الحداء

ثلاثة من نشامى قوّات البادية الملكية يعتلون ظهور الإبل

مقدمة

الحداء لغةً واصطلاحًا هو صوت الغناء للإبل، وهو لون غنائي موجود في البادية الأردنيّة منذ القِدم، ويُعتبرُ مثالاً واضحًا على ارتباط النشاط الموسيقي بنشاطاتٍ أخرى وتداخله معها، فالمضمون الإيقاعيّ لمعظم ألحان الحداء تأتي منسجمة مع الطبيعة الحركية للإبل والخيول التي استخدمها الأردنيون منذ زمن بعيد للتنقّل. لذلك يرى الباحثون أن هناك فرقًا في الروح الإيقاعيّة للحداء بحسب ظروف الأداء والطبيعة الحركيّة التي تختلف عند استخدام الخيول عن ظروف الأداء على ظهور الإبل، ولكن الأصل في الحداء أنه الغناء الذي يُنشد فوق ظهور الإبل.

الخصائص الفنيّة

الحداء هو مقاطع شعريّة باللهجة الأردنية تمتاز بسهولة المفردات وبساطة البناء الشعريّ، تُغنّى على ألحانٍ غنائية رشيقة سهلة الحفظ والترديد وحيوية الأداء، فتكون الحداءات عبارة عن مقطوعات غنائية قصيرة تتكوّن من بيتين لهما قافية واحدة تتغيّر بتغيّر المقاطع، فيما يحافظ اللحن على محتواه طيلة الغناء. غالبًا ما يربط الحداء بمعانٍ وأفكارٍ مؤثرة وخصوصًا تلك التي ترتبط بالحماس والتفاخر والتغنّي بالذات والأهل والوطن. ومن مظاهر اهتمام الأردنيين بالحداء واستحضاره حتى في الأدبيات الهامّة ما جاء في قصيدة الشاعر الكبير عرار – مصطفى وهبي التل :

يا حادي الرّكب قف واصمت على مضضٍ … فالرّكبُ تحدوه سعلاة تحداني

مناسباته

كغيره من ألوان الغناء البدوي مثل الهجيني، فإن الحداء معروف عند الأردنيين في الريف والبادية على حدٍّ سواء، واهتموا به اهتمامًا خاصًا يعكس مكانة هذا اللون من الغناء الذي يعبّر عن تجذّرهم وارتباطهم التاريخي بالأرض، وعليه فقد انتشر الحداء في مختلف الأوساط الأردنيّة وتنوّعت استخداماته في المناسبات المختلفة.

فقد قيل الحداء غناءً في لحظات المعارك للتغنّي والتفاخر وشحذ الهمم، وفي إطار الفروسية وسباق الخيل، ومن مثال ذلك :

يا يُمّه غذّي مهيرتي .. تسلم وأنا خيّالها

لاشري لها شرشف حرير .. ريش النعام قذيلها

أو

يا شيخ ما جنّك علوم عن عركة صارت شمال

تعلّقت قبل الضّحى وما فكها كود الظلام

ويمكننا القول أن الحداء هو غناء للعمل الجماعي، سواء أكان ذلك العمل في المعارك أو التدريب على الفروسيّة وسباقات الخيل أو حتى في الحصيدة، لذا فهو في الغالب يحمل طابعًا حماسيًا لشد انتباه المجموعة وتركيزها في لُب وجوهر العمل الذي تقوم به.

وكان الزواج أيضًا من المناسبات التي استخدم فيها الأردنيون الحداء، فكما هو معروف؛ أن مراحل الزفاف الاحتفالية عند الأردنيين تتم على مراحل متدرّجة بدءًا من الجاهة ووصولاً إلى انتقال العروسين إلى بيت الزوجيّة، ومرورًا بالسهرات المتنوّعة وإقامة الولائم وليلة الحنّا وحمّام العريس والفاردة، وهذه المراحل كانت تمتد لعدّة أيام سابقًا، ولكل واحدة منها طقوس خاصة ترافقها أغانٍ من نوع خاص. أما الحداء فيغّنيه الأردنيون في آخر مراحل الزفاف بعد إقامة الدبكات الاحتفالية في الساحات والبيادر، ينتقل موكب العروسين إلى عش الزوجية على أنغام الحداء ذي الوزن الثلاثي، بإيقاع منضبطٍ متوسّط السرعة يضبط مسير الموكب والحشد المشارك في الزفاف.

ومن أشهر حداءات الزواج في الأردن :

عريسنا زين الشباب .. زين الشباب عريسنا

وهي مبنيّة على ألحانٍ عدّة، منها لحنٌ تم استخدامه في مسرحية برجاس التي كتبها الشاعر الأردني حيدر محمود ولحّنها الموسيقار اللبناني زكي ناصيف، في المشهد الراقص الذي يمثّل مناسبة الزواج وتقاليده الغنائية. كما أن ذات اللحن استخدمه الأخوان رحباني في فيلم سفربرلك الذي يوثّق همجية الاحتلال العثماني، بصياغة شعرية أخرى.

المراجع :

  • غوانمة، محمّد، الغناء البدوي في الأردن، 2009، دراسة، جامعة اليرموك، إربد، الأردن.
  • العبّادي، أحمد عويدي، المناسبات البدوية (سلسلة من هُم البدو 3)، 1979 الطبعة الأولى، دائرة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام الأردنية.
  • حدّاد، رامي، والدرّاس، نبيل، المضمون الموسيقي للحداء، دراسة، الجامعة الأردنية، عمّان، الأردن.