الدلعونا

مقدمة

تُعتَبر الدلعونا من أكثر القوالب الغنائية الشعبية شهرةً في الأردن والمناطق المجاورة، وهي ترتبط حصرًا بالمناطق ذات الطابع الريفي، وقد أغرق الأردنيون من سكّان الريف بخلق أنماطٍ متنوّعةٍ من الدلاعين حتى ذاع صيتها على امتداد الجغرافيا الأردنية وأصبحت الدلعونا، بألحانها ومفرداتها وأسلوبها الخاص، معروفةً لكافة أطياف المجتمع الأردني باختلاف مكوّناته، وذلك يقودنا إلى أن اختلاف الأنماط الموسيقيّة في الأردن رافقه تفاعل وتبادل وانفتاح سهَّل من انتشار تلك الأنماط وقبولها واستيعابها حتى وإن لم تكن مُستخدمة في منطقة دون الأخرى.

حَمَّل الأردنيون الدلعونا كثيرًا من فِكرهم الخاص، فبات هذا الفن يؤرّخ لعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم وفلسفتهم الخاصة في الحياة والحب والواقع الاجتماعي الذي عاشوه. وعليه فقد تنوّعت الدلعونا في أغراضها، من الغزل وشكوى الحب وشيطنات الشباب وحتى الدلاعين التي قيلت في الأولياء والجنّة، مما انعكس على أنماطها الشّعرية واللحنية.

أصل التسمية

يشير اسم قالب الدلعونا بشكل واضح إلى أنه مُشتقٌ من مفهوم “الدّلع”، والدّلع هو التأبّي والصدود عن “الوليف” واخفاء رغبة الوصل رغم وجودها، وهو شكلٌ من أشكال المشاكسة العفوية بين الأحبّة.

الانتشار

ارتبطت أغاني الدلعونا بالدبكات بشكلٍ مباشر وحصريّ، واستُخدِمَت معها الطبلة والشبّابة والمجوز، وهي من الآلات الموسيقية المنتشرة في وسط وشمال الأردن وارتبطت بالفنون الريفية. وكان البناء الشعريّ للدلعونا من مؤشرات ارتباطها بالدبكات، فهي تُبنى على شكل أربعة أشطر شعريّة، تنتهي جميعها بقافية معيّنة باستثناء الشطر الأخير الذي يجب أن ينتهي بقافية “و،ن،ا”، مع إطلاق حرف الألف الأخير، فتكون هذه الألف إشارة لقائد الدبكة “اللوّاح” ليقوم بسحب الراقصين إلى القفز السريع.

وعليه؛ فإن الدبكة التي سمحت الطبيعة المكانيّة ذات السهل المنبسط في المكان الريفي لانتشارها بشكلها السريع والرشيق، في حين لم تسمح الطبيعة المكانيّة في مناطق أخرى ذات الحنايا الجبلية بانتشار الدبكات لصالح ظهور الصحجة ذات الحركات الثقيلة، أدّى ذلك إلى انتشار الدلعونا بمناطق دون الأخرى، في حين ارتبطت الصحجة (وهي الرقصة النظيرة للدبكة) بقوالب غنائية أخرى مثل السامر والهجيني.

الخصائص الفنيّة

الشّعر : يتكوّن نص قالب الدلعونا من أربعة أشطر تكوِّن بيتي من الشّعر الشعبي، تنتهي الأشطر الثلاث الأولى بقافية واحدة معيّنة، في حين ينتهي الشطر الأخير، دائمًا ولِزامًا، بالقفلة الدلعونية الشهيرة المأخوذة من اسم الدلعونا، وهي الواو والنون والألف المطلقة، كما في المثال التالي :

ثلاث غزلان من الشَّرِق طَلَّنْ                     مَدَّن العِبِي وراحَن يصَلَّنْ

سِمعَن المِجْوِزْ صارَن يغنَّنْ                      غيَّرَن اللحن على دلعونا

وقد تتبدّل القافية الدلعونية من (ونا) إلى (وما) في بعض أبيات الدلعونا :

على دلعونا ليش دلَّعتيني                             عرفتيني مجوَّز ليش أخذتيني

لاكتُب طلاقِك ع ورقتينِي                           واجعل طلاقِك في هذا اليوما

في بعض الأحيان يتغيَّر بناء القوافي الشعريّة في أشطر الدلعونا إلى أسلوبٍ مختلف، الغرض منه تنويع الصوت الشعريّ وكسر الرتابة الإيقاعية في الكلمات، بحيث تكون الأشطر (الأول والثاني والرابع) منتهية بالقافية الدلعونية، وتصبح القافية المختلفة في نهاية الشطر الثالث، كما في المثال :

على دلعونا على دلعونا                     الهوا الشّمالي غيَّر اللونا

الهوا الشّمالي غيّرلي حالي                 حبَّت بدالي بنت الملعونا

اللحن : يتألف لحن الدلعونا من جملتين موسيقيتين متكررتين، وغالبًا ما تكون على مقام البياتي، ويلازمه إيقاع الملفوف الثنائي. ولكن بالرغم من ذلك، إلا أن ألحان الدلعونا تنوّعت حتى وصلت إلى أكثر من سبع ألحان معروفة ومشهورة، تشترك جميعها بنفس الأسلوب اللحني والإيقاع، مع اختلاف في المسافات بين النغمات أحيانًا أو درجة الركوز أو الحليات اللحنية.

الأداء : بعكس بعض القوالب الغنائية الأخرى التي يكون فيها الغناء حكرًا على أحد الجنسين، يشترك الرجال والنساء في غناء الدلعونا على حدٍّ سواء، ولا يكون الاختلاف بين النمط الذكوري والانثوي سوى في المضمون الشِّعري وأسلوب الغناء الذي يأخذ منحىً أكثر صلابةً وحيويةً للتعبير عن الشخصيّة الذكورية.

المراجع :

  • العمد، هاني صبحي، أغانينا الشعبيّة في الضفّة الشرقيّة من الأردن، 1969 الطبعة الأولى، منشورات دائرة الثقافة والفنون وزارة الثقافة والإعلام، عمّان، الأردن.
  • غوانمة، محمد، الغناء الرّيفي في الأردن 2009، قسم الموسيقى، جامعة اليرموك، إربد، الأردن.