مدخل لعلم الفلك الشعبي الأردني

صورة مأخوذة لإحدى معالم مدينة أم الجمال الأثرية (الأردن-المفرق)، المصدر: ummeljimal.org

تمهيد

     يتناول هذا المدخل علم الفلك الشعبي الأردني، تمهيدا لعرض مقدمة تاريخية عن هذا العلم، وتكمن أهمية هذا التمهيد بأن يتكون عند القارىء رؤية عامة عن علم الفلك الشعبي الأردني؛ عمقه التاريخي وأهميته وأسباب الاختلاف في الحساب الفلكي الشعبي وبعض التعريفات المهمة حيث سيكون هذا البحث غرة سلسلة أبحاثنا التي تسلط الضوء على علم الفلك الشعبي الأردني.

مقدمة

 منذ بداية الوجود كان الإنسان على هذه الأرض وحيدا يواجه تقلبات الزمن والمناخ بدون مساعدة، تمطر بدون إنذار وتعصف الرياح على غفلة منهُ، عندها أصبح يفكر باكتشاف وسائل أو علامات أو دلالات تجعله جاهزا لاستقبال النشاطات المناخية كالمطر والعواصف، حيث لاحظ أجدادنا الأردنيون الأوائل كغيرهم من المجتمعات البشرية الأولى المجاورة أن لحركة النجوم وطلوعها وغيابها علاقة واضحة بتقلبات الفصول وتبدل أحوال الطقس، فأصبحوا يلاحظون العلاقة بين النشاط النجمي وظواهر المناخ والطقس، حتى قرر بعضهم عبادة النجوم تقديرا لتحكمها بالكون والمناخ مثل أم الليل والنهار (نجم الشمس)، ثم استمرت هذه المشاهدات والاستنتاجات بالتراكم لتكون معارف ينتج عنها علم قائم بحد ذاته إلى يومنا هذا.

بعض استخدامات علم الفلك عند الأردنين الأنباط – نظرة تاريخية

ساهمت آثار خربة التنور في فهمنا لطبيعة التقويم لدى الأردنيين الأنباط، فقد وجد علماء الآثار عدة رموز استخدمت كدائرة الأبراج zodiac، وتعبر الأبراج عن دورة الوقت عدا عن ارتباطها الوثيق بالآلهة، فالآلهة النبطية كانت مستقاة بشكل رئيس من أمرين هما السماء والدورة الزراعية، فنرى اللات شمسًا وآلهة خصب وقمح، ونرى مناة قمرا وآلهة موت وذبول ويكون ذو الشرى “آلهة الكروم”. ولهذا، كان الأردنيون الأنباط يحتفلون في مواسم معينة وفقا لما تحدده هذه الأبراج.

تمثال الأبراج النبطية في خربة التنور وتظهر نايكي ( تايكي ) آلهة الحظ والرعاية تحمل اللات وتطوقها دائرة الأبراج (Nabatean.net)

كانت الأبراج أمرا شهيرا وشائعا في الحضارة الرومانية، فتزدان الكنائس والقصور برسوم ونقوش لرموز الأبراج ولكن الأبراج الرومانية عكس عقارب الساعة (الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد، العذراء) ومن ثم (الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو)، على أن الأردنيين الأنباط لم يأخذوا الأبراج الرومانية على هيئتها تلك إنما كانت الأبراج النبطية مع عقارب الساعة إضافة لحملها رموز الآلهة النبطية الخاصة.

وجد علماء الآثار في موقع خربة التنور تمثالا يوضح ماهية الأبراج النبطية، فربة الحظ والرعاية “نايكي/ تايكي” المجنحة والتي يرجح أنها ذات الآلهة مناة تحمل اللات آلهة الشمس والخصب على يمينها سيف أو حربة كما ترتدي اللات إكليلا.

(Nabatean.net) صورة مقربة لدائرة الأبراج النبطية

تختلف بعض تصاوير الأبراج أيضا في الدائرة النبطية، فصوّر الأردنيون الأنباط برج القوس برامٍ شاب وفتي يحمل قوسا أو رمحا ويرجح أن هذا يرمز للآلهة الكتبا- الكتباي آلهة الكتابة والتجارة. كما صور الأردنيون الأنباط برج الجدي على شكل تمثال نصفي للإنسان على عكس التصوير التقليدي عند الرومان بسمكة أو جدي.

رسم يوضح تصور الأردنيين الأنباط لبرج القوس alrakia.com

وتتباين احتفالات الأردنيين الأنباط وفقا لهذا التقويم، فبها تحدد الأشهر الحرم ومواقيت الحج وطقوس القرابين والدعاء وأيضا للدلالة على مواعيد الحصاد والبذار.

نستنج مما سبق أن الأردنيين الأوائل وتحديدا الأردنيين الأنباط كانوا قد برعوا في مجال الفلك وغطى تميزهم على غيرهم لعدة أسباب أبرزها طبيعة الصحراء الجنوبية الأردنية التي غالباً ما تكون سماؤها صافية على مدار السنة تقريباً، وكانوا يستعينون بالنجوم خلال رحلاتهم في ربوع أرض الأردن، واستمر الأردنيون من سكان الريف والبادية إلى يومنا هذا بالاهتمام بحركة النجوم وتناوب الليل والنهار، ثم أصبحوا يراعون مصالحهم ويتعاملون مع ماشيتهم ويديرون مزارعهم وحقولهم بناءا على حركة النجوم والنشاطات الفلكية.

أهمية النجوم في حياة الأردنيين

عندما ينظر الإنسان إلى السماء في الليل المظلم ذو السماء الصافية سيرى أعداداً هائلة من النجوم تزين السماء، وللنجوم فوائد عدة استغلها الأردنيون منها على سبيل المثال لا الحصر: معرفة الأوقات من خلال نشاط نجم الشمس، أما النجوم الموسمية فأصبح الفلاح الأردني يستعين بطلوعها لتحديد بداية المواسم ونهايتها، والبدوي الأردني وظف النجوم في حياته من خلال الاستدلال بالاتجاهات خلال حله وترحاله وأيضا بداية ونهاية المواسم، ونذكر هنا أن الطب الشعبي وظف الفلك الشعبي لخدمته فأضحى الطبيب الشعبي ينتظر المواسم التي تنبت فيها بعض النباتات التي يستخدمها في علاج بعض الأمراض لقطفها ومن ثم تخزينها وبنفس السياق تُذكر الحجامة، التي تعتبر من أبرز أساليب الطب الشعبي الأردني فيعتمد تنفيذ الحجامة على المواسم والفصول وترتبط ارتباطاً وثيقاً بحركة القمر.

الاختلاف في الحساب الفلكي الشعبي وأسبابه

أهم أسباب الاختلاف في الحساب الفلكي بين شخص وآخر هو الاختلاف على وقت رصد النجم عند الطلوع فجراً (مطلع النجم) فمثلا هناك من يرى الثريا فجراً في الثالث عشر من أيار (مايو) وهناك من يراها في الثاني من حزيران (يونيو) فتختلف مطالع النجوم من مرصد لآخر (مكان الرصد) فقد تطلع النجمة الفلانية فجر اليوم في مكان معين وقد تكون طلعت في مكان آخر قبل عدة أيام، ومن المؤكد أن للحالة الجوية دوراً مهما في رؤية النجوم ومطالعها، فالجو المغبر والغائم حتما سيكون حائلا بين الراصد والنجم وسيصعّب عملية الرصد بشكل قد تصل فيه عملية الرصد للاستحالة، الجهل بأماكن النجوم وأشكالها ومطالعها هو السبب الرئيسي للاختلاف؛ فمن الممكن أن يقول أحدهم أن اليوم طلعت النجمة الفلانية لكنها تكون نجمة أخرى بسبب جهله وعدم معرفته بمطلع هذا النجم والظروف المصاحبة لطلوعهِ، ومن أبرز الحالات المماثلة لهذا الوضع هو هلال رمضان وأيضا نجم سهيل الذي أطلق عليه أجدادنا الأردنيون اسم (مكذب العّدادة) نظراً لتشابهه مع نجوم وكواكب عديدة في المطلع مثل نجم المحلِّف الذي سمي بهذا الاسم لأن ظروف طلوعه تشبه تماما الظروف التي ترافق طلوع نجم سهيل فيحلف الراصد أنه سهيل لكنه بالتأكيد نجم أخر.

واختلاف الروايات من الأسباب الرئيسية في اختلاف الحساب الفلكي فهناك من يعتبر نجم الإكليل علامة على دخول مربعانية الشتاء (أربعون يوماً من البرد القارص والصقيع تأتي في بداية فصل الشتاء) وهناك من يعتقد أن مربعانية الشتاء لا تدخل قبل قران الحادي عشر وهو طلوع نجم النعائم في فجر 28 من شهر كانون الأول (ديسمبر).

أما تشابه التسميات وتعددها فيسبب ارباكاً كبيراً للباحثين والمهتمين في مجال الفلك الشعبي ولذا يتحتم عليهم أن يتأكدوا من كل اسم أو مصطلح ودلالاته، فمثلاً هناك نجم الجدي وبرج الجدي ومدار الجدي.

تعريفات مهمة

علم الفلك الشعبي علم واسع حاله كحال أغلب العلوم الأخرى فهناك تعريفات تخص هذا العلم لا بد على الباحث أو القارئ أن يطلع عليها تمهيدا للتعمق فيه أكثر  :

طلوع النجم

لغة: طَلَعَ، ويعني الغياب، فيقال طلوع الشمس وعكسها غياب الشمس.

اصطلاحاً: للنجم عدة نشاطات على مدار السنة حيث الطلوع هو أحد النشاطات النجمية، إذا طلوع النجم هو إمكانية رؤية النجم بالعين المجردة فجراً لمدة 13 يوماً بعد أن كان غائبا لمدة 351 يوما (النجوم التي تطلع في منازل القمر ال28 تطلع لمدة 13 يوما ثم تغيب وتطلع مرة أخرى بعد 351 يوما وهو عدد ايام السنة ناقصا منها عدد أيام طلوع النجم فأيام طلوع النجوم الـ 28 مجتمعة يشكل 364 يوما).

غياب النجم

لغة: غَابَ، وهو عَدَمُ الْحُضُورِ، فيقال غاب فلان، وعكسها الحضور.

اصطلاحا: كما أسلفنا فغياب النجوم يسبق طلوعه ويلحقه أيضا، فإذا كان النجم من النجوم التي تطلع في منازل القمر الـ28 فيغيب تقريباً 351 يوما، وعادة مايغيب النجم في في بداية الليل، ونستثني من هذا النشاط النجوم دائمة الظهور.

سقوط النجم

لغة: سَقَطَ أي غَابَ فسقوط النجم يعني غيابه.

اصطلاحا: يختلف سقوط النجم عن الغياب بأن السقوط مجرد غياب مؤقت خلال فترة الطلوع، فعندما يطلع النجم قد يسقط أي يغيب لليلة أو أكثر ثم يعود ويعزى سقوط النجم لعدة أسباب منها الحركة الكونية وقد يؤثر الطقس أحيانا على رؤية النجم، فسقوط النجم هو عدم القدرة المؤقتة لرؤية النجم.

كنّة النجم

بحسب علم الباحثين فكلمة (كنة) ليس لها أصل باللغة العربية الفصحى، ويعزى هذا لأنها مفردة شعبية يقصد بها الوقوف المؤقت فيقال فلان كن عن العمل، أي يأخذ قِسطاً من الراحة فكنة النجم هي الفترة التي يكون النجم فيها غائبا (351 يوما في حال كان النجم يطلع في منازل القمر الـ 28) كما ذكرنا سابقا.

صورة مأخوذة لوادي رم ليلاً redbull.com.

المراجع

  • عبندة، علي، “الفلك والأنواء في التراث“، دار الفرقان للنشر والتوزيع،1998 .
  • العثمان، عواد ملهّي، “علم الفلك الشعبي وحساب المواسم والفصول“، دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، عمان-الأردن، 2018.
  • كرلونلينو، السنيور، “علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى“،منشورات وزارة الثقافة الأردنية/مشروع مكتبة الأسرة، 2018.
  • المؤمن، عبد الأمير،”الفلك والفضاء من الخرافات إلى تلسكوب هابل“،الدار الثقافية للنشر،2002.
  • أبحاث مؤسسة إرث الأردن” الطقوس النبطية: توليفة دينية ساحرة“.

المصادر

·   حلقة مسجلة لقناة الفينيق عن علم الفلك والفضاء، لدكتور الفيزياء الفلكية الدكتور حنا صابات.

مقابلة مسجلة لفريق إرث الأردن مع الباحث عواد العثمان عن الفلك الشعبي، بتاريخ 30-8-2018، الحلابات -الزرقاء – الأردن.