تُحْفةٌ لُغَويةٌ من عمّان

عمان، 1890

عمان، 1890

د. انعام الور
توصّلت نتائج بحثي الميداني في ديناميكية تشكّل اللهجة العمانية وخصائصها اللغوية الى تصنيف عام للخصائص اللغوية التي تمّ فرزها حتى الآن. وأحد هذه الأصناف يحوي خصائص ما زالت ‘رهن التفاوُض’، فلم يتم الاتفاق على شكلها النهائي في اللهجة الوليدة. وهذا هو النوع الذي سأتخذه موضوعاً لهذه المقالة، مُمَثَّلاً بتصريف مضارع فِعْليّ ‘أكل’ و ‘أخذ’، كما في قولنا:

فُلان بوكل/بياكل كثير

فنّان بوخذ/بياخد أُلعقِل!

 

رصد البحث تبايناً مبهراً في تصريف هذين الفعلين، ظهر عند جميع افراد العينة وبغض النظر عن اصولهم، حيث تم رصد ١٩ صيغة مختلفة، كما هو مبيّن في الجدول (١) ادناه:

 

ضمير تصريف ‘أكل’ تصريف ‘أخذ’
أنا بوكِلْ / باكل بوخذ / باخد[1]
إحنا/نِحْنا منوكِلْ (بكسر الكاف)/ منوكُلْ (بضم الكاف) / مناكل منوخِذ أو منوخُد أو مناخُد
إنتْ بتوكِلْ / بتوكُلْ / بتاكُل بتوخِذّ / بتوخُدْ /بتاخُدّ
إنتي بتوكْلي / بتاكلي بتوخذي / بتاخدي
إنتو بتوكلو /بتاكلو بتوخذو / بتاخدو
هوِّ بوكِلْ /بوكُلْ / بيوكُل / بيوكِل/ بياكُل بوخِذ / بوخِد / بيوخُد/ بيوخِد/ بياخُد
هيِّ بتوكِل / بتوكُل / بتاكُل بتوخِذ / بتوخُد / بتاخُد
همِّ بوكْلو / بيوكلو/ بياكلو بوخذو / بيوخدو/ بياخدو

جدول ١

 

وهذا العدد الهائل خاصٌ بهذين الفعلين. لنقارن مثلاً عدد الصِيَغ المستعملة عند تصريف أفعالٍ أخرى مثل مضارع ‘كَتَب’، والتي لا تتعدى ثمان (٨) صِيَغ، وأحيانا ست (٦) فقط، كالتالي:

 

تصريف مضارع  ‘كَتب’
أنا بَكتب
إحنا مْنكتب
إنت بْتكتب
إنتي بْكتبي
انتو بْتكتبو
هوِّ بكتب / بْيكتب
هيِّ بْتكتب
همِّ بكتبو / بيكتبو

جدول ٢

 

فكيف نُفسّر وجود هذا العدد الضخم نسبياً من الصّيَغ في حالة الفعلين ‘أكل / أخذ’؟ وهل هذه الحالة خاصة بلهجة عمّان؟ وما هي توقعاتنا عن التطورات المستقبلية بالنسبة لصيَغ تصريف هذين الفعلين؟ سأحاول التعرض لهذه القضايا من خلال عَرْضٍ مختصر لنتائج البحث الميداني، مقروناً بما هو موثّق من معلومات عن اللهجات العربية عامة ومبادئ علم اللغة المعتَمَدة.

 

من أين لهذين الفعلين كل هذه ‘ألأُبّهة؟

إذا نظرنا الى الصّيغ المدرجة في الجدول الاول نلاحظ نمطين من التصريف:

  • النمط الاول، وهو النمط الاصلي الذي نجده في جميع اللهجات الاردنية التقليدية[2]، يحوي ‘واو’، بوخذ، بوكل، الخ. أي أنَّ هذه الصيغ مشتقة من جذر {يَوْكل}. فنقول في لهجة السلط مثلاً: انا بوكِل، احنا منوكِل، انتو بتوكلو، هو بوكِل الخ.
  • النمط الثاني يحوي ‘ألِف’، باخذ، باكل، الخ. أي ان هذه الصيغ مشتقة من جذر {يأكل}. هذا النمط من التصريف لا نجده في اللهجات الاردنية التقليدية على الاطلاق، أيّ انه نمط حديث دخل الى مدن الاردن عن طريق الاتصال اللغوي مع لهجات أخرى، خاصة بعض اللهجات الفلسطينية (أنظر ادناه) واللهجات المدنية السورية واللبنانية.

 

وحتى يتّضح التصنيف أعلاه، أُدرج هذين النمطين، ممثَّلين بفعل ‘أكل’، في جدول رقم ٣ ادناه:

 

 

ضمير النمط الاول (أردني تقليدي): واو، من جذر {يوكل} النمط الثاني: ألِف، من جذر {يأكل}
أنا بوكِل باكل
إحنا/نِحْنا منوكِل مناكل
إنتْ بتوكِل بتاكُل
إنتي بتوكلي بتاكْلي
إنتو بتوكلو بتاكْلو
هوِّ بوكِل بياكُل
هيِّ بتوكِل بتاكُل
همِّ بوكلو بياكْلو

جدول ٣

 

بالنظر الى جدول ٣ أعلاه يتبدى لنا أن المصدر الرئيسي لهذا العدد الهائل من الصّيَغ عند تصريف هذين الفعلين هو الخلط بين جذرين مختلفين لاشتقاق هذين الفعلين في لهجة عمّان: الاول يحوي ‘واو’، {وكَلَ/يَوْكل، وَخذَ/يَوْخِذ}، والثاني يحوي ‘ألِف’ كما في العربية الفصحى {أكَلَ/يأكل، أخَذَ/ يأخُذ}وأما الجذر الثاني والذي لا نجده ايضاً في الفصحى المكتوبة.

 

كانت بداية مناقشتي لهذه الظاهرة أنْ بحثتُ في الصّيغ المستعملة في اللهجات العربية الاخرى، وهنا اتّضح أنَّ جميع اللهجات المشرقية في سوريا (عدا حوران[3]) ولبنان ومصر تُصَرِّف فعلي ‘أكل/أخذ’ حسب النمط الثاني، أيّ باستعمال ‘ألِف’ فقط، وأن التصريف باستعمال ‘واو’ محصورٌ في اللهجات الاردنية وبعض اللهجات الفلسطينية.

 

وبمراجعة المعلومات المتوافرة عن اللهجات العربية عامة، اتّضح ان النمط الاول، باستعمال ‘واو’، فعلاً نادر الوجود. حسب المعلومات المتوافرة حتى الآن، جاء ذكره في المناطق التالية:

  • اليمن، مأرب والدثينة (أبْيَن) (لاندبيرغ ١٩٠١، ١٩٠٥-١٩١٣)
  • عُمان، خابورة (بْروكِت ١٩٨٥، راينهارت ١٩٨٤)

 

وفي منطقتنا، ترصد الابحاث المنشورة وجود التصريف حسب النمط الاول، باستعمال ‘واو’ كما في ‘بوكِل’، في اللهجات التالية:

  • السخنة (في سوريا) وتدمر وجميع لهجات حوران (بينشتيت ١٩٩٧)
  • جميع لهجات الاردن وفلسطين عدا القدس والخليل وغزة (بيرغشتريسر ١٩١٥)

 

بالنسبة لما ذكره بيرغشتريسر من ان لهجة القدس ليس بها هذا التصريف فإن التسجيلات التي قُمت بجمعها من لهجة المقادسة من الجيل الاول تعارض ما ذَكَر، حيث اتضّح ان لهجة القدس تطابق لهجات حيفا ويافا من حيث وجود التصريف باستعمال ‘واو’ – وفي هذا السياق أرحّب بأي معلومات يُمكن تزويدي بها من قِبَل القرّاء الكرام، فما توفر لي من معلومات لعلّها غير مُمثَّلة للواقع الحقيقي القديم. وأما بالنسبة للهجة مدينة الخليل فلم يتسنى لِيَ التأكد من المعلومات الواردة في هذا المرجع –وبالنسبة للهجة مدينة غزّة يبدو أن بيرغشتريسر على حق بأن صيغة  ‘ألِف’، النمط الثاني، هي السائدة. أيّ أنَّ اللهجات الفلسطينية تتباين في تصريف هذين الفعلين بين النمط الاول والنمط الثاني.

 

مما ذُكر أعلاه نستنتج إذاً:

  • بالنسبة للتوزيع الجغرافي للنمط الاول النادر الوجود، فإنَّ صيغة ‘واو’، تتركز في لهجات الاردن (بما فيها جميع لهجات حوران) وفي فلسطين (الساحل والجليل والداخل، عدا اللهجات المذكورة اعلاه)، ومن ثم في بعض لهجات جنوب الجزيرة.
  • وجود جذرين لتصريف هذين الفعلين:{أخذ/ يأخذ، وخذ/يوخذ}، {أكل، يأكل/ وكل، يوكل}
  • مصدر التباين والعدد الكبير نسبياً للصيغ المستعملة في لهجة عمّان هو الاحتكاك اللغوي الذي حصل نتيجة لتوافر لهجات تُصَرِّف حسب النمط الاول ولهجات تُصَرِّف حسب النمط الثاني.

 

نتائج البحث والوضع الحالي في عمان

تُظهر التحليلات أنَّه ولربما لتوفّر هذا العدد الكبير من التصريفات فإن التفاوض حول الاستقرار على نمط معيّن ما زال قائماً. ومع ذلك، فهناك مؤشرات شبه واضحة، أُلخِّصها ادناه:

  • لقد تم اعتماد النمط الثاني في صيغة المتكلم المفردة: ‘انا باكل / أنا باخذ’، حيث تُظهر النتائج الاحصائية أنَّ صيغة:’ أنا بْوكِل’ / أنا بوخِذ، وهي الصيغة التي نجدها في اللهجات الاردنية التقليدية، قد اختفت تماما من لهجة العمانيين من الجيل الثالث. ما يعني ان لهجة عمّان تركّزت على هذا النمط في تصريف صيغة ضمير المتكلم المفرد. وهذه هي الصيغة الوحيدة التي تم الاتفاق عليها، بينما تتباين جميع الصِيَغ ال ١٨ الباقية.
  • التصريف حسب النمط الثاني، ألف’ لباقي الصَّيغ في ازدياد مضطرد، ولكنه يحدث بالتدريج-صيغة صيغة- وبالترتيب.

 

والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه في سياق النتائج المرصودة هو: لماذا تتجه لهجة عمّان الى اعتماد النمط الثاني بالرغم من أنَّ النمط الاول، كما يبدو، كان غالباً في لهجات المهاجرين الاوائل الى عمّان، كما ان النمط الاول، كما بيّنت أعلاه، هو النمط الغالب والتقليدي في لهجات الاردن كما في كثير من لهجات فلسطين التقليدية.

 

الاجابة على هذا السؤال الهام وباختصار تَكْمُنُ برأيي أولاً في نُدرة التصريف حسب النمط الاول، واو، في اللهجات العربية كَكُلّ ما يجعل هذا النمط من التصريف مستهجناً بصورة عامة، وثانياً أنَّ صيغة ‘أنا بوكل’ الاردنية التقليدية غير موجودة في اللهجات المدنية الفلسطينية- والتي تُشكّل سوية مع اللهجات الاردنية التقليدية العناصر الاهم في تشكيل اللهجة العمّانية-  مما سرَّع في اضمحلال هذه الصيغة (انا بوكِل) ومن ثم اختفائها تماماً من لهجة الجيل العمّاني الثالث، وباختفاء هذه الصيغة تكوَّنَ ما يُمكن وصفه بالمُحرّك الذي دفع باتجاه التخلّص من صِيَغٍ مشابهة، أيّ تلك المشتقة من الجذر الذي يحوي ‘واو’ {يوكل، يوخذ}، ما يعني ان هذا الحَدَث اللغوي في عمّان لربما كان نتاجاً لتفاعل تسلسليّ، كأحجار دومينو مصفوفة وقوفاً فدفع الحجر الأول سيتسبب حتماً بدفع الحجر الذي يتبعه وهذا بدوره سيتسبب بدفع الحجر الذي يتلو وهكذا.  في نهاية المطاف، وفي حال استمرار هذا التغير التسلسلي فسيؤدي الى انتظام مجموع الصِيَغ الصرفية لهذين الفعلين. وهنا تتجلى عبقرية اللغات الانسانية في انها نظام مُحْكم ذاتياً دونما الحاجة الى رقيب وحرّاس!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] عند تمثيل صيغ هذا الفعل كتابة سأقوم باستخدام حرفي الذال والدال بتبادل، ‘باخذ’ او ‘باخد’ فكلا اللفظين مستخدمين في لهجة عمّان كما بيّن البحث.

[2] ونعني باللهجات الاردنية التقليدية تلك اللهجات المستوطنة في منطقتنا منذ قِدم العصور، وتمثلها لهجات المدن الاردنية من مثل لهجات السلط وعجلون واربد والكرك والشوبك والطفيلة. في الاردن ايضاً لهجات غير مشرقية، وهي اللهجات التي نسميها لهجات بدوية، منها مثلاً لهجة قبيلة بني حسن الاردنية الكريمة، ففي هذه اللهجة لا تصرّف الافعال المضارعة بالبادئة –ب- مثلاً يُقال: الولد يِلعَب، ومرادفها في اللجة السلطية: الولد بِلعَب. وتباعاً يكون تصريف ‘أكل’ في لهجة بني حسن  هكذا: أنا آكل، حِنّا ناكل، هو ياكِل، هي تاكِل، هم ياكلو/ياكلون، الخ.

[3] تُصنّف لهجات حوران السورية ضمن اللهجات الاردنية عند المتخصصين، حيث انها أقرب بكثير الى اللهجات الاردنية منها الى لهجات الساحل أو الداخل السوري بمعناه الجغرافي. وأما لهجات الجزيرة الفراتية في سوريا فإنها تصنّف كلهجات ‘بلاد ما بين النهرين’ كالعراقية، أي انها ليست مشرقية. كما ان جميع اللهجات التي نسمّيها في منطقتنا ‘بدوية’ هي لهجات غير مشرقية، مثلا لهجات عشائر بدو الاردن الكريمة: بني حسن، بني صخر، الحويطات الخ، وعشائر سوريا: عْنِزة، شمّر، الخ.