المسار الأول لمعارك التحرير

قلعة العقبة بعد تحريرها

قلعة العقبة بعد تحريرها

العقبة الهدف الاستراتيجي رقم 1

كان الأردن هو المنطقة الاولى والأهم لطرد قوات الاحتلال التركي العثماني والزحف لرفع راية الثورة الذي اجتمع أحرار الأردن حولها، وكان التخطيط الأول لتنفيذ العمليات المقبلة يأتي عبر دعوة العشائر الاردنية ممثلة بقياداتها العشائرية لضم جهودها الداعية لتحرير الأرض الأردنية من الاحتلال التركي والحضور إلى منطقة الوجه والتي بدأ فيها التخطيط للتنفيذ الجمعي لعملية تطهير العقبة من الاحتلال العثماني التركي. تميزت خطة تحرير العقبة بعنصر المفاجأة وذلك حيث أن الترك وحلفائهم من الألمان والنمساويين كانوا يتوقعون هجوم التحرير من جهة البحر والساحل ولم يتوقعوا أن الهجوم سيأتى من جهة الشمال او من وادي اليتم .

التخطيط، دخول القيادات العسكرية، تنظيم دخول أولى أفواج الثوار المتطوعين

الشريف ناصر و الشيخ عودة أبو تايه في مضارب الحويطات أثناء التخطيط لعمليات الثورة و حشد العشائر الاردنية

الشريف ناصر و الشيخ عودة أبو تايه في مضارب الحويطات أثناء التخطيط لعمليات الثورة و حشد العشائر الاردنية

وضع الأمير فيصل بن الحسين والشريف ناصر بن علي والشيخ عودة أبوتايه خطة تطهير العقبة وإعادة السيطرة عليها، وابتدأت الخطة بانتقاء الأكثر مهارة من فرسان العشائر الأردنية لحماية القيادة العسكرية لحملة تطهير العقبة خلال عبورهم للحدود على أنهم قوم مرتحلون لا يتجاوز عددهم المائة فرد كما كان طبيعياً كعدد بوقتها فتسابق الفرسان للتطوع لحماية القيادة العسكرية لأول جزء من المسار وسط معنويات مرتفعة وتوق كبير للنصر. وعلى ذلك تم اختيار 45 من خيرتهم والابقاء على باقي المتطوعين للمراحل المقبلة.

وهكذا انطلقت قيادة حملة تحرير العقبة بقيادة الشريف ناصر بن علي يوم 17 أيار 1917، ورافق الشريف ناصر والشيخ عودة ابو تايه فى هذه الحملة 45 رجلا من أبناء العشائر الأردنية  بالاضافة للتالية أسمائهم والذين توزعت بينهم أدوار عسكرية ميدانية:

  1. عودة بن مطلق أبوتايه 2. زعل بن مطلق أبوتايه 3. عودة بن زعل أبو تايه 4. نسيب البكري ممثلا للأمير فيصل بن الحسين 5. الرئيس (النقيب برتب اليوم) زكي الدروبي وناصر بن دغيثر وتحت قيادته ٣٥رجلاً.

انطلقت الحملة وكأنها قوم رحَل مرتحلون طلباً للرزق والعيش حتى الوصول لداخل الأراضي الأردنية. واتجهت الحملة شمالاً لتصل الى سهل الحولا ومن ثم اجتياز وادي فجرا والمرور بمنطقة ( عرفجة ) فى وادي السرحان في حركة التفافية لابعاد الشكوك وتشتيت انتباه بعض ضعاف النفوس من جواسيس الاحتلال والذين كان تعيرهم القيادات الألمانية أهمية بالغة. تم قطع وادي السرحان قبل الوصول بشكل طبيعي الى سهل البسيطة والانتقال الى منطقة العيساوية التي وصلوها في 27 أيار أي بعد 8 أيام مسير. وحال وصولهم للأراضي الأردنية فتحت لهم العشائر الأردنية مضافاتها وتم توثيق الحلول في ضيافة الشيخ علي أبو افتنه (كما تلفظ باللهجة المحلية مع تسكين الفاء وكسر التاء وفتح النون) من عشيرة التوايهة من قبيلة الحويطات الأردنية الكريمة، والذي أمدهم بالماء والطعام كغيره من شيوخ العشائر الأردنية الأصيلة، والذي لفرسان عشيرته دور عسكري سيتم تفصيله لاحقاً.

ومن مضافة الشيخ علي أبو افتنه انطلق الشيخ عودة ابوتايه الى منطقة الجوف للتنسيق مع الشيخ النَوري الشعلان الرولة  بخصوص توقيت الانضمام للثورة وحيثيات وتوقيت ذلك بحسب الخطط العسكرية، وبالطريق نحو مضارب الرولة طلب عودة أبو تايه من شيوخ كافة أفخاذ قبيلة الحويطات أن يأموا منطقة النبك لتخطيط انضمام المتطوعين من فرسانهم الأبطال ومواعيدها مع الابقاء على سرية ساعة الصفر. وصل الشيخ عودة أبوتايه لمضارب الرولة واستقبله الشيخ النّوري الشعلان أعز استقبال ليس فقط كشيخ التوايهة بل وكممثل لقوات الثورة العربية الكبرى. وبحسب الروايات الشفوية المتطابقة، شرب الشيخ عودة أبوتايه “فنجان السيف” كما الأعراف الأصيلة، فأعلن الشيخ النوري الشعلان فتح باب التطوع بعبارة “عظهورهن يالنشامى” فتسابق فرسان الرولة للتطوع وتزعم الشيخ الشعلان 500 فارس من خيرة نشامى الرولة ولحق بالشيخ أبوتايه لاحقاً بعد تجهيز العتاد وتوزيع المهمات داخلياً.

يذكر بأن تلك السنوات بشكل خاص كانت سنين محل وبشكل عام بعد قرون من الضرائب الجائرة (التي تبتدأ ب25% على الدخل) فان تجهيز الفرسان بالسلاح والعتاد، وخيلهم بالعلف والرعاية، وتأمين عائلاتهم لفترة طويلة كان أمراً صعبا تحملت العشائر الأردنية الجزء الأكبر منه داخلياً عبر الايثار والتدبير الذكي لمعركة التحرير الوجودية، ولعل أبرز دليل على ما ذكرناه من حجم التحديات و الصعوبات التي كانت تواجهها العشائر الأردنية هي الرسالة التي أرسلها الشيخ النوري الشعلان ” شيخ قبيلة الرولة ” إلى الأمير فيصل بتاريخ 28/12/1916 بعد ستة أشهر من اطلاق رصاصة الثورة قائلا فيها :
” لا يحول بيننا وبين الانضمام لقوات الثورة سوى قلة المواد الغذائية و الأسلحة ، إن مشترياتنا تأتي من حوران ، و لقد صادر الأتراك جميع المحاصيل الزراعية وهم لا يسمحون لنا بالحصول إلا على مواد غذائية تكفي لخمسة عشر يوما في المرة الواحدة، ولكن اذا ما استوليت على الوجه و العلا – شمال الحجاز- ، فإننا عندئذ نستطيع اتخاذ الوجه قاعدة لنا و نتسلم منك المؤن و السلاح و العتاد ، و عندما تتحقق هذه الأمور فإننا سنتمكن من أن ننهد إلى قتال الاتراك و طردهم

وتجدر الاشارة أن ما نقص من هذه الكلف أتى من تبرعات الأحرار الوطنيين بالأردن، وبهذه المرحلة من مسارات الثورة كان لتبرعات شيوخ وأهالي العقبة أثر عميق ومهم علماً بأن ذلك كان يعرضهم للاعدام بوحشية بسجن معان، كما سنأتي وبالتفاصيل لاحقاً ضمن سلسلة أخرى عن أبطال الثورة من ضمن تصنيف إرث الإستقلال.

مناطق العمليات العسكرية التي مرت بها قوات الثورة وصولا لتحرير العقبة

بعد وضع الخطط العسكرية الخاصة بعملية تحرير العقبة وحشد قوات العشائر الأردنية أحفاد “القوات المقاتلة”، انطلقت قوات الثورة لتنفيذ عملياتها العسكرية لتحرير الأراضي الأردنية التي احتوت على مخافر وحاميات عسكرية تركية وقيادات حلفائها الألمان والنمساويون لتطهيرها والسيطرة عليها. الخطة الاستراتيجية الذكية شملت تحقيق الأهداف الاستراتيجية التالية:

  • تأمين ظهر الاسناد الخلفي لقوات الثورة ومنع حدوث أية هجمات من الخلف من الحاميات التركية المحتلة الموجودة في معان والطفيلة
  • استغلال المعرفة المحلية الاستراتيجية للجغرافيا بحيث لا تكون قوات الثورة في مرمى الطيران الألماني الذي بدأ بالتحليق فوق الأراضي الأردنية من جهة وربط المسارات بحيث يعرف تواجد النبات والماء لتوفير كلف العلف والماء.
  • منع وصول أية امدادات عسكرية أو لوجستية للقوات التركية المحتلة وحلفائها من الألمان والنمساويين المهيمنين على العقبة.

 وتاليا المناطق التي تم تطهيرها في مسار العمليات العسكرية التي سبقت تطهير العقبة وتفاصيل تحريرها حسب الخطة الموضوعة لها :

  1. باير

تعتبر منطقة باير المدخل الشرقي الذي يفضي الى المنطقة المحيطة بمعان على طريق قوافل الحجاج، وذات قيمة تاريخية مهمة حيث شهدت أول عملية تطهير من الاحتلال في الأول من تموز عام 1917 وقد مكثت قوات الثورة فيها فترة من الوقت وهي ترمم الآبار التي دمرها الاحتلال التركي العثماني قبل فراره بدون قتال. وتم بعد ترميم الآبار تعديل الخطط بالتناسب مع المتغيرات الميدانية بحيث يتم التقدم نحو الجنوب باتجاه العقبة. ومن باير تحركت حملة من قوات الثورة باتجاه الشمال حيث خط سكة حديد القطار العسكري الى الزرقاء ووضعت متفجرات تحت خط سكة الحديد الناقل للجنود العثمانين والألمان والنمساويين ومؤنهم وأسلحتهم .

  1. الجفر

بعد تحرير باير وصلت قوات الثورة إلى الجفر، وهناك وصل عدد قوات العشائر الأردنية إلى 110 من أشجع الفرسان بقيادة زعل بن عودة أبوتايه، وتحركت القوات هذه نحو الجنوب الغربي ولم تكن بعيدة عن سجن معان أكثر من 60 كيلو متر.

عدد من فرسان الثورة في حملة عسكرية قرب منطقة غدير الحاج

عدد من فرسان الثورة في حملة عسكرية قرب منطقة غدير الحاج

  1. غدير الحاج

 تقع هذه المنطقة على بعد 17 كم الى الجنوب من سجن معان وهي منطقة منخفضة فيها سيل مياه ونباتات قليلة الارتفاع، ويمر منها خط سكة حديد القطار العسكري وكانت دوريات الاحتلال العسكرية تصلها لتأمين الحراسة للخط الحديدي.

شهدت غدير الحاج أول معركة لقوات العشائر الأردنية في الثورة العربية الكبرى في الثامن من تموز عام 1917 حيث تصادفت قوات الثورة مع حامية من القوات العثمانية التركية المحتلة في نفس الموقع ونشبت معركة سريعة فرّت بعدها قوات الاحتلال التركي العثماني وقيادتها الألمانية باتجاه الغرب نحو سجن معان متفاجأة من شدة تنظيم قوات الثورة وجاهزيتها القتالية العالية. وكان لمعركة غدير الحاج رغم سرعتها تأثير على مسرح العمليات حيث غيرت قوات الثورة سيرها الى المرتفعات خلف المريغة ما بين البترا وأبو اللسن للالتقاء هناك مع الشيخ قاسم بن دميك “شيخ الدمانية من الحويطات” والتنسيق معه ومن ثم تنفيذ الهجوم على الطابورالتركي وقياداته الألمانية والنمساوية في أبواللسن والذي سبقه تطهير مخفر الفويلي الذي يسيطر على المدخل الرئيسي لمنطقة ابو اللسن من جهة الجنوب. واستمر الهجوم على القوات العثمانية المحتلة في ابواللسن وقطع خطوط الهاتف التي كانت توصل قوات الاحتلال مع الضباط الألمان والنمساويين المتوزعين بين مخافر وسجون الاحتلال، ونجحت قوات العشائر الأردنية بتنفيذ الحصار على منطقة أبو اللسن خاصة وأن المنطقة ذات طبيعة جبلية تحيط بمواقع العسكر العثماني بشكل شبه دائري حيث يوجد منفذان تقريبا الأول من جهة الجنوب، وهو مخفر ( الفويلي ) والاخر من جهة الغرب حيث يصل الى  الطريق التي تؤدي الى مناطق بسطة وآبل.

عربة محملة بمدفع و أسلحة في طريقها لأبو اللسن

عربة محملة بمدفع و أسلحة في طريقها لأبو اللسن

من الشمال إلى اليمين : الأمير زيد بن الحسين ؛ الأمير فيصل بن الحسين ؛ و ووجهاء عشائر في أبو اللسن

من الشمال إلى اليمين : الأمير زيد بن الحسين ؛ الأمير فيصل بن الحسين ؛ و ووجهاء عشائر في أبو اللسن

  1. معركة ابواللسن

استعد الاحتلال التركي لمعركة أبو اللسن بحشده طابور بقيادة نيازي بك ومستشارين ألمان ونمساويين واستعدت لها قوات العشائر الأردنية بخطة لا تعتمد فقط على العزيمة المتوارثة للخلاص من الاحتلال العثماني بل وتعتمد على عنصر التفوق المعرفي بالجغرافيا المحلية عكس ضباط الترك والألمان والنمساويين الذين كانوا يهابون الخروج من المخافر والسجون ويعتمدون على بعض الوشاة والملطخة أيديهم بدم ثوار الهية والشوبك قبل ذلك ببضع سنوات.

لعبت قوات الشيخ قاسم بن دميك شيخ الدمانية ( من الحويطات ) الدور الأول بتأمين المنطقة الخلفية ومن ثم تم التقدم لتطهير مخفر ( الفويلي ) وقد جعلت قوات الثورة الهجوم للجسم الرئيسي من منطقة قرية المريغة سالكين المرتفع البسيط المحاذي لوادي ابواللسن الذي يسير فيه خط سكة حديد القطار العسكري ومن ثم انقسمت القوات الى اتجاهين:

الأول: من الشرق حيث المرتفعات أعلى من الغربية ووعرة المسالك قليلا، وقد استلم هذا الاتجاه الفرسان الأردنيين وعددهم 50 فارسا لتميز الخيل الأردنية بخفة الحركة والسرعة في صعود المرتفعات والانحدار منها عكس خيول قوات الاحتلال الهجينة الغير متأقلمة مع طقس تموز بالأردن ومرتفعاتها الوعرة مما أعطى قوات الثورة العربية تفوقاً استراتيجياً مهماً.

الثاني: من الغرب حيث المنطقة السهلية نوعا ما وتطل على منطقة أبواللسن.

كانت النتيجة حاسمة وسريعة، حيث اعتمدت قوات الثورة على احداث الصدمة في صفوف الترك ومفاجأتهم بأسلوب الهجوم المباشر والاقتحام مما أوقع في صفوفهم 300 قتيل، وأسر 160 جندي من الترك والألمان والنمساويين وزفت قوات العشائر الأردنية أول شهيدين أحدهم من قبيلة الرولة والآخر من قبيلة الشرارات.

وهنا نورد نصاً ورد في كتاب التاريخ الرسمي للحرب يصف معركة تأمين خط الدفاع الأول الشمالي في موقعة ابواللسن:

“عند الغروب جمع الشيخ عودة أبو تايه خمسين خيالا فى جوف واد على بعد 200 ياردة من الموقع التركي ، وقام بهجوم مباغت فتضعضع الترك، وعندئذ انحدرت اليه بقية العرب على الجمال من أعلى التل فانتهت المعركة فى خمس دقائق واحصت قوات الثورة 300 قتيل من الأتراك في الميدان، واستطاع الشيخ عودة بما بذله هو والشريف ناصر من جهود أن ينقذ من الموت 160 رجلا منهم ويأخذهم أسرى، أما قوات الثورة فقد استشهد منها اثنان ووقع بعضهم جرحى وذلك هو كل ما خسروه “.

وقد أعقب الهجوم هذا عملية المطاردة نفذها ذائع الصيت الفارس محمد بن دحيلان أبو تايه، ووصلت المطاردة حتى المريغة صبغها حالة هلع وجفال للفارين من المعركة من ترك وألمان ونمساويين الذين تبعثروا وفروا باتجاه سجن معان حيث “وكرهم التاريخي”.

وبهذا نجحت قوات الثورة في حركتها النظامية الثانية بعد الاصطدام الأول في غدير الحاج، وقبل اطلاق السامر والسحجة بالانتصار (مظهر احتفالي يؤرخ به الأردنيون بطولاتهم بالمعارك) تحركت القوات لتأمين منطقة عين وهيدة، وكذلك تأمين منطقة المريغة وبهذا تكون القوات قد أمنت خطاً واقيا خلفيا يفصلهم عن القوات العثمانية المحتلة وحلفائها من ألمان ونمساويين في سجن معان بدءا من وهيدة الى المريغة ثم ابو اللسن وحتى راس النقب.

ولقد اثبتت معركة أبو اللسن الى ان قوات العشائر الأردنية تملك القدرة على التخطيط العسكري، وتنفيذ عمليات متطورة بكل انضباط مع معنويات وشجاعة فائقة، فقد فاجأوا قوات الاحتلال من جهة مخفر الفويلي، وارغموا القوات العثمانية وحلفائها الألمان والنمساويين على الانسحاب والفرار باتجاه الشمال الى مرتفعات المريغة ووادي موسى نفسها، ويبلغ طول هذا الخط الدفاعي حوالي ٢٥ كلم وعرف هذا الخط بالروايات الشفوية لاحقاً بتسمية “واسط البيت” تبعاً لتوصيف بناء بيت الشعر حيث يكون واسط البيت العمود الأهم الذي تتمركز حوله الأعمدة هندسياً.

عدد من ضباط و مقاتلي الثورة و عربات النقل في معسكر القويرة

عدد من ضباط و مقاتلي الثورة و عربات النقل في معسكر القويرة

مجموعة من ضباط و مقاتلي قوات الثورة في معسكر القويرة

مجموعة من ضباط و مقاتلي قوات الثورة في معسكر القويرة

قوات الثورة في طريقها لرأس النقب " نقب اشتار " حسب مخطط مسار المعارك الأول المرسوم من قيادة الثورة

قوات الثورة في طريقها لرأس النقب ” نقب اشتار ” حسب مخطط مسار المعارك الأول المرسوم من قيادة الثورة

  1. رأس النقب – القويرة

بعد معركة “أبو اللسن” تحركت الحملة الى رأس النقب حيث كان الموقع خالياً من القوات العثمانية نتيجة فرارها. واصلت الحملة السير جنوباً الى القويرة ووصلتها بأوائل شهر تموز 1917، حيث استسلمت هناك الحامية التركية وقواتها البالغ عددها 120 جندي عثماني محتل أغلبهم من الأتراك خوفاً ورعباً من أخبار الانتصارات والتحرير القادمة على رؤوس أسنة فرسان العشائر الاردنية المقاتلة.

وبالتفاصيل، أتى الاستسلام بشكل خاص لأن جنود الاحتلال كانوا على قناعة تامة بأن ظلمهم للأردنيين وتهميشهم المتعمد عبر أربعة قرون قد أتت نهايته الحتمية وبأنهم معتدون ولا يرتبطون بهذه الارض بشيئ وأن الثورة جاءت كاستحقاق تاريخي ردا على جرائمهم التاريخية حيث يصور الباحث و المؤرخ التركي ” مراد نالتشجه ” بترجمته لكتاب ( أُمروا أن يموتوا )- من تأليف الانجليزي ادوارد ج.اريكسون – واقع شعور الجنود الأتراك بعبثية وجودهم وبشرعية زوالهم وبأن قيادتهم لا تكترث لحياتهم وهمها جمع الأحجار الكريمة لثيابهم وتقاسمها مع جواريهم.

هنا التقى الشريف ناصر بن علي بشيخ عشيرة النجادات الشيخ حسن النجادات وبعد اتمام المهمة استمرت الحملة في سيرها لتمر من منطقة خربة الخالدي التي توجد خلف تل كبير وسط سهل منبسط وفيها الآن بقايا لمعسكر استخدمه الأتراك ووصلته قوات الثورة  خاليا بعد فرارهم، لأن من فيه من القوات التركية فرّت الى منطقة خربة كثارة.

  1. كثارة

كان في الموقع مخفر تركي وحامية تركية تسيطرعلى خط المواصلات عبر وادي اليتم. وقد تقدمت قوات الثورة اليه ونفذت هجومها الثالث عليه بعد غدير الحاج وأبواللسن، وبعد معركة المطاردة تمكنت قوات العشائر الأردنية من أسر 70 جنديا تركيا من المشاة و 50 ضابطا من الترك والألمان والنمساويين فيه. يجدر الذكر بأن أخلاق الفروسية النبيلة لدى القيادة الهاشمية للثورة والأصيلة كذلك لدى العشائر الأردنية عنت أن الأسرى الأتراك والألمان والنمساويين كانوا يعاملون بخلق وانسانية رغم أنهم وعلى مدار تاريخهم لم يحترموا أخلاق الفروسية وشنَعوا بالأسرى بسجن معان سيئ الذكر.

تعد خربة كثارة آخر موقع على حافة وادي اليتم من الجهة الجنوبية الغربية وتشرف على مياه العقبة حيث يلي الموقع خربة أم نصيلة وخربة بئر الخضراء والموقعين تحصن فيهما الأتراك بعد ورود اخبار الإنزال المزمع لقوات الثورة العربية الكبرى على شاطئ العقبة، ولم يحسبوا أن الهجوم المفاجئ سيكون من جهة الشمال، ومن هنا فقد جاءت تحصينات الأتراك بمواجهة البحر جنوبا ومكشوفة من الشمال بسبب التمويه الذكي من قوات الثورة مما ساهم في نجاح هجومها لتحرير العقبة .

مجموعة من فرسان ومقاتلي الثورة تشن هجوما على حامية تركية في العقبة

مجموعة من فرسان ومقاتلي الثورة تشن هجوما على حامية تركية في العقبة

عدد من الجنود وعربات النقل والمدافع داخل حصن " قلعة " العقبة

عدد من الجنود وعربات النقل والمدافع داخل حصن ” قلعة ” العقبة

  1. الدخول الى العقبة / نهاية مسار المعارك الاول

برزت أهمية العقبة العسكرية خلال احداث الثورة العربية الكبرى بشكل مفصلي وقد كان لتحريرها من قبل قوات الثورة يوم 6 تموز 1917 م بمثابة الانعطاف التاريخي الهام الذي أعطى الثورة العربية الكبرى بعداً جديدا. فبعد السيطرة على خط وهيدة – المريغة – ابواللسن – رأس النقب شمالا قام الشريف ناصر بتأمين خط دفاعي جديد يتمثل بموقع أم نصيلة – تل المقص – بئر الخضراء – كثارة خلف موقع العقبة بمسافة تراوحت بين 10-15كم وبجبهة امتدادها من الشمال الى الجنوب تقريباً 15 كم.

تحيط بالعقبة شمالاً وشرقاً مواقع أم نصيلة وبئر الخضراء وتل المقص، لذلك فإن مواقعها المشرفة على العقبة، ووجود بعض التلال المنفردة والأشجار التي لم تقطع لبناء وتشغيل القطار العسكري، جعلها ذات قيمة عسكرية لكونها تشرف مباشرة على ساحل العقبة، وأشهر هذه المواقع هو تل المقص الذي يقع حاليا الى الجنوب من مطار الملك الحسين بالعقبة. والملاحظ أن الخرائب وبقايا الآثار والعمران كانت قد احتلت وطرد منها سكانها لتستخدم كمراكز عسكرية لقوات الاحتلال التركية العثمانية. وهكذا كانت الخطة التركية للسيطرة على الساحل، بالتمركز فى هذه المواقع وتموضع المدفعية الخاصة بهم، والسيطرة على الشواطئ، ومنع حدوث أي انزال عسكري بحري.

قوات الثورة في مسيرة عسكرية بقيادة حملة الرايات في العقبة

قوات الثورة في مسيرة عسكرية بقيادة حملة الرايات في العقبة

وصلت قوات العشائر الأردنية الى هذه المواقع بتاريخ 5 تموز 1917 وحاصروها، وأمام واقع الضربة المفاجئة والحصار المنضبط وقطع الإمداد عنهم ووجود رفض كلي من قبل أهل العقبة للاحتلال ومساندتهم الكاملة لقوات التحرير الأردنية، استسلمت قوات الاحتلال في صباح 6 تموز1917 وكان عددهم 300 جندي وضابط تركي وألماني ونمساوي، وبالتالي انكشفت قوات الاحتلال وحلفائها المتواجدة حول قلعة العقبة.

ملخص عام عن شهداء وقتلى وأسرى مسار العقبة

ملخص عام عن شهداء وقتلى وأسرى مسار العقبة

و في خلال كافة هذه العمليات خسر الأتراك ما لا يقل عن 600 قتيل و 780 اسير بينهم 35 ضابطا أحدهم برتبة ( أميرالاي ) ومن جملة الأسرى مهندس ألماني كان له دور كبير ومؤثر. كان هذا الانتصار من أعظم ما أحرزته قوات الثورة من انتصارات في معارك مواجهة انتصرت فيها الفروسية وقوة الإرادة التي أظهرها رجال العشائر الأردنية على قوات نظامية مسلحة وقوية التدريب والتسليح والجاهزية، ويعود الفضل في تلك الانتصارات إلى الشيخ عودة أبو تايه و من التف حوله من قوات العشائر الأردنية من أبناء الحويطات والرولة والشرارات .

وحالما دخل الشريف ناصر و عودة أبو تايه إلى العقبة مكللين بالانتصار، بادر الشريف ناصر بالكتابة إلى الأمير فيصل وأرسل رسالته مع عدد من هجانة قوات العشائر الأردنية إلى معسكر الأمير فيصل قرب الحدود الأردنية الحجازية، ومن هناك أرسل الامير فيصل بن الحسين رسالة إلى أبيه الشريف الحسين بن علي قال فيها ” إن جيوشكم المنصورة استولت على العقبة و أخذت جميع حاميات درب العقبة و معان “.

وفي الشهر التالي وتكريما لقادة الثورة على هذا الانتصار أهدى الحسين سيفين إلى كل من الشريف ناصر بن علي والشيخ عودة أبو تايه  نظير بسالتهم واخلاصهم وشجاعتهم في العمليات العسكرية لتطهير العقبة من الاحتلال التركي.

الموقف البريطاني والفرنسي من تطهير العقبة

الكثير من المصادر تجمع على أن تطهير العقبة قد أثار الخوف والريبة والقلق لدى قوات الحلفاء خاصة وأن تطهير العقبة قد جاء بعد حوالي السنة من توقيع اتفاقية سايكس بيكو وباشتراك روسيا القيصرية، وقبل اكتشاف أمر هذه المعاهدة فى شهر تشرين الاول 1917، كان تطهير العقبة ووصول القوات العربية خارج الحسابات البريطانية والفرنسية وهذا أدى الى اعادة النظر والدراسة في ضوء الاتفاقية الموقعة بين الطرفين، ذلك أن البريطانيين كانوا يريدون ان يكون دور قوات الثورة والعشائر الأردنية محدودا وأن لا يصل إلى السيطرة مطلقا و يتضح ذلك في رسالة طويلة بعث بها الميجر جويس من منطقة الوجه إلى ولسون في جدة يحذره فيها من خطط الأمير فيصل و اتفاقه مع العشائر الأردنية على تطهير العقبة و الأراضي الأردنية و التوسع شمالا في عمليات الثورة حيث يقول ” ان جميع جهود الأمير فيصل تتركز الآن على الشمال، على اساس عقد ترتيب مع القبائل الأردنية من أجل أن تتعاون و تقوم بهجوم عام على خط سكة الحديد في المنطقة…..حاولت أن احصر مطامح الأمير فيصل في نطاق محلي وفي العمليات العسكرية ، ولكن من الواضح أنه تكونت لديه أفكار عريضة جدا تفوق رغباتنا “  ولذلك كان واضحا أن قوات الحلفاء كانت ترغب بحصر دور العشائر الأردنية  في النطاق التالي فقط :

أ . الشغب و اثارة والقلاقل وتوجيه الضربات غير الحاسمة ضد الترك في المنطقة لمنع انسحاب القوات التركية لدعم جبهات الشمال تلك التي تستعد القوات البريطانية للدخول اليها .

 ب . ان تبقى حركة قوات الثورة داخل الإطار المرسوم لها وعدم اعطائها أي بعد وطني، لتناقض ذلك مع المخططات الموضوعة بين الدولتين، ولأن هذا سيدفع العرب – والأردنيين على وجه الخصوص – بعد تخلصهم من الاحتلال التركي الى البحث في أمر استقلالهم هم أيضا.

تعتبر مدينة العقبة نهاية المسار الأول للثورة العربية الكبرى في الاردن وهو المسارالأهم لأن تطهير العقبة من قبل قوات الثورة القليلة العدد البسيطة التسليح وعظيمة العزيمة، جعل الحلفاء ينظرون بطريقة مختلفة لقوات الثورة، ولكن الأهم أن  تطهير العقبة قد أظهر قدرات قوات العشائر الأردنية وتصميمها على الاستقلال، ونقل العقلية العسكرية الى دائرة الجد والتعامل بمنطق وثقة وعدم التردد في اتخاذالقرار.

نستعرض بالبحث القادم الانطلاق من العقبة بعد تحريرها والمسار الثاني لتحرير الأردن من الاحتلال العثماني التركي وحلفائه

تحميل المؤن على قافلة التموين المتجهة من العقبة إلى أبو اللسن

تحميل المؤن على قافلة التموين المتجهة من العقبة إلى أبو اللسن


المراجع :

  1. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة / البحث التاريخي والإشراف بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل خولة ياسين الزغلوان ، و فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 ، ص 135-141 .
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى ، الحرب في الحجاز  (1916-1918)، سليمان الموسى ، عمان ، 1989 .
  4. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.
  5. المراسلات التاريخية 1914-1918 : الثورة العربية الكبرى. المجلد الأول / أعدها وحققها وكتب حواشيها وترجم بعضها سليمان موسى. الثورة العربية الكبرى، 1973.
  6. جيل الفداء : قصة الثورة الكبرى و نهضة العرب/ قدري قلعجي.
  7. المعارك الأولى : الطريق إلى دمشق / صبحي العمري. Early Battles : The Road to Damascus ، رياض الريس للكتب والنشر.