المملكة الأردنية العمونية – العناصر الإثنية

مقدمة

مقطع من جبل القلعة (ربة عمون)

في بدايات العصر الحديدي الثاني انتقل أجدادنا الأردنيون الأوائل من التنظيم السياسي المسمى (المُدن الدول) وهي مجموعة من المدن تشكل كل منها دولة بحد ذاتها إلى تنظيم سياسي أكثر تطوراً وتعقيداً وهو (الدول الوطنية ذات السيادة على أرضها)، وهو شكل يعتمد على اتحاد قبلي ريفي مع مجموعة من المدن يفرض سيادته على كامل الإقليم المكوِّن للدولة، ويحمل روحاً وطنية تدفع الجميع داخل هذه الدولة للحفاظ على منتجهم الثقافي والحضاري، ومصالحهم المشتركة بطبيعة الحال، وقد أنشأ أجدادنا الأردنيون الأوائل ثلاث ممالك من نهر الزرقاء شمالاً حتى صحراء الحسمى جنوباً (عمون، مؤاب أدوم) وتعتبر نشأتهم المتزامنة والمشتركات الثقافية دليلاُ على تطور متوازٍ يُعزى إلى وجود جذر مشترك ضارب في عمق التاريخ.

في هذا البحث نحاول الإشارة إلى عدد من العناصر الإثنية الغالبة على المجتمع الأردني العموني والذي نسعى أن يكون إسهاما ولو بسيطاً في مراكمة المعرفة حول الجذور الإثنية للمالك الأردنية الثلاث بشكل عام والمملكة الأردنية العمونية بشكل خاص.

مفهوم الإثنية

الإثنية أو الجماعة الإثنية، هي مجموعة من الناس، يتشاركون في الأصل، والعادات والتقاليد، والنظم الرمزية مثل الميثولوجيا والفنون، وتجمعهم مصلحة مشتركة، ويتواجدون غالباً في حيز جغرافي واحد، وهذا المفهوم ليس مفهوما مؤطراً تماماً، ولا تعني الإثنية أنها مجموعة محصورة من الناس لا تربطها أي علاقات بمن هم حولها، ولا يعبر عنها دائماً بشكل سياسي.

ومفهومنا في هذا البحث للإثنية يعنى بدراسة المميزات الثقافية للمجتمع الأردني العموني عبر دراسة اللقيات الأثرية، وتحليل نمط العمران والبناء، واللغة، الأدومية، ككيان سياسي منفصل، يحمل صفاته الثقافية الاجتماعية التي تميزه عن محيطه.

اللغة الأردنية العمونية

قارورة تل سيران

استطاع علماء الآثار الدارسين للقيات الأثرية العمونية التي تحمل نقوشا، مثل قارورة تل سيران وبعض الأختام، وبعض الخربشات على قطع فخارية، من تحديد بعض خصائص اللغة الأردنية العمونية، وخصوصا الخط العموني، وقد وجدوا بعض التأثيرات من الخط الآرامي، بالإضافة إلى خصائص مشتركة مع الخطوط الأردنية المؤابية والأدومية، وبطبيعة الحال فإن اللغة الأردنية العمونية تصنف من ضمن ما يسمى اللغات السامية، أو أنها تعود إلى الجذر اللغوي الرئيسي التي تفرعت منه اللغات المحكية في جنوب غرب آسيا أو شرق المتوسط.

الممارسات العقائدية والديانة الأردنية العمونية

صورة لتماثيل عمونية، متحف الآثار الأردني/ جبل القلعة

تعد الممارسات العقائدية من أهم الخصائص الإثنية لأي مجتمع، والجدير بالذكر أن الممارسات العقائدية في العصر الذي وجدت به المملكة الأردنية العمونية، كانت تشمل إلى جانب الطقوس الدينية، أشكالاً من الفنون مثل التماثيل والنصوص المكتوبة، وعادات الدفن وغيرها.

إن التنوع الموجود في طرق الدفن التي مارسها أجدادنا الأردنيون العمونيون يدل على التباين الاجتماعي، ويدل أيضاً على وجود أنماط ثابتة من الدفن تعود إلى بنية عقائدية ثقافية واحدة، وقد تنوعت أشكال المدافن من الكهوف الطبيعية إلى الكهوف الصناعية، وصولاً إلى توابيت فخارية على شكل بشري، وكان هنالك أيضاً اختلاف في طرق الدفن بين الرجال والنساء، حيث يدفن الرجال مُمَددَين بصورة كاملة، بينما تدفن المرأة منحنية مع حليها.

ووجد أيضاً تأثراً عقائديا بمصر، في بعض التماثيل، حيث عثر على تماثيل تحمل لمسات مصرية، يُعزى هذا التأثر بالاحتكاك التجاري القائم بين الأردنيين العمونيين والمصريين في ذلك الوقت.

لا تختلف الديانة الأردنية العمونية في شكلها عن الديانات السائدة في المنطقة في ذلك العصر، حيث يوجد إله وطني رئيسي وهو في حالة الأردنيين العمونيين الإله ملكوم، بالاشتراك مع عدد من الآلهة المشتركة في المنطقة، وهذا التقاطع في الديانات في تلك الحقبة الزمنية يعود إلى عدة عوامل من بينها نمط الإنتاج المتشابه بين الشعوب، وحجم المعرفة المتشابه الذي يحيل إلى تفسير الظواهر الطبيعية بشكل متقارب، بالإضافة إلى التأثر بمعتقدات الشعوب الأخرى عبر التبادل التجاري أو الحروب والتحالفات وما للإمبراطوريات الكبرى من تأثير ملموس بطبيعة الحال.

ويسود اعتقاد لدى بعض الباحثين أن الطقوس الدينية الأردنية العمونية والمؤابية متشابهة إلى حد بعيد، يصل إلى أن تكون ديانة واحدة يختلف بها فقط اسم الإله الوطني بين ملكوم العموني وكموش المؤابي.

نمط البناء الأردني العموني

سوف نعتمد في دراسة نمط البناء في هذا البحث على جزئيتين أساسيتين تشكلان تمايزاً بين الشعوب في أنماط بنائهم، وهما (تقنية البناء، مخطط البناء).

أ. تقنية البناء

تقنية بناء “Boulder and Chink”
(Daviau 1999: Fig 5:1)

إن دراسة تقنية البناء في المواقع الأثرية تعتمد على عدة عوامل مجموعها يؤشر إلى صورة عامة عن التقنية أو التقنيات التي استخدمت في البناء في ظل ثقافة معينة، مع العلم بأن التقنيات المستخدمة في البناء في دولة معينة في ذلك العصر تتباين على حسب المحتوى البيئي للمناطق المختلفة، والحالة الاجتماعية والاقتصادية، كما تتباين بين المدن والريف.

في المواقع الأثرية العائدة لأجدادنا الأردنيين العمونيين، تم ملاحظة عدة تقنيات مستخدمة في البناء بين (المواد الخام المستخدمة، طرق بناء الجدران الداخلية والخارجية، طرق بناء الأسقف، وكيفية رصف الأرضيات).

الطابع العام الملاحظ في بناء الجدران في المملكة الأردنية العمونية، يدل على أن الحجارة الكلسية والصوانية الكبيرة الحجم استخدمت في بناء التحصينات الخارجية، فيما استخدمت الحجارة الكلسية في بناء المنازل، في حين استخدم الطوب في بناء الطوابق العلوية من المنازل، كما رُفِعَت السقوف باستخدام عمدان خشبية تستند إلى قواعد حجرية، واستخدم أيضاً عدة طرق لرصف الأرضيات، منها الطين المدكوك، أو الشيد أو البلاستر على الأرضية الطبيعية، فيما استخدمت البلاطات الحجرية في مواقع أخرى.

إن تقنية البناء التي استخدمها أجدادنا الأردنيين العمونيين لبناء جدران المنازل تسمى Boulder-and-Chink حيث تستخدم الحجارة الضخمة في بناء الجسم الرئيسي للجدار فيما تستخدم الحجارة الصغيرة لسد الفراغات، ويبنى الجدار من صفين متوازيين.

ب. مخطط البناء

يعد مخطط البناء عنصراً مهماً من عناصر الإثنية، حيث أن مخطط البناء يدل على الحالة الاقتصادية والاجتماعية لدى شعب معين، كما أن لها مؤشرات ثقافية عديدة، وفي هذا البحث سوف نقوم بالإشارة إلى مخططات البناء الخاصة بالمباني السكنية والتي تنقسم بشكل عام إلى ثلاث مخططات رئيسية (المنازل متعددة الغرف، المنازل ذات الأعمدة، المنازل على شكل حرف T).

  1.      المنازل متعددة الغرف

رسم يمثل مخطط بناء متعدد الغرف في المملكة الأردنية العمونية- موقع جاوة الجنوبي
(Daviau 2003: Fig.72)

يتميز المنزل متعدد الغرف بتشكيله أساساً من العديد من الغرف التي قد تتجاوز العشرة غرف في بعض الأحيان، ويدل هذا الأمر على اتساع العائلة ونمط العائلة الممتدة التي تسكن جميعها في نفس المنزل.

  1.      المنازل ذات الأعمدة

يتكون المنزل ذو الأعمدة أيضاً من العديد من الغرف، ولكنها تحيط بساحة رئيسية واسعة، كما أن هذا المنزل يحتوى على طابق ثانٍ مرفوع بأعمدة، ويؤكد أيضاً هذا البناء على نمط العائلة الممتدة، وقد يكون وجود ساحة واسعة في المنتصف لممارسة النشاطات اليومية المختلفة دليلاً على حالة اقتصادية جيدة.

  1.      المنازل على شكل حرف T

رسم يمثل مخطط بناء على شكل حرف، في المملكة الأردنية العمونية- موقع جاوة الجنوبي
(Daviau 2003: Fig.910)

يتكون هذا المخطط من بناء المنازل بشكل رئيسي من ثلاث غرف متوازية يفصل بينها ممر، ويوجد رأي لدى بعض الباحثين بأن هذا المبنى ليس سكنياً بشكل رئيسي بل هو مكان لمزاولة مهنة أو حرفة ما.

الفخار الأردني العموني

يعتبر الفخار وصناعته من أهم المميزات بين الشعوب والدول في العالم القديم، حيث أن كل شعب يمتاز بطريقة معينة في صناعة الفخار، واستخداماته، وزخارفه وألوانه، حسب البيئة والطبيعة، والاحتياجات، والمواد الأولية المتوافرة، وقد كان هنالك تمايز بسيط أحياناً بين فخار الشعوب ذاتها، حسب المنطقة والطبقة الاجتماعية، إلا أن الطابع العام لفخار شعب ما يكون متقارب بشكل كبير.

أ‌.        أنواع الأواني الفخارية حسب الشكل والاستخدام

ولقد تعددت أنواع الأواني ىالفخارية على حسب استخداماتها وأشكالها وأحجامها لدى أجدادنا الأردنيين العمونيين.

  1.   الزبادي
  2.   الأطباق
  3.   الأكواب
  4.   قدور الطبخ
  5.   الجرار
  6.   الأباريق
  7.   القوارير
  8.   المصابيح

 

ب‌.    أنواع الزخرفة

  1.      البطانة

استخدم أجدادنا الأردنيون العمونيون اللونين الأسود والأحمر في بطانة أوانيهم الفخارية، واستخدموا البطانة البيضاء الكريمية بشكل نادر وقليل جداً، ويعتبر الفخار الأسود المصقول أحد أهم الميزات الثقافية الأردنية العمونية حيث أنه ينتشر بكثرة في المواقع الأثرية الأردنية العمونية.

  1.      الدهان

استخدم أجدادنا الأردنيين العمونيين الدهان في زخرفة الأواني الفخارية معتمدين اللونين الأبيض والأسود بشكل أساسي إما منفردين أو معاً، كما استُخدِم اللونين الأحمر والبني بشكل أقل، على شكل أشرطة وخطوط أفقية ، كما انتشرت زخرفة الشبكة التي تعتبر قاسماً مشتركا بين أجدادنا الأردنيين في الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون).

العلاقة بين الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون)

نشأت الممالك الأردنية القديمة الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون) في ذات الوقت، أي مع بداية العصر الحديدي الثاني، وفي ظل ظروف متشابهة، وكان الانتقال من حالة الدولة المدينة إلى دولة الأمة أو الدولة الوطنية متزامناً، وقد تشابه طبيعة النشاط الاقتصادي بين شعوب هذه الممالك بشكل ملفت، والأهم من ذلك أن الخط واللهجات كانت متقاربة بين شعوب هذه الممالك بشكل كبير جداً.

فضلاً عن ذلك فقلّ ما دخلت هذه الممالك في صراعات بينية، بل على العكس من ذلك كانت تربطهم علاقات جيدة، وقد اشتركوا بالعداء تجاه شعوب وممالك مجاورة، حيث أن الأردنيين الأدوميين انتصروا على مملكة يهوذا عقب النصر العظيم الذي حققه الملك المؤابي الأردني المؤابي ميشع على اليهود.

هذه المؤشرات جميعاً تدلل بشكل أو بآخر، على أن هناك صلات قرابة، أو جذر واحد، يجمع أجدادنا الأردنيين في الممالك الأردنية القديمة، وأن ما حدا بهم أن ينشؤوا ممالك مختلفة، ظروف سياسية واقتصادية عديدة، لكن المؤشر الأهم يدلل على توافر البذرة الأولى لنشوء هوية وطنية واحدة جمعت هذه الشعوب والقبائل الأردنية القديمة .

سبب تسمية المملكة الأردنية العمونية

جانب من الجدار الذي يحيط بمدينة ربة عمون

لا تذكر أي من المصادر المعروفة سبباً أو معنىً واضحاً لتسمية عمون إلا أن الاستنتاجات غالبها تصب بأن عمون هو اسم يدل على قبيلة أو تجمع قبائل أردنية كانت العصبة الرئيسية التي نشأت على أساسها المملكة الأردنية العمونية ونسبت الدولة والعاصمة لهم، حيث يذكر اسم المملكة الأردنية العمونية في العديد من المصادر كمملكة بني عمون، وتذكر العاصمة الأردنية العمونية (ربة عمون) كربة بني عمون.

المراجع 

  1. جتاوية، نداء (2012)، مفهوم الإثنية في علم الآثار: دراسة تحليلية للمالك (عمون، مؤاب، أدوم) في الأردن خلال العصر الحديدي. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
  2. كفوف، نجاة ثلجي سعد(1995)، ملوك بني عمون،  رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة اليرموك، اربد، الأردن.
  3. أبحاث إرث الأردن،مملكة أدوم الأردنية – العناصر الإثنية
  4. أبحاث إرث الأردن، ملامح الديانة الأردنية العمونية.