المسار الثالث لمعارك التحرير

مجموعة من ضباط و مقاتلي قوات الثورة في معسكر القويرة

مجموعة من ضباط و مقاتلي قوات الثورة في معسكر القويرة

معسكر الأردن ( القويرة ) – الطفيلة
تحدثنا في المسار الثاني لعمليات التحرير عن استراتيجية التنظيم العسكري لقوات الثورة وأهميتها وكيف كانت مدينة الطفيلة واحدة من الأهداف التي يحرص الاحتلال التركي وحليفاه الألماني والنمساوي على الحفاظ عليها ويعتبرونها منطقة تقع ضمن الخط الاحمر بالنسبة لهم وكيف تم تجهيز الرتل الأول بقيادة الشريف مستور يعاونه فرسان العشائر الأردنية من عشيرة الجازي من قبيلة الحويطات الأردنية بقيادة الشيخ حمد بن جازي من أجل اتمام عملية دخول وتحرير الطفيلة.

لم تتوقع القيادة التركية وحلفائها أن تدخل قوات الثورة إلى الطفيلة بسهولة تامة في ظل وجود حامية عثمانية تتكون مما يفوق المئتي جندي، و باعتقادهم أنها ستتلقى اسناداً من عشائر الطفيلة، لكن ما حدث كان العكس تماماً، فإذا علمنا أن قائد الحامية التركية الرئيس ” العربي ” زكي الحلبي كان على اتصال سري مع الأمير فيصل المتواجد في القويرة، كما أن الشيخ ذياب العوران كان بدوره قد استبق الأحداث وأرسل ابنه عبدالسلام بشكل سري-نظرا لأن جواسيس الاحتلال العثماني كانت تراقب الطريق بكثب- أيضا لدعوة الأمير فيصل للتقدم بقوات الثورة وفرسان العشائر إلى الطفيلة؛ ومن هنا ندرك سبب سهولة الدخول الأول لقوات الثورة إلى الطفيلة، و هكذا فقد رفعت الحامية التركية في الطفيلة الرايات البيضاء ووقفت عشائر الطفيلة تستقبل بالأهازيج قوات الشريف ناصر بن علي القادمة من الشرق وقوات الشريف مستور القادمة من الغرب، و رفعت راية الثورة العربية الكبرى فوق قلعة الطفيلة يوم 15 كانون الثاني 1918 .

لاحقا لإعلان خبر دخول قوات الثورة للطفيلة، اضطربت قيادة الاحتلال التركي العثماني لتحريرها، و خشيت أن يؤدي تحريرها إلى تحرير المزيد من المواقع من قبل قوات الثورة، فقررت اعادة احتلالها ودفع فرسان العشائر الأردنية إلى الوراء، وسنستعرض هذه المعارك بالطفيلة ومحاولة الاستيلاء عليها من قبل قوات الاحتلال التركي في المسار القادم من معارك التحرير/ ارث الاستقلال .

وتاليا نقدم لكم سرداً كاملاً لأبرز تفاصيل المسار الثالث:

1.معسكر الاردن ( القويرة )

استعرض الأمير فيصل قوات الثورة العربية الكبرى في القويرة وأعاد تنظيم هذه القوات إضافة الى اجراء مزيد من التدريب للفرسان والمتطوعين وكانت فترة الإقامة في معسكر القويرة كافية لالتحاق المتطوعين الجدد من فرسان الأردنيين، إضافة للاتصال مع المزيد من شيوخ القبائل الأردنية.

  1. الطفيلة

تتميز مدينة الطفيلة بموقعها الهام والاستراتيجي وتوفر الحماية الطبيعية الجغرافية له ويلاحظ أن الحماية هذه قد عززت بمواقع أخرى خارج منطقة قلعة الطفيلة وهذه المواقع التي هي آثار وخرائب حاليا شاهدة على الحضارات الأصلية والفعالة التي استمر وجودها في المنطقة، وهذه الخرائب  تحيط بالطفيلة ” إحاطة السوار بالمعصم ” وهي :

من الشمال : خرائب نوخه ومجادل وكركا والقرن وبطينة والسبع .

من الشرق : خرائب العيص والنصرانية ، وخانق اللوز والخضراء وأم الحرمل.

من الغرب : خرائب أم الشعير ورويم وصنفحة .

من الجنوب : خربة المياسر وقصرالدير

و الطفيلة منطقة جبلية صعبة لا توجد فيها مساحات واسعة منبسطة الا في المنطقة الشمالية باتجاه وادي الحسا حيث يتوفر سهل منبسط ضيق بطول حالي 9 كم وبعرض حوالي 4 كم فقط اما في الجهات الشرقية فطبيعة المنطقة متموجة تكثر فيها الأودية المتفاوتة فى العمق والطول، وتصعب التضاريس جنوبا لكنها حادة وشاهقة وصعبة جدا عندما تتجه غربا حيث تشرف المنطقة على وادي عربة.

وعورة المنطقة وخصبها وكثافة المياه فيها، ووجود خامات معدنية متعددة منها النحاس والمنغنيز والفوسفات والاسمنت أكسبها أهمية خاصة جعلها موطناً لحضارات عديدة متعاقبة، فهي لم تخل مطلقا من الانسان على مر التاريخ فقد كانت منطقة الطفيلة مصدرا للنحاس والحديد لمنطقة المشيرفة في الكرك حيث كانت تصنع السيوف المشرفية. وقد كانت مقالع النحاس بالطفيلة وما حولها هدف غزوة حضارات ما بين النهرين عليها بالماضي البعيد. أما الطفيلي فحافظ على فطنته الهندسية الفطرية واكتشف بطريقة مبهرة كيفية تصنيع أفضل أنواع ملح البارود والذي اشتهر به بين الأردنيين وجعله مصدراً استراتيجياً يجب السيطرة عليه من قبل الاحتلال العثماني الذي كان يتخوف من وصول مصدر ذخيرة لا ينضب من أهالي الطفيلة لأهلهم بقوات الثورة فحولوا تحصيناتهم وأتوا بالألمان والنمساويين من غزة ووضعوها بالطفيلة.

تأتي هذه التوطئة للتوثيق بالطفيلة تاريخياً وجغرافياً والتي اكتسبت أهمية خاصة على مر العصور، وشهدت أحداثا مهمة في مطلع هذا القرن وكانت هدفا ” استراتيحيا ” لقوات الثورة العربية فقد اعتبرها قادة الثورة العربية الكبرى على درجة من الأهمية الاستراتيجية السياسية والعسكرية والاجتماعية وتجلت الطفيلة بأبهى صورها في وقفة عشائرها إلى جانب الى مسيرة الاستقلال والتحرر من الاحتلال العثماني التي قادتها قوات الثورة العربية الكبرى وفرسان العشائر الأردنية.

الطريق الى الطفيلة قبل احدى معارك تحريرها

الطريق ال الطفيلة قبل احدى معارك تحريرها

الدخول الأول لقوات الثورة الى الطفيلة

شرعت قوات الثورة  في عملياتها العسكرية من معسكر القويرة بدءا من النصف الاول من شهر كانون الثاني 1918، وتمكنت قوات الثورة  بقيادة الشريف ناصر بن علي في 12 كانون الثاني 1918 من تحرير جرف الدراويش ( والتي سنطلعكم على معركتها في المنشورات القادمة من سلسلة ارث الاستقلال / معارك التحرير ) .

وتقدمت القوات باتجاه الغرب نحو الطفيلة لتلتقي مع قوات الشريف مستور التي قدمت من الغرب عن طريق وادي عربة، وعندما علم الحاكم التركي ” زكي الحلبي ” بقدوم القوات العربية اتجهت بوصلته نحو درب الشرف التحرري تلقائياً واتخذ قراره بالانضمام إلى قوات الثورة العربية مما دفع بسمو الأمير زيد بن الحسين أن يعينه حاكما على الطفيلة لاحقاً، وقد جاءت ظروف الاستسلام واتخاذ قرار الانضمام لقوات الثورة للأسباب التالية :

ادراك جنود الاحتلال التركي وحلفائهم وقادتهم من ألمان ونمساويين أنهم جسم غريب ظالم سعى الأردنيين للتحرر منه عبر قرون وقد أتت القيادة ذات النجاعة العسكرية والقدرة التوحيدية لتكليله بالنجاح.

أن خدع البروبوجاندا الألمانية بالقيادة العثمانية بامتطاء الدين والمتاجرة به لن تنطلي على أهل الطفيلة الذين حسموا موقفهم بالوقوف مع أهلهم من الأردنيين بثورات .صغرى سابقة

عدد حامية الطفيلة قليل نسبياً أثناء تنفيذ عملية التحرير فهو لم يتجاوزالمائتين والخمسين حسب معظم الروايات ووجود قابلية لاستهداف أي امدادات للحامية من قبل أهل الطفيلة الذين يعلمون جغرافيا الطفيلة وكيفية استهداف أي أرتال امداد خلالها وهذا جعل الحامية ضعيفة أمام هجمات قوات الثورة الكثيفة ومن الاتجاهين.

تأثرت الحامية بانتصار قوات الثورة السريع في جرف الدراويش والتي وصلتهم أنباؤه ومعرفتهم بزحف قوات الثورة يوم ١٢ / ٧ / ١٩١٨ من الجفر باتجاه الغرب على الطفيلة والذي دمر معنويات قوات الاحتلال وجعلها وهنة.

ان الوضع العام داخل الطفيلة يؤثر على سلوك الحامية وقرار قائدها فقد كان للاتصالات من قبل مشايخ الطفيلة ودعمهم للثورة منذ انطلاق عملياتها أثرها في سرعة اتخاذ هذا القرار.

تواجد جالية أرمنية في داخل الطفيلة وهي التي هاجرت  من وطنها الأم بسبب البطش والاحتلال التركي لأراضيها، وقد احتموا في الطفيلة واصبحوا مواطنين فيها واستجاروا بعشائر الطفيلة الأبية، وقد ناصرهم أهلها واستمروا في موقفهم الداعم لقوات الثورة في الطفيلة كذلك.

تبعا لهذه الأسباب وغيرها كان من السهل على قوات الثورة الدخول إلى الطفيلة، فدخلتها ورفعت راية الثورة فيها يوم 15 كانون الثاني 1918 و كان القائد حينها الشريف ناصر بن علي، وبعد بضعة أيام – كما يروي كل من المؤرخ الوطني سليمان الموسى والبطل محمد علي العجلوني- دخلها الأمير زيد بن الحسين ومعه 100 جندي نظامي ومدفعان جبليان، وأسندت للأمير زيد قيادة المواقع التي تشرف على البحر الميت وكان يرافقه راسم سردست وصبحي العمري، وكان لورنس كالعادة في كل معركة نظراً لعدم وجود مهمات عسكرية له وتفرغه للكتابة وتأليف القصص يسجل الظواهر الشاذة مهما كانت تافهة ويبنى أحكامه المستشرقة الخاصة عليها وينسب لنفسه البطولات الواهية.

نوري السعيد بالعقبة

نوري السعيد بالعقبة

إجراءات قوات الثورة بعد دخول الطفيلة

أصبح ميدان العمليات واسعاً وامتد لمسافات جديدة بعد دخول الطفيلة وتحرير محطة جرف الدراويش ومحطة الشوبك وكانت كل هذه النتائج العسكرية تتطلب إعادة النظر في أسلوب العمل لمواجهة الظروف الجديدة، خاصة وأن قادة الثورة كانوا يدركون أن الاتراك وحلفائهم سيقومون بهجمات معاكسة بهدف اعادة احتلال المواقع التي طردوا منها نظرا لأهميتها، ولمواجهة الظروف الجديدة والطارئة فقد اتخذ الامير زيد بن الحسين الاجراءات التالية:

  • تنظيم القادرين على حمل السلاح من شباب الطفيلة وتدريبهم وتسجيلهم كمتطوعين في قوات الثورة .
  • ارسال قوات مراقبة أمامية بقيادة الشريف مستور الى منطقة سيل الحسا لمراقبة الوضع هناك ورصد تحركات القوات التركية وتألفت هذه القوة من عدد من الخيالة.
  • ارسال عدة رسائل الى شيوخ العشائر يخبرهم فيها بالوضع العام والعمليات العسكرية القادمة داعياً اياهم لتعجيل دعم قوات الثورة في عملياتها.
  • .توزيع المكافآت المالية على الفرسان والجنود نظير تحرير الأسلحة والذخير من الطرف العدو والممرصود شرائها
  • إعادة نوري السعيد الى معسكر العقبة ليبدأ بتأليف وتنظيم فرقة مشاه نظامية خاصة بعد ملاحظة قدرة الجنود النظاميين على التعامل مع تحصينات الاحتلال التركي بطريقة  أفضل من المتطوعين الجدد.
  • تنظيم الأرمن لمن يرغب منهم في التطوع والقتال في صفوف قوات الثورة وقد جرى تدريب شبابهم على السلاح وتم تنظيم مجموعة منهم على شكل فريق عمليات خاصة قامت بعمليات ناجحة ضد قوات الاحتلال التركي العثماني وضباطهم الألمان والنمساويين.

المراجع :

الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل خولة ياسين الزغلوان ، و فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 ، ص 145-148 .

التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .

الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.

المراسلات التاريخية 1914-1918 : الثورة العربية الكبرى. المجلد الأول / أعدها وحققها وكتب حواشيها وترجم بعضها سليمان الموسى، 1973.

ذكرياتي عن الثورة العربية الكبرى، محمد علي العجلوني، مكتبة الحرية ،عمّان ، 1956 .

المعارك الأولى : الطريق إلى دمشق، صبحي العمري، أوراق الثورة العربية؛ رياض الريس للكتب والنشر، لندن، بريطانيا ؛ ليماسول، قبرص ، 1991،  ط. 1.