أن تتقابل مجموعتان من الرجال تفصل بينهما مسافة معقولة تسمح لكل مجموعة أن يخرج منها رجلٌ حاملٌ للسيف أو العصا يمارسان الاستعراض الحربيّ في التقاء وانفصال متكرر بين الراقصين، وتبدأ المجموعتان بالغناء وترديد أبيات الشعر الغنائيّة الخاصة بالجوفيّة والسير بخطىً متزنة ضمن حلقة دائريّة يستمر فيها الدوران حتى نهاية الأغنية. وتتميّز رقصة الجوفية بالحركات الأدائية التي إذا ما أمعنّا في تحليلها نجدها تجمع بين الرقص الريفي “الدبكات” والرقص البدوي “السحجة” في آنٍ معًا وتشكّل مزيجًا بينهما بصورة لا تدع مجال للشك أن ذلك ساهم أكثر بانتشارها في مختلف المجتمعات.

ويجدر التسؤل هنا؛ أيهما نشأ قبل الآخر؟ الغناء أم الرقص؟ وهو ما يقود المتأمّل بتسمية هذا الفن إلى استنتاج ضمنيّ مفاده أن الرقصة هي التي نشأت في الأساس وأعطيت اسم “الجوفيّة”، والتصق بأدائها مجموعة من الألحان التي تناسبت مع إيقاع الرقصة، ولو كان الاسم مرتبط بالغناء أكثر من الرقصة لكان اسمه “جوفيّ”، كالهجيني والشروقي.

السمات الفنية والأدائيّة

لحنيًا : تتنوّع وتتعدّد ألحان الجوفيّات المنتشرة في الأردن والجوار، ولكنها جميعًا تتميّز بالقوّة والسياقات اللحنيّة التي تعبّر عن حالةٍ احتفاليّة طاغية، وهذا ما يجعلها في وقتنا الحاضر الرقصة الأكثر شهرةً بين طلبة الجامعات الأردنيّة في حالات الاحتفال التي تعقب التخرّج والفوز في الانتخابات الطلابية. وتؤدّى الألحان بالتكرار والترديد ما يجعلها أقرب إلى الهتاف الملحّن.

إيقاعيًا : بالرغم من عدم استخدام أي آلات موسيقية أثناء أدائها، إلا أن الجوفيات تعتبرُ من الأغاني الموزونة إيقاعيًا بعكس بعض ألحان الهجيني وجرّات الربابة التي تكون غير موزونة وأقرب إلى الموّال، ويكون الإيقاع الذي يرافقها صادر عن ضربات أقدام الراقصين، وهذا مثال واضح على الممارسات الإيقاعيّة التي سبق وأن قدمناها في بحثٍ سابق – بحث الممارسات الإيقاعيّة في الأردن – ، والتي تُستخدمُ فيها أساليب غير موسيقيّة لإصدار أصوات إيقاعيّة توضّح الوزن الموسيقي للغناء وتضبطه.

شعريًا : ككل الألوان الغنائيّة الأردنيّة، تتنوّع المواضيع والأشعار والأوزان الشعريّة تبعًا للمناسبة، وقد أبدى الإنسان الأردني عبر التاريخ سلوكًا فطريًا قلّ نظيره؛ وهو تطويع الأوزان الشعريّة والألحان بحسب المناسبة والوقت المعاصر، وهذا ما انعكس على الجوفيات تنوّعًا في المواضيع التي تتناولها أشعارها الغنائيّة. ومن خلال تحليل نماذج مختلفة من الجوفيات الشهيرة نجد في مفرداتها تنوّعاً يعكس انتشارها في مختلف المجتمعات البدوية والريفية والمدنية في الأردن، مع الأخذ بعين الاعتبار التداخل الكبير بين الأنماط الاجتماعيّة الثلاثة في الأردن. فتارة نجد تشبيهات مأخوذة من بساتين الرمّان والمشمش والتفّاح، وتارة نجد مفردات غزليّة تُبرز جماليّات اللباس البدوي.

نماذج

من الجوفيات الغزليّة التي انتشرت واشتهرت في الأردن، جاءت على شكل حوارٍ بين عاشقين، فتقول الفتاة :

يا نجم يلي بالسما واسمك سهيل .. بالله وان شفت الولف دلّه عليّا

قلّه المفتاح بطاقة البيت .. وان ما لقى المفتاح ينده عليّا

فيجيب الشاب :

ظلّيت أنادي وأطرق الباب بالسيف .. عيّوا يا باب هلك لا يفتحولي

وتسألني من هو اللي بالباب قلت ضيف .. ضيف يريد القرب لو تسمحولي

فتجيبه الفتاة :

يا من يقول لهلي عندنا ضيف .. ضيف يدوّر كحيلات العين

والله لافتح للواقف ورا الباب .. والله ولافتحو لو هلي قطّعوني

وبعد هذا الحوار يقوم الشاب بوصفها لصديقه قائلاً المقاطع الغنائية التالية الشهيرة :

وعيونها يا خوي وتقول تفّاح .. تفاحة على أمها مستوية

وعيونها يا خوي وتقول فنجان .. فنجان من القهاوي ممتليّة

ونهودها يا خوي وتقول رمّان .. رمّانة على أمها مستويّة

وقرونها يا خوي وتقول حنشان .. بأرض الفلا كن هاشن عليّا

كحل الغوا يا طير مسحون بالهاون .. مازون بالميزان ربع الوقيّة

ومن الجوفيات ذات الطابع الحواري ما جاء فيها نصيحة المجتمع للفتاة العزباء :

يا طايحة تغسّلي في اقصيبة الغليون .. لا تأمنّي للعزب ترى العزب مجنون

يا طايحة تغسّلي في اقصيبة المشمش .. لا تأمّني للعزب ترى العزب يكمش

فيعاتب الشاب الفتاة قبل أن تلقي بالها للنصيحة قائلاً :

والله لعاتبك ما انا عليك جاحد .. قلبي وقلبك سوا مفتاحهن واحد

يامن لقى محرمة بالسوق مرمية .. شريتها بأربعة وبرطيلها ميّة

فتصرفه الفتاة قائلة :

يا قويعدٍ ع الرّجم هيلك ينادونك .. قلبي يحبّك واهلي ما يريدونك

وش جيّب العبد يرقد بمنام سيده .. يستاهل الذبح وفوق الذبح قطع ايده

يا قويعدٍ ع الرجم تحتك نهر يجري .. انت سبب علّتي والناس ما تدري

ومن الجوفيات الغزلية ما جاء على لسان العسكريّ الأردني مخاطبًا صديقه ويبث له شكواه من الحب :

راكبٍ اللي كنّها رف القطاة .. شالت العدّات والعدّة قويّة

يابو فلان يا زبون الملزماة .. من يقولن للخوي خلّي خويّه؟

قاعدن بالدار لشوف البنات .. ما ركبت مدرّعة بأول سريّة

وان كان خِلّي صدّني يا كثر البنات .. مير عذر القلب والعلّة خفيّة

ومن الجوفيات التي يُعتقد انها قيلت في أواسط القرن الماضي، يتغزّل بها الشاعر في محبوبته التي من مدينة الفدين (المفرق لاحقًا) :

عيني ظبية ربّعت بأرض الفدين .. قادت الغزلان والرّيم تلتها

لي عشير ساكنٍ بأرض الفدين .. يا هنوه من هو ع الخيل طلبها

لي وصفة بعشيري شامتين .. ترفع العصبة والقذلة طرّفتها

ومن الجوفيات ما هو في مدح نسب وأصل الفتاة :

والشق اللي انبنى رنّت فناجيلو .. شيخٍ بلا عزوته قلّت مراجيلو

يا بنت شيخ العرب يا ام العبا الزرقا .. وأبوكِ شيخ العرب حاكم على البلقا

يا بنت شيخ العرب يا واردة الميّة .. وأبوكِ شيخ العرب حاكم على ميّة

ومن الجوفيات الحديثة التي يُلاحظ في مفرداتها تغيّر الوزن الشعري ودخول مفردات وتسميات لأزياء حديثة مثل “المكسي”، وفيها ما هو من الطرافة والفكاهة المعهودة عندما تتحدث الزوجة عن حماتها :

بالمكسي البنّي خشّي حارتنا بالمكسي البنّي

رايحة تجنّني أمك يا محمد رايحة تجنّني

بالمكسي الزيتي خشّي حارتنا بالمكسي الزيتي

خرّبتلي بيتي أمك يا محمد خرّبتلي بيتي

وهذا الوزن الشعري هو امتداد لجوفيّة قديمة تقول كلماتها :

ع الحجر برّا هيه يلّي قاعد ع الحجر برّا

والعيشة مرّة من بعد فراقك والعيشة مرّة

مشبوك بدبّوس طيرٍ بالسّما مشبوك بدبّوس

مبروك العروس يا بيّي “فلان” مبروك العروس

المراجع :

  • حجاب، نمر حسن، الأغنية الشعبيّة في عمّان، 2003، موسوعة عمّان التراثيّة (5)، منشورات أمانة عمّان الكبرى، عمّان، الأردن.
  • الزّعبي، أحمد شريف، الأغاني الشعبيّة الأردنيّة، 2015، وزارة الثقافة، عمّان، الأردن.