المسار الرابع عشر لمعارك التحرير

عنيزة – خربة الدوشك – سهل الفجيع – الشوبك – راس الحديد حوالة

مقدمة 

 يتجه هذا المسار غربا باتجاه الشوبك، وتعتبر عنيزة القلب بالنسبة للمنطقة الممتدة من معان وحتى جرف الدراويش وتنبع أهمية هذا المسار من حيويته وكثافة الغابات الحرجية وكونه مصدراً هاماً للأخشاب التي استغلها الاحتلال العثماني بشكل جائر ما سبب ضررا بالغ الأثر في النظام البيئي للمنطقة ككل ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم، حيث قام بتقطيعها لغايات بناء خط سكة القطار العسكري و انتاج الفحم لتشغيل القطار أثناء حملاته على العشائر الأردنية خلال الثورات الوسطى و الثورة العربية الكبرى، ما استدعاهم أيضا لبناء خط سكة حديد فرعي يبدأ من عنيزة ويصل إلى حوالة .

خربة الدوشك

 يبلغ طول خط سكة الحديد الفرعي الممتد من عنيزة إلى الشوبك ثم إلى حوالة حوالي 31 كلم ، والخط يسير فى منطقة أشجار كثيفة، حيث جاء بناء الخط كما أسلفنا لتسهيل عملية نقل الأخشاب من الغابات بعد تقطيع الاشجار الحرجية إلى المحطة الرئيسية ، واستخدمت الأخشاب في فترات مختلفة لغايتين رئيسيتين :

أولا : لاستخدامها كوقود في القطارات البخارية على طول خط القار العسكري العثماني .

ثانيا : لاستخدامها في تجديد وتصليح خط سكة القطار العسكري بعد عمليات تعطيله من قبل فرسان العشائر الأردنية .

      وبعد مسير حوالي 17 كلم من محطة عنيزة باتجاه الغرب فاننا نلاحظ حصن عسكري بناه العثمانيون للسيطرة على المنطقة، هذا الحصن هو حصن الدوشك ، وهو يتألف من بنائين اثنين منهدمين والمسافة بينهما حوالي 10 امتار، والبناء على شكل عقدات منحنية وهي مغلقة بدون نوافذ بدليل أن هذين البنائين تم استخدامهما كسجن للثوّار الأردنيين و مستودعات للسلاح و العتاد و المؤن.

    وللموقع أهمية اخرى لأنه يقع على الطريق المؤدي إلى الطفيلة عبر الرشادية وهي خط دفاع خلفي ثاني بالنسبة لموقع عنيزة وقلعتها، وتعتبر الدوشك أيضا مفتاح قلعة الشوبك التي تقع إلى الغرب منها بمسافة حوالي 5 كلم فقط وهي بمثابة محطة انذار أو موقع دفاعي متقدم لذا فإن اختيار هذا الموقع إنما جاء لاعتبارات عسكرية بحتة أملتها طبيعة المنطقة وتنظيمها وقرب خط سكة حديد القطار العسكري الرئيسي وقرب مصادر التزويد بالأخشاب من الهيشة والشوبك .

     والزائر لهذه المنطقة يقرأ تاريخا مميزا يمتزج في الأرض المعطاءة ويلتقي مع الحضارات العريقة فيها وكل أسماء القرى والمدن فيها . انما انبثقت من طبيعة الأرض) الشويك، نجل، الدباغات – لاستخراج الدباغ من شجر البلوط الذى تشتهر فيه هذه المنطقة )، وقد استغل العثمانيون هذه الخيرات وسخروها لخدمتهم و خدمة القطار العسكري  بعيدا عن جهود التنمية للمنطقة.

 معركة الدوشك 20 ايلول 1918

عندما جرد الأتراك والألمان والنمساويون حملتهم لاستعادة الطفيلة بل لاستعادة هيبة القوات التركية وحليفاتها في الأردن، وعندما شرعوا بتنفيذ عملياتهم بدءا من محطتي الحسا وجرف الدراويش باتجاه الغرب، اتبع جيش الثورة بقيادة الأمير زيد بن الحسين أسلوب القتال على خطوط الإعاقة لمواجهة هذه القوات الضخمة،  وقد ذكرنا ذلك فى الحديث عن هذه المعركة ونعيد التوضيح هنا للربط التاريخي تسلسل معارك ذلك الهجوم :

  1. قتال إعاقة لمدة يوم كامل فى 6 اذار 1918 في منطقة خربة التوانة .
  2. الحركة إلى خربة الحرير والقتال لبضع أيام في 7 / 3 / 1918 .
  3. الانتقال إلى جبل المصلى وخربة عابور والقتال بقية اليوم.
  4. الصمود في خربة العيص على مشارف الطفيلة لإتاحة الفرصة لأهل المدينة لإخلائها .
  5. التراجع جنوبا نحو الرشادية بعد أن حاول الاتراك قطع ومسك خطوط تراجع قوات الثورة .

 

133jpg

الأمير زيد بن الحسين مع عدد من الاشراف وضباط جيش الثورة على مدخل الشوبك 1918

 

سهل الفجيج

     الفجيج هي السهل الممتد من خربة الدوشك وحتى القادسية شمالا ومن ثم إلى مدخل نجل الشوبك غربا، وقد شهد هذا السهل مرور قوات الثورة العربية الكبرى من خلاله نحو الطفيلة وكذلك تراجع هذه القوات بعد معركة الطفيلة الثالثة الكبرى .


الشوبك

      يمر من الشوبك خط سكة القطار العسكري الفرعي القادم من عنيزة، وقد كان فيها محطة للحراسة، والشوبك تستند الى قلعة مونتريال أو ( قلعة الشوبك ) التي كان لها دور مؤثر في العمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى  .

242jpg

الشريف ناصر و ضابط من مقاتلي الثورة في منطقة الشوبك 1918

 

 راس الحديد وحوالة

       اعتمدت القوات التركية وحلفائها الألمان و النمساويين في توزيع قواتهم على السيطرة على المواقع ذات الأهمية بالنسبة لخطوط الامداد والتزويد، واعتمدت سياسة بناء الطرق العسكرية ومد خط سكة القطار العسكري التى تخدم هدف الإدامة للقوات العثمانية المحتلة،  ومن هنا جاء بناء خط سكة الحديد فى عام 1914 مابين محطة عنيزة إلى منطقة الشوبك لينتهي خط السكة الى هذه المنطقة التي أطلق عليها اسم (رأس الحديد) أي رأس سكة الحديد، وهو آخر نقطة يصل اليها خط السكة حيث تبعد عن بلدة نجل  –مركز تجمع قرى وبلدات الشوبك – إلى جهة الجنوب بحوالي 8 كلم، وهو في المنطقة التي تعرف حاليا باسم ( حواله ) وكان في المنطقة محطة للاحتلال العثماني  وحولها مجموعة من المعسكرات وخطوط الدفاع العثمانية التي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم .

راس الحديد – الهيشة 1918

 

وقد اكتسبت منطقة الشوبك أهمية خاصة خلال الحرب العالمية الأولى خلال عمليات الثورة العربية الكبرى وذلك لكونها :

أ . منطقة زراعية تنتج الحبوب والفواكة وتشكل مصدر تموين محلي جيد .

ب . منطقة غابات كثيفة توفر مصادر طاقة جيدة من أشجارها المتشابكة وحتى مركز المنطقة وهو نجل يشتهر بالنجيل الذي ينبت عندما تتوفر الماء بكافة.
ج . مصدر مياه وفير حيث تكثر الينابيع المختلفة في اراضيها .

د . اكتسبت المنطقة أهمية عسكرية تاريخية منذ القدم فإلى الشمال الشرقي من نجل تقوم قلعة الشوبك الشهيرة والتي كانت تعرف بمونتريال حيث استخدمها العثمانيون كحصن عسكري وسجن ومركز سيطرة لحماية خطوط مواصلاتهم وتعزيز حامياتهم على طول طريق القطار العسكري. .

 هـ .  تشكل الشوبك منطقة وصل واتصال بين الشمال حيث الطفيلة والجنوب حيث معسكرات بسطة وابو اللسن ووهيدة ، وبين الشرق حيث خط سكة حديد القطار العسكري ، والغرب حيث وادي عربه الذي يفصل مسرح عمليات الجيش البريطاني في الغرب عن منطقة عمليات القوات التركية والألمانية في الشرق .

 لهذه الاسباب جاء القرار العثماني العسكري المتأخر قليلا و غير المعني بتأهيل المنطقة بمد سكة الحديد من عنيزة شرقا وبطول حوالي 31 كلم .

والطريق المعبد المتفرع من الخط الصحراوي باتجاه الشوبك إنما يقوم حاليا فوق خط سكة الحديد ذاته، والذي بالكاد نستطيع التعرف على آثار منه من خلال نوع التربة والحصى المحيطة ولكن تظهر آثار هذه السكة  واضحة في نهايته عند حوالة ذاتها والتي يوجد فيها بقايا بركة مياه تركية يصعد منها للآن واجهة صغيرة حيث كان القطار العسكري يتزود منها .

244jpg

الأمير زيد بن الحسين محاطا بعدد من الضباط و مقاتلي الثورة في معسكرهم بالشوبك وتظهر في الصورة بيوت الشعر الخاصة بعدد من عشائر الشوبك التي رافقت جيوش الثورة و ساندتها في عمليات القتال ضد الاحتلال العثماني

 

    والمنطقة ما بين البقعة شمالا وحتى بير الدباغات جنوبا وهي بطول 8 كلم تقريبا ومن بير خداد شرقا وحتى ام جوزة غربا بطول 7 كلم تقريبا هي منطقة معسكرات عسكرية عثمانية تركية وحصون وخنادق متفرقة ، وحسب الاستطلاع الميداني للمنطقة من قبل المؤرخ الدكتور بكر خازر المجالي فإن المواقع التالية كانت ذات أهمية عسكرية خلال الثورة :

  • بقايا بركه المياه عند منطقة دوران القطار (التحويلة ) في حوالة ولم يبق من هذه البركة الا جدار صغير بارتفاع 1 متر وبطول 2,5  متر تقريبا .
  • بناء تركي مهدم كان يتألف من 8 غرف بعيداً عن رأس الحديد حوالي 650 مترا للجهة الشرقية الشمالية، حيث استخدم كمركز اداري ومعتقل للثوّار من فرسان العشائر الأردنية ضد الاحتلال العثماني  وفقا لما افاد به أحد سكان المنطقة هو السيد عبد السلام محمد المريحيل للدكور بكر المجالي والذي أعلمه أنه تم اعتقال والده في هذا الموقع من قبل القوات العثمانية .
  • مجموعة من التحصينات أمام هذا الموقع من جهته الشمالية وعددها خمسة وهي مستطيلة بطول حوالي 15 مترا لكل خندق منها .
  • وجود مجموعة التحصينات والخنادق في الجهة الشرقية من الحصن الأول وفي منطقة منخفضة قليلا باتجاه وادي أم اللويزات وتتألف من مجموعة من الخنادق المستطيلة ومجموعة من بقايا الغرف نستطيع من خلالها أن نقدر حجم القوات التركية التي كانت متواجدة فيها بكتيبة كاملة أي ما يقارب الـ (200) جندي و ضابط تركي .
247jpg

جعفر باشا ” العسكري” و الشريف ناصر في منطقة الشوبك

 

       والأثر الأكبر للوجود في هذه المنطقة والذي ما زال ماثلا بوضوح ليومنا هذا هو تلك الشجيرات المتناثرة هنا وهناك والتي تشهد على كثافة الغابات في المنطقة، والناظر إليها يسترجع في ذهنه شريطا مأساويا من الاعتداءات التركية على الطبيعة الأردنية التي أحالت الكثير من الأراضي إلى مساحات قاحلة تتناثر فيها بضع شجيرات على مسافات متباعدة .

      ومثلما لم تسلم الاشجار والغابات من الاعتداء العسكري التركي لم يسلم أيضا خط سكة حديد عنيزة – الشوبك، ففي عام 1918 وعندما تأثرت خطوط المواصلات التركية نتيجة نجاعة الضربات العسكرية الي وجهتها لها قوات الثورة و فرسان العشائر الأردنية واحكام سيطرتهم على المنطقة؛  لجأ الأتراك إلى هذا الخط لنزع قضبانه وخشباته في عام 1918 لترميم وتصليح خط معان – درعا لإدامة المسير عليه.

      وقد اختفى  خط عنيزة – الشوبك تماما والأثر الوحيد له كما ذكرنا هو آثار العدوان التركي على الثروة الحرجية وفراغ الأرض من الأشجار التى تم نقلها بعد تقطيعها عبر هذا الخط لاسناد عمليات الأتراك العسكرية .

 

 

المراجع :

  1. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 .
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.