الشهيد هزاع المجالي

a5adaebbea7d11c56780e8f4393e9efa

د.رحيل محمد غرايبة

انطلق صوت الإعلامي الأردني «صلاح أبو زيد» عبر أثير الإذاعة الأردنية الفتية ظهر يوم الاثنين 29/آب /1960، ينعى إلى الشعب الأردني والأمة العربية «دولة السيد هزاع المجالي بالعبارة المشهورة : «بورك الدم يا كرك …..» وانطلقت زغاريد الأردنيات في الكرك وسائر المدن الأردنية، وهرعت الجموع تصرخ «بورك الدم يا كرك» على إثر إذاعة الخبر من وسيلة الاتصال الوحيدة آنذاك، ليسطر هزاع اسمه في سجل قائمة الشهداء، ويحتل مرتبة متقدمة في قائمة الشرف الأردنية.

ولد هزاع المجالي في أواخر عام (1919) في «ماعين» في مضارب أخواله من دار أبو وندي، وتخرج من ثانوية السلط ليعمل في دائرة الأراضي والمساحة، ثم التحق بمحكمة صلح مأدبا كاتباً لها، ثم اختار دراسة القانون في جامعة دمشق وتخرج منها وعمل في تشريفات الديوان الملكي.

استطاع هزاع المجالي أن يفوز بالانتخابات النيابية عن منطقة الكرك عام (1951م) ثم فاز مرة أخرى عام (1954م) واستلم حقيبة وزارة الداخلية، ثم شكل الحكومة الأولى عام (1955) التي لم تدم سوى ستة أيام، ثم عاد لتشكيل الحكومة الثانية عام (1959م).

معظم الذين تعرفوا على الرجل وكتبوا عن سيرته أجمعوا على تميزه وتفوقه ورجولته وشجاعته الاستثنائية، ووصفوه بأنه كان عروبياً حتى العظم، وفي الوقت نفسه كان أردنياً حتى النخاع، كما كان سياسياً ذكياً بارعاً ملماً بالمشهد المحلي والإقليمي والعالمي، وكان على إطلاع تام إزاء ما يتم تدبيره للمنطقة وللأردن على وجه الخصوص، ويبدو أنه أجاد قراءة المشهد بدقة إلى تلك الدرجة التي شكلت عاملاً من عوامل القلق والازعاج لأولئك الذين امتهنوا التخطيط في الظلام وفي غيبة الجماهير من أجل السيطرة على المنطقة، فكان ذلك بنظر المحللين والمراقبين السياسيين سبباً وجيهاً للتخلص منه، حيث تم تدبير اغتياله عبر تفجير دار رئاسة الوزراء، ابتداءً من مكتبه، وكان على موعد مع الشهادة صباح يوم الإثنين 29/آب 1960م.

الشهيد هزاع المجالي أحد رجالات الأردن المعدودين، الذين رفعوا اسم بلدهم، وضحوا بدمائهم من أجل إتمام بناء الدولة الاردنية وترسيخ وجودها، وتطوير مؤسساتها، ومن أجل الإسهام في حفظ منجز الأردنيين جميعاً، وحفظ مؤسسات الشعب الأردني الأصيل، في ظروف صعبة بل من أشد ظروف الأردن خطورة وتهديداً.

من حق الأجيال الجديدة أن تقرأ تاريخ الأردن بعلمية وموضوعية، وأن تتعرف على سيرة النفر الأوائل من الرجالات الذين أسهموا في بناء الدولة الأردنية الحديثة لبنة لبنة، حيث يقع هذا العبء على وزارة التربية والتعليم في إدخال مساق تاريخ الأردن في مناهجها، حتى لا يبقى الجيل مضللاً، وحتى لا يبقى تاريخنا يُروى على شكل انطباعات وآراء وضلالات متباينة ومتناقضة؛ خاضعة لآراء رواتها وأفكارهم وميولهم السياسية المتوزعة على الدول والأقطار المختلفة، التي خضعت لدورات انقلابية ونظم سياسية متغيرة.

لقد ظلم الأردن مرتين، مرة على يد بعض أبنائه الذين مارسوا العقوق والاجحاف بحق وطنهم ودولتهم، عندما أصبحوا يرددون مقولات ممجوجة ومعزوفة مخروقة تقوم على أن الأردن صنيعة (سايكس بيكو)، وأنه كيان وظيفي، فعطلوا قدراتهم وقدرات كثير من الأردنيين عن الانخراط في معركة البناء الايجابي، وقدحوا في هويته الوطنية، وخرقوا قدسية الانتماء الوطني لترابه المبارك، وتناسوا أن هذه الصفة تنطبق على بقية الأقطار الشقيقة تماماً، وظلم مرة أخرى على يد بعض الأشقاء العرب الذين أوغلوا في العداء والتآمر على هذه الدولة الناشئة ومحاصرتها في أكثر من ظرف تاريخي حرج.

ولذلك ينبغي أن يتم الاعتراف بالفضل والتقدير لكل الذين أفنوا حياتهم في خدمة بلدهم وشعبهم، وأسهموا في عملية بناء الدولة وبناء مؤسساتها، والعمل على توفير أسباب الحياة الآمنة والمستقرة لهذه الأجيال، لتبق على مدار التاريخ واحة وارفة، ومحضناً دافئاً لكل المشردين واللاجئين والمهجرين من الأشقاء من حولهم؛ الهاربين من ضيق بلدانهم وظلم أنظمتهم وسياط جلاديهم، أو تعرضهم لظروف قاهرة تفوق طاقتهم وقدرتهم على التحمل.

 الأحد، 30 أغسطس/آب، 2015 / الدستور