أساطير الفلك الشعبي لدى الأردنيين

مقدمة

يزخر الإرث الأردني بالكثير من المعتقدات والأساطير التي ترتبط بالفلك الشعبي والنجوم والأجرام السماوية تحديدا؛ منها ما يدخل بالمعتقدات ويصبح مرتبطاً ببعض المناسابات والطقوس الخاصة به، حيث أن بعضها أصبح ينقل كقصة أو حكاية تروى بهدف التسلية.
في هذا البحث من سلسلة الفلك الشعبي الأردني نسلّط الضوء على أبرز الأساطير المرتبطة بالفلك الشعبي الأردني.

قران العجوز أو قران العجايز

تطلق هذه التسمية على سبع ليال مجتمعة بين شهري شباط وآذار، وتتتوزع على آخر ثلاث أو أربع ليالٍ في شهر شباط (فبراير-2) وأول ثلاث أو أربع ليالٍ من شهر آذار (مارس-3)، بحيث تكون هذه السبع ليال ثلاث منها في آخر شهر شباط إذا كانت السنة عادية وأربعة ليالي في حال كانت كبيسة.

تناقل أجدادنا الأردنيون حتى يومنا هذا عدة روايات عن قران العجوز أو قران العجايز، وسوف نذكر أبرز رواية عن هذه القصة الأسطورية :

يروى أن عجوزاً ( سيدة طاعنة بالسن ) تسكن لوحدها في خربوش (نوع من أنواع بيت الشعر[1]) وعندها ناقتها ومونة كثيرة، قالت في يوم من أيام شباط متحدية شهر شباط وبرده :

                                                    مونتي وفيرة وناقتي وبيرة

                                                                    وهذا شباط كويناه بالمخاط

حيث أنها تشير لاستعدادها التام لبرد شباط فعندها مايكفيها من المونة (مونتي وفيرة) وناقتها دافئة وعليها وبر يحميها من البرد ( ناقتي وبيرة ) ثم أنها آذت الشباط وتمكنت منه ( وهذا شباط كويناه بالمخاط ) والمخاط هو إبرة كبيرة تستخدم لخياط الأقمشة السميكة مثل بيوت الشعر والبسط، ولسوء الحظ يسمعها شباط ويستفز ويغضب حيث يقرر طلب المساعدة من آذار ( مارس ) فيقول شباط: ( أخوي يا آذار نخيتك تاخذلي حقي من هالعجوز ثلاثة مني وأربعة منك وتصير البلاد بحيرة ونخلي العجوز تنط نطاط ) أي أن شهر شباط طلب العون من آذار لأن يأخذ حقه من العجوز بأن تصبح الأرض كثيرة التجمعات المائية ( وتصير البلاد بحيرة ) ثم تصبح الرياح قوية وباردة جدا ( ونخلي العجوز تنط نطاط )، وهذا ما حدث فعلا، إذ انتقم شباط باتحاده مع آذار منها وتحولت أيامه الأخيرة إلى وبال على العجوز.

نجم الجدي وبنات نعش

صورة متحركة توضح دوران كوكبة بنات نعش الصغرى (الدب الأصغر) حول نجم الجدي، وتتضمن الصورة مجموعة ذات الكرسي.

كما أشرنا في أبحاث الفلك الشعبي الأردني السابقة فإن مجموعة بنات نعش تتكون من سبع نجمات، تقول الأسطورة أن نجم الجدي اختلف مع والد البنات السبع ثم قتله، فبقين البنات منذ مقتل أبيهن وهن يدرن حول نجم الجدي طلبا للثأر، وبذا فسّرت هذه الأسطورة سبب دوران بنات نعش حول نجم الجدي.

قصة (سعد)

 كما ذكرنا سابقا في بحثنا (رزنامة المواسم والفصول الأردنية) أن ثاني جزء من فصل الشتاء يسمى العقارب، مقسمة على ثلاثة نجوم صنفها أجدادنا كالتالي (أولها سم، وأوسطها دم، وآخرها دسم) فالأول والثاني هما آخر فصل الشتاء وأيضا يسميان (سعد الذابح وسعد بلع) وسميت العقارب لأن بردها يأتي فجأة فيلسع كالعقرب، فالعقرب الأول (عقرب السم) أو سعد الذابح؛ برده شديد يشبه السم، أما العقرب الثاني (عقرب الدم) أو سعد بلع أو سعد البالع والذي سمي بذلك لأن البرد يبدأ فيه بالانحسار فيعود الدم بالتحرك في الجسد دلالة على الدفء، أما دخول نجم سعد السعود (عقرب الدسم) فهو إشارة لدخول فصل الربيع في الثامن من شهر آذار(مارس)،  حيث أنه سمي بسعد السعود دلالة على البهجة التي تحملها هذه الفترة من فصل الربيع فتزهر الأشجار وتغمر الأرض بالأعشاب ويكثر حليب المواشي، أما سعد الخبايا أو الأخبية فهو الجزء الثاني من الربيع ويبدأ مع طلوع نجم الحميم الأول إذ أن الطقس يميل فيه للدفء، وتورق فيه الأشجار وتزهر ؛ ويعتدل فيه الربيع بالحادي والعشربن من آذار (مارس) وتنهي الزواحف والأفاعي سباتها.

تقول الأسطورة أن سعد هو شخص قرر أن يسافر في آواخر كانون الثاني (يناير) وحاولت والدته أن تمنعه من هذا التصرف بسبب الجو البارد جدا، حيث أن هذه فترة من الشتاء تحمل معها الكثير من العواصف والثلوج، لكنه أصر على السفر آخذاً معه ناقته، وفي بداية شباط (فبراير-2) بدأت الأمطار الغزيرة والبرد القارس، فشارف سعد على الهلاك وحلم في ليلتها أن أمه تقول لهُ : ( إن ذبحت ياسعد تسلم ) أي أن نجاتك مرتبط بذبح ناقتك، فذبح سعد ناقته وأزال أحشاءها واحتمى بجثة الناقة لمدة ثلاثة عشر يوماً فسميت هذه الفترة ( سعد الذابح )، ثم بدأ يأكل لحم الجيفة لمدة ثلاثة عشر يوماً فسمي ( سعد البالع ) لأن لحم الجيفة قاسٍ وكان يأكله نيئاً لذا اضطر لأن يبلعه بلعاً، وعندما زالت موجة البر والصقيع لبس سعد جلد الناقة فرحا بنجاته من الهلاك؛ فقيل (سعد السعود) وهي مدة أيضاً تمتد لثلاثة عشر يوماً وبنهاية البرد وعندما بدأ الطقس بالاعتدال خرج سعد وعاد لأمه فقالوا (سعد الخبايا) دلالة على أن سعد عاد من المكان الذي كان يختبئ به.

مشهد سينمائي مشابه لقصة سعد مأخوذ من فيلم the revenant

خسوف القمر والحوت

كان أجدادنا يفسرون خسوف القمر بأن حوتاً قد ابتلع القمر ولأنهم يعتبرون القمر لهم وهو نور ليلهم الطويل فيتحتم عليهم أن يساعدوا القمر، ولم يكن بوسعهم إلا أن يخيفوا الحوت بكل الوسائل المتاحة؛ حيث أنهم كانوا يطلقون الرصاص من بنادقهم باتجاه السماء حين الخسوف ويضربون آواني النحاس ويرددون ( حوت؛ بالله ياحوت لاتخلي قمرنا يموت ) ظننا منهم أنهم بذلك يُفزعون الحوت ويجبرونه على إعادة القمر لموضعه بعد اخراجه من باطنه.

رسم تاريخي لشعب الإنكا وهو يقوم بطقس الخسوف مشابه بعض الشيء لما كان يقوم به أجدادنا.

مراحل خسوف القمر.

طاسة الخريعة

الخريعة أو الرعبة هي الخوف من شيء بشكل مباشر، فكان أجدادنا الأردنيون يضعون ماءً في آنية نحاسية منقوش عليها آيات أو أدعية ثم يتركونها تحت النجوم ليلة كاملة من ثم يسقون المرعوب من هذه المياه ليتجنبوا أن يدوم أثر هذا الموقف المرعب في حياته، علماً أن هذه الطريقة تستخدم إلى يومنا هذا عند بعض الأردنيين.

طاسة الخريعة، المصدر: موسوعة وكيبيديا الحرة.

خاتمة

نستنتج مما سبق أن أجدادنا الأردنيين كانوا يفسرون الكثير من الظواهر الفلكية والكونية بالأساطير والحكايات التي توارثوها جيلا عن جيل والتي أغنت إرثنا الوطني وزادته ألقا ومتعة وهذا يدل بالطبع على اتساع مخيلتهم وقدرتهم على على ربط الحقائق العلمية مع معرفتهم وخلفيتهم الثقافية إذ أنهم لم يتركوا شيئاً إلا ووجدوا له تفسيراً يسهل عليهم فهم مايدور حولهم وأيضا يضيف قصصا وحكايات يتسامرون بها خلال (تعاليلهم) وسهراتهم.
المراجع

  • أبو الغنم، أحمد سلامة ،”البادية عادات وأعراف“،منشورات وزارة الثقافة،2013.
  • عبندة،علي، “الفلك والأنواء في التراث“، دار الفرقان للنشر والتوزيع،1998 .
  • العثمان، عواد ملهّي، “علم الفلك الشعبي وحساب المواسم والفصول“، دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، عمان-الأردن، 2018.
  • الخليلي،علي،”مدخل إلى الخرافة العربية“،مطابع الإقتصاد،نابلس،1982.

[1] طالع بحث بيت الشعر