الأبراج الأردنية العمونية

رجم (برج) الملفوف جبل عمان

مقدمة

في المصطلح الشعبي الأردني تطلق كلمة رجوم على الكثير من الرقم الحجرية الأثرية، وكان الأردنيون يعاملونها بشيء من الاهتمام، ولم يظهر حالات من التعدي عليها، حيث بقي العديد منها على حاله منذ آلاف السنوات إلى اليوم دون أي اعتداء بشري، ولقد سميت العديد من المناطق بناء على وجود هذه الرجوم، مثل رجم الشامي ورجم الملفوف في عمان (أحد الأبراج العمونية).

ولقد وجد في مناطق المملكة الأردنية العمونية، العديد من المواقع الأثرية التي أطلق عليها الأردنيين الرجوم، ومن ضمنها ما لفت انتباه الباحثين، وبدؤوا بدراستها وأطلقوا عليها اسم الأبراج العمونية، عندما استطاعوا تحديد الحقبة التاريخية التي تعود لها هذه الأبراج.

لقد شكلت الأبراج الأردنية العمونية قضية اشكالية لدى الباحثين المختصين، حيث أنها تدل على نمط عمراني متناسق، وقد اختلف الباحثون على أسباب بناء هذه الأبراج واستخداماتها.

في هذا البحث سوف نبين وجهات النظر المختلفة حول استخدام هذه الأبراج، كما سنذكر أسلوب بنائها، ومواقعها، وسنأخذ برج خلدا كحالة دراسية لنوضّح تصميمه وأسلوب بنائه.

الأبراج الأردنية العمونية – مواقعها وتصاميمها

تقع أغلب الرجوم العمونية في حدود محافظة العاصمة – مدينة عمان الحالية، وتتركز معظمها في مناطق عمان الغربية تحديدا، على تلال أو تلاع مشرفة تحيط بها أراض واسعة تحتوي على مصادر المياه وذات تربة خصبة، ومن هذه الأبراج:

  1. برج خلدا (غرب العاصمة الأردنية عمان)
  2. برج الملفوف (في وسط العاصمة الأردنية عمان، منطقة جبل عمان بالقرب من الدوار الرابع)
  3. رجوم أبو نصير (وهي بقايا عدة أبراج عمونية في منطقة أبو نصير شماليّ العاصمة الأردنية عمان)
  4. رجوم الصويفية وعبدون (وهي بقايا أبراج عمونية في منطقتي الصويفية وعبدون غرب العاصمة الأردنية عمان)
  5. رجم القويسمة (وهو بقية برج عموني في منطقة القويسمة شرق العاصمة الأردنية عمان)
  6. رجوم الحنو (وهي رجوم لأبراج عمونية في منطقة الحنو/ البلقاء)

ولقد قسمت الأبراج العمونية بناء على تصاميمها إلى نوعين رئيسيين:

رجم (برج الملفوف) جبل عمان

  • الملفوف: حيث صمم هذا النمط من الأبراج العمونية بشكل دائري أو اسطواني، وسمي شعبياً بالملفوف، واعتمدت هذه التسمية من قبل الآثاريين، ولقد أخطأ بعض علماء الآثار الأجانب التسمية في بعض المواقع وترجموه إلى الإنجليزية “cabbage” أي نبات الملفوف وهو خطأ بالترجمة ليس إلاّ.
  • القصر: ويعني الشكل المربع أو المستطيل، حيث بنيت العديد من الأبراج العمونية على شكل مربع أو مستطيل ودرجت تسميتها بالقصر.

وهنالك أيضاً شكل ثالث أكثر ندرةً للأبراج العمونية، وهو خليط ما بين الملفوف والقصر.

الأبراج العمونية – أسباب بنائها واستخداماتها

المغفور له الملك عبدالله الأول في زيارة لبرج الملفوف جبل عمان خمسينيات القرن الماضي، جريدة الرأي

لقد تعددت النظريات حول أسباب بناء أجدادنا الأردنيين العمونيين لهذه الأبراج وماهية استخداماتها، ولكن برزت نظريتان رئيسيتان حول هذه الأبراج في المجتمع البحثي، النظرية الأولى وهي الأقدم، ترى أن الأردنيين العمونيين قاموا ببناء هذه الأبراج لأسباب دفاعية كونها بنيت من حجارة ضخمة مشذبة نسبياً، و بارتفاعات عالية قياساً لمباني ذلك الزمن، كما أن المواقع التي بنيت بها هذه الأبراج تعتبر مواقع استراتيجية تشرف على المناطق المحيطة بها.

إلا أن الباحثين المتأخرين ونتيجة للتطور العلمي في دراسة البقايا الأثرية، ودقة التنقيبات الأثرية، وجدوا بذور عنب وزيتون مكربنة تؤرخ للملكة الأردنية العمونية، فاستنتجوا أن هذه الأبراج تعتبر وحدات زراعية متكاملة يسكنها المزارعون ويخزنون محاصيلهم الزراعية بها، وتقوم هذه الوحدات بتزويد العاصمة الأردنية العمونية ربة عمون باحتياجاتها من محاصيل زراعية.

ولكننا نرى أن هذه الأبراج خدمت الغرضين في آن، حيث أنه مما لا شك فيه أن هذه الأبراج تحمل صفات دفاعية على درجتين، الدرجة الأولى حماية المزارعين أنفسهم من الأخطار المحيطة سواءً من قبل السارقين أو الغازين القادمين من الحدود الشرقية للمملكة الأردنية العمونية، كما تحميهم من الأخطار الطبيعية سواءً كانت مناخية أو مرتبطة بالحيوانات المفترسة، أما على الدرجة الثانية فهي وحدات استطلاع متقدمة تستطيع كشف الجيوش القادمة من مسافات بعيدة، ومتانة بنائها تمنحها أفضلية دفاعية قادرة على تعطيل تقدم العدو إلى حين إبلاغ القيادات المسؤولة في العاصمة الأردنية العمونية آنذاك ربة عمون.

أما على الجانب الآخر فإنه من الواضح أن هذه الأبراج كانت تشكل وحدات زراعية مكتملة قد تكون الأساس للإنتاج الزراعي في المملكة الأردنية العمونية.

وصف تقريبي للأبراج العمونية – برج خلدا نموذجاً

  • وصف البرج من الخارج

الدرج الصعد على جدار ملفوف برج خلدا من الجدار الخارجي، المومني، أحمد محمد خير (1996).

يعتبر برج خلدا أحد الأبراج العمونية ذات التصميم الثالث الذي يدمج بين الملفوف والقصر، حيث يتكون برج خلدا من مبنى دائري (ملفوف) يتصل به من الشمال الشرقي مبنى مستطيل (قصر)، منفصلان تماماً، ولقد استخدم في بناء البرج حجارة كلسية وصوانية كبيرة الحجم و مشذبة تشذيباً بسيطاً.

لقد بلغت مساحة برج خلدا 190 م2، توزعت بين البناء الدائري (الملفوف) 78.57 م2، فيما شغل البناء المستطيل (القصر) باقي المساحة.

ولقد تباين عرض جدران المبنى الدائري (الملفوف) بين جدار وآخر، وقد غطيت هذه الجدران بقصارة من الخارج، وبنى المبنى المستطيل (القصر) من نفس نوع الحجارة، وكانت جدرانه تميل 15 درجة جنوباً وشرقاً، وعند التقاء جدران المبنيين من الجهة الجنوبية وجدت بقايا مدخل للبناء الدائري (الملفوف)، في حين لا يمكن التعرف إلى مدخل المبنى المستطيل (القصر)، ولا الآلية التي تجمع المبنيين سوياً، ويرتفع المدخل عن الأرض حيث وجد بقايا درج صاعد وآخر نازل على الجدار الخارجي للمبنى بالقرب من المدخل.

  • وصف البرج من الداخل

مخطط لبرج خلدا، المومني، أحمد محمد خير (1996)، العمونيون، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.

  1. المبنى المستطيل (القصر): قسم القصر من الداخل إلى أربع مساحات منفصلة، عن طريق أربع جدران داخلية، تستند إلى عمدان حجرية، المساحة الأكبر كانت ساحة داخلية في الزاوية الجنوبية الغربية للقصر حيث احتلت ثلثي مساحة المبنى، ويعتقد أن هذه الساحة كانت مكشوفة حيث لا وجود لعمدان ترفع السقف، ولربما كانت تستعمل للنشاطات اليومية، كما عثر بداخلها على بقايا بذور عنب وزيتون مكربنة،  فيما توزعت باقي المساحة على ثلاث غرف متقاربة المساحة.
  2. المبنى الدائري (الملفوف): يتكون المبنى الملفوف من ستة غرف، إحداها غرفة مركزية وهي الأكبر مساحةً تتوسط المبنى وتنفذ مباشرةً إلى الخارج حيث أن مدخلها هو المدخل الرئيسي للمبنى، فيما تحتوى على أربعة أبواب جانبية تفضي إلى الغرف الخمس المتبقية.

فيما كانت الغرفة الفرعية الأولى على شكل مثلث شرق الغرفة المركزية ويدخل عليها عبر أحد الأبواب الفرعية الأربعة، وتفضي هذه الغرفة من جهتها الغربية عبر مدخل صغير إلى الغرفة الفرعية الثانية التي جاءت أيضاً على شكل مثلث، بينما تفتح الغرفة الثالثة ذات الشكل المستطيل مباشرةً على الغرفة المركزية من نهاية جدارها الشمالي، عبر أحد الأبواب الفرعية الأربعة، أما الغرفة الرابعة فهي مثلثة الشكل أيضاً وتفتح على سابقتها عبر مدخل صغير، في حين جاءت الغرفة الخامسة على شكل مستطيل وهي أصغر الغرف.

الخاتمة

إن دراستنا للأبراج العمونية تتعدى بعدها العمراني، لتصل إلى المدلول الحضاري العميق الذي تشكله هذه المباني، فهي تؤشر إلى عدة مناحٍ حضارية، فبدايةً تعددت هذه الأبراج وفق نمط بنائي متطابق إلى حد بعيد، في توزيع يتسق مع جغرافيا المنطقة، يدل على نمط عمراني موحد يعكس طابعاً واحداً يميز هذه المملكة الأردنية الضاربة في الرقي والتقدم، في حين أن مواقع هذه الأبراج وارتفاعاتها تشي بتفكير عسكري استراتيجي متقدم على عصره، وقد يكون الغرض الإنتاجي الزراعي لهذه الأبراج دليلاً قاطعاً على تخطيط لوجستي بعيد المدى.

لقد قام أجدادنا الأردنيون الأوائل بواجبهم تجاه أنفسهم و تجاهنا وتجاه التاريخ على أكمل وجه، ونحن في هذه المحاولات البحثية نسعى لأن نتلمس دروب الصعود والرقي الحضاري على سبر أجدادنا في مختلف العصور، لنهيّء للأجيال القادمة أرضية معرفية صلبة يستطيعون البناء عليها لمستقبل يليقُ بماضينا المشرف.

المراجع

  • كفافي، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية والحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  • الموسى، سليمان (1985)، عمان عاصمة الأردن، منشورات أمانة العاصمة، عمان.
  • المومني، أحمد محمد خير (1996)، العمونيون، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.