البطل العالمي الشيخ عودة أبو تايه

أهم معارك الحرب العالمية الأولى

أهم معارك الحرب العالمية الأولى

شكل العالم تغير للأبد بعد الحرب العالمية الأولى، الثورة العربية الكبرى احدى النقاط المحورية بمسار الحرب العالمية الأولى، عودة أبو تايه أحد أهم النقاط المحورية بمسار الثورة العربية الكبرى. نعم هو شيخ العشيرة الأردني الذي فرض بطولته على مسار العالم الحديث كما فعل جده الحارث الرابع من قبله.

 موقعك الطبيعي أن تكون في صف الثورة لانها ثورة كل الشرفاء العرب وأنت أول القادمين الى الوجه وسيكون وجه الثوار أبيض بعون الله. وأول الغيث قطرة

بهذه الكلمات صدح فايز الغصين القائد العسكري في منطقة الوجه حيث معسكر قوات الثورة العربية الكبرى بقيادة الأمير فيصل بن الحسين لحظة وصول الرمز الراحل عودة أبو تايه وأبناء عمومته ليعلنوا انضوائهم تحت لواء النهضة للتخلص من قرون الظلام التي سادت تحت حكم الاحتلال التركي العثماني. فعند قدومه إلى معسكر الأمير فيصل في منطقة الوجه، وعند تقديم الطعام قام بتكسير طقم أسنانه الذي صنعه الأتراك أمام دهشة الحضور قائلاً: لن آكل طعام الأمير قائد جيش الثورة بأسنان تركية، وهو طقم اسنان أمر بصنعه له جمال باشا السفاح طلباً لود الشيخ عودة وعشيرته الأردنية،  فكان الراحل أول الغيث الأردني في وابل مطر فرسان العشائر الاردنية الذين انهمروا أرتالا ليختموا فصلا طويلا من الثورات الصغرى ضد المحتل التركي بدُرة تاج التحرير الوطني “الثورة العربية الكبرى”، وهذا ما كان للأردنيين تحت الراية الهاشمية ونتيجة لفزعة العشائر الأردنية وأولهم الشيخ عودة أبو تايه.

أقدم صورة لحملة الراية الهاشمية بالأردن يحملها فرسان قبيلة الحويطات

أقدم صورة لحملة الراية الهاشمية بالأردن يحملها فرسان قبيلة الحويطات

“أبو عناد” كان أول رسائل الاردنيين للانجليز قبل الأتراك بأن العشائر الأردنية تعلم جيدا ما تبغيه من حلفها المؤقت معهم  ضد الاحتلال العثماني وحلفائه الألمان والنمساويين بعد وضعه وتطبيقه لاستراتيجية تحرير العقبة التي دقت أول مسامير نعش الاحتلال العثماني في الأردن وكانت موضوع مراسلات كافة السفارات الأجنبية المذهولة بالمنطقة. حيث أدرك على اثرها الانجليز أنهم أمام ذكاء المقاتل الأردني الفطري وأن بقائهم لن يطول بعد انجاز الأردنيين حاجتهم من الحلف.

 سجل أخو عليا أول حروف البيعة الأردنية للراية الهاشمية الحاملة لمشروع النهضة الأردنية لتعود منارة مشعة عالمياً، كما كانت بعهد الأجداد المؤابيين والأنباط والغساسنة، والتي أتم كتابتها طوابير فرسان العشائر الاردنية ليمهروا بدمائهم الزكية العقد الوجداني مع الهاشميين بوحدة الهدف والمصير والمنظومة القيمية الوطنية العليا.

سياق الطموح وحتمية الموقف

هو الشيخ عودة بن حرب بن صباح بن فرج بن محمد بن فرج ويعد الجد الأخير محمد أبو تايه بن فرج المؤسس لعشيرة التوايهة (أبو تايه) من قبيلة الحويطات الأردنية العريقة حيث مضاربها في جنوب الأردن، وبين جبال الشراه الشامخة بتاريخها المحوري عالمياً ولد الراحل العظيم في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي أقرب تقدير عام 1870.

13072022_873890642756065_61028850_o

الحويطات أسوة بغيرها من القبائل والعشائر الأردنية تكيفت مع حالة الاحتلال التركي الذي استمر لأربع قرون من الاضطهاد والقمع والتجهيل عبر التحول من حالة الحضر والاستقرار الى البداوة والترحال لسببين، الأول، كنتيجة حتمية لمقاومة دفع الضرائب الجائرة بلا أي مقابل أو تمثيل ناجع والتي كانت تبدأ ب25% على الدخل وتصعد بحسب أهواء السمؤول المحتل. هنا وعلى سبيل المثال تجد تراجع لعدد المنازل الدافعة للضرائب الجائرة بالسلط من 519 منزل ل105 منازل خلال 70 عام كما تلخيص بحث سابق بالصورة المجاوزة. أما السبب الثاني فهو نتيجة لانعدام امكانية الاستقرار لتكرار عمليات الهدم الممنهج والتدمير المبرمج الذي انتهجته سلطة الاحتلال التركي ضد أي ثورة صغرى أو حركة احتجاجية وبشكل جماعي لكل بناء حضري على أرض الأردن كما حصل بالكرك عندما هدم ما يزيد عن 500 منزل دكت بالمدافع بثورة عام 1910 وخلال موسم الثلوج. فكما سلف، أصبحت العشائر دائمة الحركة في المنطقة، من خلال بيوت الشعر، التي تنصب في منأى عن يد قوات الاحتلال التركي وحيث الكلأ والماء، فبلور الأردنيون ضمن ذلك أسلوب حياة بدوي متكامل مع منظومة ثقافية عشائرية جمعية بقوانينها المحكمة وباعتماد على الترحال الموسمي ككتلة جمعية بمصير مشترك وذلك قبل مجيئ جباة الضرائب وقطعان الحراسة المصاحبة لهم وبحسب تعاقب الصيف والشتاء. لذا وتكيفاً مع حالة الاحتلال الطويلة منح الأردنيون أنفسهم بعودتهم للبداوة القدرة على المناورة في صراع البقاء والمقاومة للاحتلال بعد ان لمسوا أن تاريخهم الطويل يتم ابتلاعه وهدمه بصورة ممنهجة تفصلهم عن حضارتهم العميقة بالتاريخ ليسهل السيطرة عليهم تحت ستار التجارة بالدين التي حملها الأتراك على مدى اربع قرون والتي لم تقدم للأردن وأهله سوى الفقر والتدمير والتخريب وسرقة حضارتهم، فتراكمت الثورات الصغرى التي خاضوها توقا للانعتاق حتى توجوها بخوض ثورة العربية الكبرى تحت راية الهاشميين الذين وحدوا الأردنيين وقادوهم للنصر ولتحقيق المشروع النهضوي العظيم.

بوصلة تشير لدرب الشرف الوطني

برز “صقر الصحراء” كما وصفته العديد من الجرائد العربية والأجنبية كرقم أردني صعب في معادلة الحرب العالمية الأولى كاملةً فلولاه لضعفت الثورة وتأخرت بأقل تقدير ولولا الثورة العربية الكبرى لتغيرت كل مجريات الحرب العالمية الأولى ولهذا تجده بالاسم بالعديد من مراسلات السفارات العالمية بالمنطقة وموضع نقاش قادة أقطاب القوة العالمية بوقتها.

الشيخ عودة أبو تايه متوسطاً أقاربه

الشيخ عودة أبو تايه متوسطاً أقاربه

تميز بحكمته وحنكته، التي ارتوى بها بشكل طبيعي كسيد عشيرته، كما اشتهربكرمه الذي كان على حساب حاجته حتى وصف أن كرمه أورثه فقر المال ولكن عطاؤه أعطاه غنى النفس وثراء السيرة التي يتداولها الأردنيون الى اليوم فارتقى من شيخ العشيرة الكريمة الى مرتبة الرمز الأردني الوطني حيث بوصلة الأردن هي الأولوية وتتساقط أمامها المصالح الشخصية لتحقيق المصلحة الوطنية العليا المخططة من القيادة الهاشمية الأمينة.

نشرت جريدة (القبلة) في عددها 130 نقلا عن جريدة (المقطم) المصرية أن جمال باشا السفاح أرسل رسالة الى الشيخ عودة يطلب منه أن يظهر طاعته للأتراك مع الوعد بأن يجعله (ممتازا بين مشايخ العرب والعشائر اذا ألقى عودة ابو تايه القبض على الشريف ناصر) فأجابه أخو عليا (ان قتال الاتراك أصبح واجباً وطنياً وان عليكم أيها الأتراك أن تجلوا عن أرض الأردن وكافة بلاد العرب).

قائد العثمانيين الألماني أوتو ليمان فون ساندرز (Otto Liman von Sanders)

قائد العثمانيين الألماني أوتو ليمان فون ساندرز (Otto Liman von Sanders)

  وحاول الاحتلال التركي استدراجه الى سجن معان سيء الذكر لسلب عودة ابو تايه ماله تحت ذريعة الضرائب التي اعتاشوا عليها وأمضو يصرفونها ببذخ على الحرملك والجواري باستنبول بينما يترك الأردنيين للجوع والظيم والقهر بعد أن يدفعوا ربع ما يملكونه كحد أدنى من ضريبة الدخل. فكان أن حاول عدد من جنود الاحتلال سوق الشيخ عودة ابو تايه الى معان حيث حاميتهم التي يدرعون بها وسجنهم مقر جرائمهم هناك ليجبروا الراحل على دفع الضريبة وسلبه فلما أدرك الحيلة أبى عودة الامتثال للترك فصوب الجنديان الأتراك عليه فأخطاءاه لسرعة حركته الفطرية، وبسرعة الفرسان رد عليهما بغيهم وغدرهم له فأرداهما قتيلين وفر الباقون.

منذ ذلك الحين لم يدخل الراحل معان حيث حامية الاحتلال تتكتل وتتربص به وبالأردنيين الأحرار الذين حسموا أمرهم مع المحتل المتاجر بالدين. تحولت حادثة الغدر

ومحاولة جلب الراحل عودة الى سجن معان الى وبال على المحتل التركي فتحول كل جندي تركي محتل الى هدف لنيران فرسان العشائر وباتت حرب استنزاف مشابهة للنموذج الايرلندي أذيق فيها المحتل التركي الأمرين لدرجة أن مراسلات الألمان والنمساويين من سجن معان كانت دائم تدل على خوفهم الخروج منه الا بحراسة مشددة.

وصف المطران بولص سلمان الراحل عودة ابو تايه في كتابه (خمسة اعوام في شرق الأردن ) قائلاً: “انه من أقوى الزعماء في الحويطات وأغناهم وأوسعهم ملكاً وله مواش وخيول وبيوت، رجاله سبعة آلاف والمسلحون عددهم اربعة آلاف ولهم سطوة ودولة ويسكن في قرية تدعى (الجرباء).

أبوتايه والتاريخ العالمي

 وعندما ظهرت الفرصة التاريخية بتكليل ثورات الأردنيين عبر القرون والوصول لانعتاق الأردنين من نير الاحتلال التركي، طوع عودة ابو تايه كل امكاناته في هذا السبيل وهو ما انسحب على باقي شيوخ العشائر الأردنية وفرسانها بعد ان أعلنها الشريف الحسين بن علي مدوية (طاب الموت) فطاب موت الأردنيين في سبيل استقلالهم وحريتهم وفي سبيل ردم فجوة التاريخ التي امتدت لأربع قرون وفصلت بين كل حضاراتهم ومستقبلهم ونهضتهم ليعيدوا عربة النمو الوطني الى مسارها الصحيح .

الشريف ناصر و الشيخ عودة أبو تايه في مضارب الحويطات أثناء التخطيط لعمليات الثورة و حشد العشائر الاردنية

الشريف ناصر و الشيخ عودة أبو تايه في مضارب الحويطات أثناء التخطيط لعمليات الثورة و حشد العشائر الاردنية

فبعد لقائه للأمير فيصل بدأ العمل على الفور بالتهيئة والاستعداد والتعبئة للمعارك الفاصلة في تاريخ الأردن الحديث وفي اليوم التاسع من أيار 1917 غادرت الحملة سالفة الذكر عن (الوجه) باتجاه الشمال الشرقي للأردن وعبرت خط سكة حديد القطار العسكري ثم عبرت سهل (الحول) ووادي (فجر) ومنه اتجهت الى (عرفجة) في وادي السرحان عبر سهل (البسيطة) الواسع ومنه اتجهت الى سهل العيساوية ومن العيساوية انقسمت الحملة الى فريقين:

-الفريق الأول بقيادة الشيخ عودة

-الفريق الثاني بقيادة الشريف ناصر

 وكانت الخطة تقضي بتوجه الشيخ عودة الى مضارب الشيخ نوري الشعلان وولده الشيخ نواف كما نشرنا سابقاً.

بعد أيام قليلة تم جمع الشمل من جديد في وادي السرحان وتحركت الحملة من جديد من (عقيلة) الى جراجر – باير – الجفر – الغويلة – غدير الحاج – أبو اللسن – مريغة – وهيدة – نقب اشتر – القويرة – وادي اليتم – بير الخضراء – العقبة .

لقد حققت الحملة نجاحاً باهراً واستقطبت المئات من فرسان العشائر الأردنية وهيأت بذلك الظروف الملائمة لاجتياح المناطق المذكورة عسكريا، وتفوق نداء الواجب للتطوع للثورة العربية الكبرى بكل بساطة انتقاله بين مضافات شيوخ الأردنيين وفشلت الدعاية العثمانية ومهندسينها من ألمان ونمساويين والتي كانت تزعم أن ألمانيا والنمسا جاءت لنصرة الإسلام وحماية الخلافة الاسلامية من أهل الكفر، وهي التجارة بالدين التي مارسها المحتل التركي على مدى قرون دون جدوى.

شارك الرمز الوطني في تحرير العقبة والطفيلة ومعان وتطهيرها من صلف الاحتلال وكانت الضربة الخاطفة والحازمة التي قدمها في استراتيجية تحرير العقبة الأردنية احدى أهم نقاط التحول بتاريخ الثورة العربية الكبرى فدارت دائرة المعارك لصالح الفرسان ارتكازا على مخطط الزمن الذي أدركه الشيخ عودة وكانت النتيجة جلية بسوق المئات من قطعان الأسرى من قوات الاحتلال العثماني ومن والاهم من ألمان ونمساويين أمام طوابير الأحرار من فرسان العشائر الأردنية وقوات الثورة العربية الكبرى. وتعد معركة العقبة والاستراتيجية المتبعة خلالها احدى أولى المؤشرات التي تلقاها الانجليز قبل الاتراك بأن فرسان العشائرالأردنية يعلمون جيداً ما يبغونه من الحلف الآني مع الانجليز في الحرب العالمية الأولى ضد الأتراك والنمساويين والألمان  وبأنهم أمام حليف يجدر الحذر منه.

12792139_1718532285059217_8454549711409586541_o

تكريم الشريف الحسين بن علي للفارس البطل عودة أبو تايه لقاء بطولته في معارك تحرير العقبة

لم يتوقف دور الاردنيين على تحرير مدنهم وتطهيرها من قطعان الاحتلال التركي والألماني والنمساوي بل امتدت اياديهم الخيرة لتحرير دمشق وحلب وكان لفرسان العشائر الاردنية الفضل بتحرير سوريا وكان الشيخ  الراحل عودة ابو تايه على رأس قائمة الأبطال الأردنيين الذين دفعوا وبذلوا في تحرير سوريا من الاحتلال وزرع راية الثورة في قلبها لينبض بحرية بعد الاحتلال العثماني لها وبعد 70 عام من مذبحة دمشق التي أراقت بها قطعان القوات العثمانية دماء عشرات الآلاف من أبناء دمشق الجارة.

سجل الشرف

ويمكن سرد أهم المعارك التي شارك بها الراحل في رحلة التحرير والثورة العربية الكبرى بما يلي حسب التراتب الزمني:

  • في 9 ايار1917 توجهت حملة بقيادة عوده ابوتايه من الوجه، وعند عبور الحملة لخط سكة حديد القطار العسكري قامت بنسفها وابطال فعالية الاتصال الهاتفية بين القيادات الألمانية وباقي قوات الاحتلال العثماني.
  • تحرير ابو اللسن، وهيده، المريغه، القويره، كثيره، والخضره في طريقهم إلى العقبه.
  • تحرير ثغر العقبه يوم 6 تموز 1917
  • تحرير محطة جرف الدراويش.
  • تحرير الطفيله بقيادة الأمير زيد بن الحسين يوم 25 كانون الثاني 1918
  • تطهير 80 ميلا من خط سكة حديد القطار العسكري إلى الجنوب من معان في شهر نيسان 1918
  • تطهير خط السكك حديد القطار العسكري بين درعا ودمشق يوم 17 أيلول 1918
  • تحرير محطة الغزاله
  • تحرير محطة درعا
  • تحرير مدينة دمشق يوم 1 تشرين الأول 1918
  • تحرير حلب يوم 22 تشرين الأول 1918

بكل هذا الإرث البطولي بات تاريخ عودة ابو تايه مطمعاً للتزوير والنهب فحاول لورنس أحد ضباط الأنجليز مدعماً بآلة اعلامية متقدمة تطويب تاريخ عودة لمصلحته  فأخذ يذيع في اوروبا بعد انتهاء الحرب انه اي لورنس قد وضع الخطط لفتح العقبة وقام بتنفيذها وقام بترويج ذلك بشكل هوليودي انطلى على الأجيال التي لم تعاصر بطولة أجدادهم ولم يعوا قرابين الشهداء التي بذلت على درب الاستقلال الأردني.

النضال السلمي

بعد مشاركة الراحل عودة ابو تايه وفرسان العشائر الأردنية في تحرير حلب بعد دمشق أعلن الأتراك استسلامهم وخضوعهم النهائي وأيقن الأردنيون أن الاستقلال الأولي من المحتل التركي قد بدأ، وباتت المعركة مع الانجليز على الأبواب لتحصيل الاستقلال النهائي والتام.

موسيقات قوات الثورة العربية تستعرض بعد تحريرها دمشق

موسيقات قوات الثورة العربية تستعرض بعد تحريرها دمشق

اختار الأردنيون  لهذه المرحلة عنوان الكفاح السياسي السلمي ضمن رؤية استراتيجية عميقة ترمي الى الحفاظ على ما تحقق وتمتينه كي لا تذهب التضحيات العظيمة التي بذلها الشهداء الأردنيون من فرسان العشائر وامهروها بدمائهم مع الريح، خاصة وأن أهل الأردن قد عانوا الأمرين خلال الأربعة أعوام من الحرب العالمية الأولى وما جرى خلالها من مصادرة محاصيلهم على يد العثمانيين وما نتج عن القصف الجوي الألماني والانجليزي لمدنهم.

وهكذا كان ونجح الأردنيون بتجاوز اختبار الحكومات المحلية والتفوا تحت الراية الهاشمية في الوقت الذي بدأت الاضطرابات تعود مع الاصطدامات في الدول المحيطة للأردن وبدأ النزوح الى الأردن من دول الجوار فوصل للأردن الفارين من سوريا ومنهم: رشيد طليع، عادل أرسلان ابن عم مظهر أرسلان، وكامل القصاب، وحسن الحكيم، وخير الدين الزركلي، ورشدي الصفدي، ونبيه العظمة، وعادل العظمة، وسامي السراج، وفؤاد سليم، وبذات التوقيت فر أحمد مريود ومجموعة ترافقه ولجأ الى قرية كفرسوم الأردنية واحتمى بعشيرة العبيدات الأردنية.

خرجت في الأردن مظاهرات في آب 1921 قادها الراحل عودة أبو تايه وسعيد خير وعدد من شيوخ الأردن، أمر فيها مظهر أرسلان المفروض من الانجليز على الحكم الناشئ اطلاق الرصاص على المتظاهرين، مما أدى الى دفاع شيوخ العشائر عن أنفسهم وابعاد نيرانهم عن الأردنيين واستهداف رأس المخطط قائد القوات الانجليزية فريدريك بيك شخصياً والذي تصاوب ونجى بأعجوبة بمعاونة فؤاد سليم السابق الذكر. فشنت حملة اعتقالات واسعة من قبل الانجليز اعتقل فيها علي خلقي الشرايري وصالح النجداوي وتوفيق النجداوي وهم ضباط أردنيون كانوا يعون مخطط الانجليز ورجلهم المفروض على الحكم الناشئ، وعاد عودة الى مضاربه عند جبال الشراة.

في ظل خيار النضال السلمي الاستراتيجي باتباع الدبلوماسية لتحقيق الغاية الأهم وهي الاستقلال النهائي ازداد تعقيد المعادلة. وفي تشرين أول غادر الأمير عبدالله في رحلة دبلوماسية لتمهيد سعي الأردنيين نحو استقلال معترف به دولياً. فاستغل مظهر أرسلان وزير الداخلية في حينها غياب الأمير عبدالله وبعث بدعوة عاجلة الى الراحل عودة أبو تايه باسم الحكومة للحضور الى عمان فلبى الشيخ عودة الدعوة بحسن نية.

ولحظة وصول الشيخ عودة بكل حسن نية لطي صفحة المظاهرة، غدره مظهر أرسلان وسلمه للانجليز الذين نقلوه على عجل الى سجن السلط ظناً منهم أنهم بذلك يعزلون الشيخ عودة في مكان قصي عن أهله. وفي السلط تجسدت الروح الأردنية وكان الفارس الشيخ عبدالله الخطيب قد استبق الأحداث ووضع خطة لإخراج الشيخ عودة فقام وبمعاونة فرسان السلط بخلع قضبان السجن وكانوا قد جهزوا (الكحيلة) وهي فرس عربية أصلية تسابق الريح أهداها شيخ من النهار المناصير من بني عباد .

واكتملت الروح الأردنية عندما لحقت قوة عسكرية قوامها 150 جندي بقيادة اللواء الراحل محمد علي العجلوني، وهو الفارس النبيل وأحد أهم رجال الثورة والوطنيين  الأردنيين الذين قادوها، حيث أقنع العجلوني أرسلان والانجليز من خلفه أن أبو تايه وفرسان السلط ممن رافقوه لن يذهبوا جنوباً مروراً بمضارب بني صخر وذلك لوجود فتنة سابقة أحدثها العثمانيين بينهم وأنهم سيسلكون الطريق الشرقي باتجاه مضارب بني حسن حيث (الشيخ ابن قلاب فزعة السلطية ) حيث تحالف السلطية التقليدي ضد فتن العثمانيين سابقاً، وذلك بالتنسيق مع شيوخ بني صخر وعلى رأسهم الشيخ مثقال الفايز والشيخ عضوب الزبن. وعلى ذلك راوغ العجلوني في مهمته ووجه القوة باتجاه مغاير ولم يحاول اللحاق بعودة ليسقط مؤامرة مظهر أرسلان الذي كان يرى بالوطنيين الأردنيين خطراً على شرعية وجوده.

استقبل الشيخ عودة أحشم استقبال في مضارب بني صخر حيث تجسدت الروح الوطنية وتم تأمين طريقه للعراق حيث طلبه الأمير فيصل بن الحسين واقتطع له من الأرض ما يليق به يسكنها حتى عودة الأمير عبدالله من جولته العالمية واكتشافه لمؤامرة الانجليز وأزلامهم وذلك لتعذر الاتصالات السريعة بوقتها. وعندما علم الشريف حسين بن علي بخبر القبض على الشيخ عودة غضب وطلب لقاءه وكان عودة يقيم في ضيافة الأمير فيصل بن الحسين في العراق فعاد الشيخ عودة مكرماً الى وطنه الذي أفنى عمره في الكفاح لاستقلاله من حرب الاستنزاف الذي أعلنها هو على العثمانيين وصولاً للثورة العربية الكبرى الذي أعلنها الشريف حسين من مكة. 

خلود الروح وذهاب الجسد

أبو عناد ابن الصحراء النبطية وصقرها

أبو عناد ابن الصحراء النبطية وصقرها

وفي عام 1924 اشتدت وطأة المرض على الراحل عودة ابو تايه إذ كان يشكو من ورم خبيث وقرحة في المعدة، فسافر للعلاج إلى مصر، ثم عاد إلى القدس فأجريت له عمليه جراحية. وتوفي في عمان ليلة الثلاثاء في 22 تموز 1924 ودفن فيها بتشييع رسمي كبير وحداد شعبي شمل جميع المناطق، ونعته الصحف العربية في الشام والعراق والاردن والحجاز ومصر .

كتب محمد الشريقي في جريدة الشرق العربي وهي الجريدة الرسمية للحكومة الأردنية في حينها مودعا الراحل الكبير الشيخ الفارس عودة ابو تايه قائلاً:

“كان شجاعاً في القول والعمل، ذكي الفؤاد، كان نموذجأً للبطولة الفطرية …إن عودة لا يُسْتَذَل”


المراجع:

  1. صور من البطولة ، سليمان الموسى ، المطبعة الهاشمية ، عمّان ، 1968 ، ص 37 -58
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.
  4. احسن الربط في تراجم رجالات من السلط ،د.هاني العمد،2007