المسار الخامس عشر لمعارك التحرير

معان – بسطة – المريغة – دلاغة 

مقدمة

من المعروف بأن معان كانت مركز بوصلة حركة جيوش الثورة باتجاه الأهداف العسكرية شمالا نحو الجردون وعنيزة، وشرقا باتجاه الجفر، وغربا ً باتجاه وادي موسى وبسطة ووهيدة . ونبحث في هذا المسار الذي يبدأ في معان باتجاه بسطة وهي التي امتازت بموقع حصين مرتفع لا زالت آثاره مائلة للآن، ونحو المريغة باتجاه رأس النقب وهي منعطف هام ونحو دلاغة الأرض المنخفضة ذات الينابيع والأشجار، وفي المسارات السابقة بحثنا في معان وهنا نتناول مواقع بقية هذا المسار وهي منطقة القتال في غرب معان ذات الأرض الحيوية التي لها قيمتها العسكرية آنذاك.

وتظهر معان المدينة بوضوح خاصة من مناطق بسطة وايل وهذا يؤمن السيطرة والمراقبة المستمرة للمدينة ولخط سكة حديد القطار العسكري العثماني المار إلى الشمال منها .

وقد أثرت منطقة غرب معان بشكل واضح على مجرى العمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى من حيث :

  • توفير المراقبة الدائمة والاستطلاع لمعان ذاتها وما حولها في ظل وجود حامية عثمانية كبيرة جدا إضافة إلى القيادات العسكرية الألمانية و النمساوية.
  • كانت المنطقة الغربية بمثابة منطقة حجاب ووقاية وخط دفاع متقدم من جهة الغرب حيت سلسلة من المعسكرات التركية وأماكن المستودعات والتخزين، ولذا جاء تحرير قوات الثورة لها بمثابة تضييق الخناق على القوات العثمانية و حلفائها وفقدت بذلك حرية المناورة وخسرت أرضا دفاعية حيوية بالنسبة لها وأصبحت هذه الأرض مصدر تهديد مستمر لها .
  • حقق جيش الثورة بالسيطرة على المنطقة الغربية الاتصال مع قوات الحلفاء في الغرب، وأمّنوا طريق الاندفاع شمالا نحو الشوبك ووادي موسى فأكملوا السيطرة على الأرض هناك واصبح الحصار الذي فرضته قوات الثورة و فرسان العشائر الأردنية على شكل فكي كماشة تنفتح فقط في جهة الشمال من معان .
  • تحقيق الاتصال مع باقي العشائر الأردنية ونشر فكرة الثورة وأهدافها بينهم ما زاد من عدد المتطوعين في قوات الثورة العربية الكبرى .
  • حصول قوات الثورة على مصادر مياه جديدة في اوهيدة ودلاغة وحرمان القوات العثمانية منها، إضافة للحصول على مصادر تموين محلية جيدة في المنطقة .

       وفي هذا البحث نبحث العمليات العسكرية في هذه المنطقة إضافة للبحث في قيمتها العسكرية وهذه المواقع الاربعة هي اوهيدة – بسطة – المريغة – دلاغة توجد في دائرة أحداث واحدة فهي متقاربة وتتبادل التأثير بينها، وتميزت المريغة تحديدا بأهمية اكبر كونها مفتاح وادي أبي اللسن وتقع على طريق معان باتجاه وادي اليتم قبل المرور برأس النقب .

 بسطة

     تتميز بسطة بأنها احتوت أشهر موقع وحصن عسكري تركي حول معان، حيث تقع  إلى الغرب من معان “20 كلم ” ويكاد لا يوجد أي عائق أرضي أو مرتفع ما بين معان وبسطة، فالواقف فوق مرتفع بسطة ويتجه بنظره حول الشرق فإنه يكاد يكشف المنطقة بأسرها حتى معان ومثلها الى إلجنوب إضافة الى سيطرته على الطريق المؤدية إلى وادي موسى والراجف والطيبة شمالا وإلى اوهيدة ورأس النقب جنوبا .
واختيار بسطة (1600 متر فوق سطح البحر) كموقع عسكري إنما جاء لوجود مصدر مياه ومراقبته الواسعة البعيدة المدى وسيطرته على عقد مواصلات، والمعسكر التركي كان يقبع على رأس الجبل الذي يشرف تماما على القرية الحالية حيث تسكنها عشيرة النعيمات التي شارك فرسانها في الثورة العربية الكبرى و ساهموا في تحقيق عدد من الانتصارات المهمة و تحديدا في معركة الكوبانية الحمراء .

وفي منطقة المعسكر التركي فوق جبل بسيطة بقايا بناء غرف وآثار مرابط خيول وفى التل المقابل توجد مواقع تخزين ذخيرة للعثمانيون كان الاهالي حتى وقت قريب يحذرون بعضهم من القنابل العمياء الموجودة في بعض كهوف هذا التل و التي خلفها العثمانيون بعد دحرهم عن الأرض الأردنية .

       ولا يوجد ذكر لعمليات عسكرية معينة جرت في بسطة ربما لكون الموقع صعبًا جغرافيا ومسيطرًا تماما، لكن الثابت أن القوات العثمانية أخلت المواقع في بسطة بعد هزائمها في المناطق المحيطة، ولا يوجد تحديد لموعد الإخلاء وعلى ما يذكر أن قوات الثورة طاردت القوات التركية بعد معركة وادي موسى حتى بسطة، ويذكر الأمير زيد بن الحسين في يومياته أنه وصل إلى أبي اللسن وبسطه في 14 كانون الثاني 1918، وقد ضمنها الأمير زيد خطته المقبلة بعد تحرير الطفيلة فقد اختيرت بسطة لتكون مركز تجمع لقوات الثورة العربية الكبرى لتنفيذ عمليات قطع الإمداد عن القوات العثمانية و حلفائها المتحصنة في معان عبر تعطيل سكة حديد القطار العسكري العثماني، تمهيداً لتنفيذ خطة الهجوم على الحامية العثمانية في معان والتي ابتدأت في أوائل نيسان .

المريغة
المريغة هي منطقة صحراوية يخترقها وادي أبي اللسن من الشمال ليتجه جنوبا، تقع على بعد 24 كلم جنوب معان وهي في موقع متوسط حيث كان لها دور في كل العمليات العسكرية التي حدثت في المنطقة، فهي لا تبعد أكثر من عشر كيلومترات عن معارك تلول السمنات وأقل من خمسة كيلومترات عما جرى في الفويلي وأبي اللسن وحوالي تسعة كيلومترات من الوهيدة شمالا .
وقد شهدت المريغة مطاردة فلول القوات العثمانية بعد هزيمتها في أبي اللسن عندما هاجمتها قوات الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف ناصر بن علي و الشيخ البطل عودة أبو تايه وهي في طريقها الى العقبة في 4 تموز 1917 .

278jpg

من الشمال إلى اليمين : الأمير زيد بن الحسين ؛ الأمير فيصل بن الحسين ؛ و ووجهاء عشائر أردنية في أبو اللسن

 وكما ذكرنا فان المريغة بقيت منطقة مرور ولم تستطع أي من القوات أن تسيطر عليها فهي ذات أهمية للجميع والذي يريد أن يسكنها فإن عليه ان يكون مستعدا لتضحيات جسام وقد حصل في النصف الثاني من شهر كانون الثاني 1918 معركة وادي موسى التي انتصرت بها قوات الثورة وطاردوا العثمانيين حتى عين بسطة وبعدها قام الضباط الأتراك بإعادة تنظيم قواتهم في المريغة، وقد استمرت في تمركزها لفترة في المريغة لتلحق بعدها بالموقع الرئيسي في معان .

دلاغة

       دلاغة قرية صغيرة وادعة تقع على بعد 32 كلم  الى الغرب مع الانحراف جنوبا عن معان حيث تنعطف الطريق الخاصة بها وتتفرع عن طريق الراجف انحدارا نحو الجنوب عبر مضيق في فم واد ليمر في منطقة الرسيس أولا، ثم وصولا الى دلاغة في قاع الوادي ، والرسيس هذه هي مفتاح دلاغة وبداية الدخول إلى منطقتها حيث تبعد دلاغة عنها حوالي 3 كلم .
و تشتهر دلاغة بمائها وخضرتها وبساتينها، وهي تتميز بحماية طبيعية خاصة جعلتها تكون موضع اهتمام من العسكريين لذا اتخذها العثمانيون مقرًا عسكريًا فهي تقع في منطقة متوسطة تستطيع أن تسند مواقع بسطة و معان ومنها يكون الاندفاع إلى رأس النقب.

      ويؤكد المؤرخون أنها كانت معسكرا عثمانيا، وقد أخلاها الأتراك ونقلوا قواتهم إلى مواقع معان وبسطه لتقصير خطوط  الامداد وتركيز دفاعهم بعد أن سيطرت قوات الثورة على أبي اللسن ومخفر الفويلي والمريغة ومن هنا أدرك العثمانيون ان استمرارهم في البقاء في هذا الموقع يعني عزلهم وسهولة وقوعهم في قبضة أية قوات تهاجم مواقعهم .

        وقد أورد مصطفى طلاس في كتابه الثورة العربية الكبرى أن كتيبة تركية قد شنت هجوما على مواقع قوات الثورة في دلاغة ولكنها اضطرت إلى التراجع بعد معركة عنيفة حدثت في خريف عام 1917 م، وفي موقع اخر من الكتاب ذكر طلاس أن جبهة الجيش الشمالي للثورة تمتد من العقبة إلى القويرة إلى دلاغة ثم وادي موسى ولقد كانت دلاغة مقرا لمفرزة من الفرقة الثانية لقوات الثورة بقيادة مولود مخلص عندما أعيد تنظيم جيش الثورة في عام 1918، حيث تركزت بقية قطاعات الفرقة في وادي موسى بينما كانت غرندل مقرا لقيادة الفرقة .

  لم تتناول المراجع دلاغة بشكل تفصيلي لكن بعد اخلاء الأتراك لها، تمركزت قوات الثورة فيها وسيطروا على عين الماء،  وفيها حدثت مناوشات بين القوات العثمانية و جيش الثورة؛ يشير اليها سليمان الموسى ومنيب الماضي في كتابهما تاريخ الاردن بين الماضي والحاضر اذ يرد ما نصه ( وقد حدت مناوشات بين الاتراك وبين الثوّار المتمركزين في دلاغة فصدّوا الأتراك وكبّدوهم بعض الخسائر ).

وكان فرسان عشيرة الزوايدة في دلاغة قد شاركوا ببسالة في معارك الثورة العربية الكبرى، نذكر منهم الشيخ (عواد سلامة الزوايدة ) الذي ذكر شارك في عمليات الثورة العربية الكبرى وعمره لما يتجاوز الـ 17 عاما، وقام ابن عمه (سويلم علي الزوايدة) بعملية بطولية عندما قتل طاقم المدفع التركي الذي كان متمركزا الى الغرب من دلاغة .

 ومن الشعر الذي قيل إبان الثورة و معاركها وكان يذكره الشيخ عواد الزوايدة، شعر (حداء) جاء فيه :

يا هويمل شوشح بالمنديل

يا ويحي (ياويلي) فازعنا قليل

وان لقو صعول (جماعات) الرجاجيل

من عثامنه عاركيبات

جونه (اي جاءنا) صربة مقرد

والكل رأسه مجرد

هذول عيال السعيدي

معهم عصملي (بندقية) جديدي

واحسب قبيلهم موات


المراجع :

  1. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 .
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.
  4. الثوره العربية الكبرى، مصطفى طلاس، مجلة الفكر العسكري، 1978