تحيّـــــة عمّانيـــــة كيف حالكو  .. كيِف حالكُن .. كيف حالكم

 

Amman

صورة لجبل القلعة بعمان غير معروفة المصدر

د. انعام الور في اضائة لهجية لغوية أخرى:

اخصص هذا المنشور للحديث عن اللاحقة –كُمْ  في لهجة عمّان، وهي اللاحقة التي تتصل بالأسماء والافعال واحرف الجر في صيغة جمع المخاطَب، كما في الأمثلة التالية:

 

شو أخباركُمْ

عْملتِلكُم

بْيتكُم

عِندكُم

سألناكُم

 

بيَّنَت نتائج البحث في عمان ان صيغة –كُمْ هي الصيغة التي يستعملها جميع افراد العينة من العمانيين من الجيل الثالث وأن هذه الصيغة لم تكن موجودة في الخليط الأصلي للهجات ‘الروّاد’ من الجيل الاول وانما تم استحداثها في لهجة الجيل الثالث فقط.

فما هي الصّيَغ التي جاءت الى عمان مع الجيل الاول؟ وكيف تم استحداث صيغة جديدة، او بالأحرى لما لم يتم اعتماد احدى الصيغ المستعملة في اللهجات الاصلية للجيل الاول؟

سأوجز اولاً الخطوط العامة لكيفية تَشكُّل اللهجة العمانية[i] من خلال مراجعة سريعة للوضع اللغوي الذي نشأ نتيجة لهجرة الاوائل من قراهم ومدنهم الاردنية والفلسطينية خاصة خلال العشرينات والثلاثينات من القرن الفائت،  وبالذات اولئك الذين انتقلوا من مدينتي السلط ونابلس، فللهجات هاتين الفئتين التأثير الاكبر فيما آلت اليه اللهجة العمانية كما أنَّ لهاتين الفئتين الاجتماعيتين اثر ‘الروّاد’ في تكوين نواة المجتمع العمّاني.

تكونت لهجة عمّان خلال ثلاثة أجيال:

  • الجيل الأول وهم الذين انتقلوا الى عمان في سن البلوغ، وكانوا عندئذ يتحدثون لهجاتهم الام، السلطية والنابلسية، كما اكتسبوها في صغرهم في مُدُنِهم الاصلية. وكما هو متّفق عليه في علم اللغة، وتحديداً مراحل اكتساب واتقان اللغة الأم، فإن الانسان يُكمِل مرحلة اكتساب اللغة واتقانها خلال السنوات العشر الاولى من العمر، ويستعصي على الانسان بعد ذلك تغيير العادات اللغوية التي فُطِرَ عليها.
  • الجيل الثاني وهم الذين انتقلوا الى عمان في سن مبكرة، او ولدوا فيها بُعَيد وقت قريب من وصول الجيل الاول. في لهجة هذا الجيل رصد البحث خليط لغوي شبه عشوائي بحيث لا تحتكم لهجة هذا الجيل الى قواعد لهجة آبائهم وامهاتهم من الجيل الاول في كثير من تفاصيلها.
  • الجيل الثالث وجميعهم ولدوا ونشأوا في عمّان. رصد البحث في لهجة هذا الجيل قواعد لهجة جديدة هي حتماً ليست مطابقة لأيٍ من اللهجات الاصلية التي تحدثها الجيل الاول، وتتسم لهجة الجيل الثالث بالثبات والانضباطية بعكس اللهجة التي يستعملها الجيل الثاني –انظر أعلاه- كما يتفق افراد هذا الجيل على قواعد هذه اللهجة العمّانية، بغض النظر عن الاصول اللهجية لأجدادهم، أي ان السمات العامة للهجة الفرد من الجيل الثالث والذي انحدر من اصول سلطية تتوافق مع السمات العامة للهجة التي يتحدثها الفرد من الجيل الثالث والذي انحدر من اصول نابلسية، ولا يستعمل ايٍ منهما لهجة اجداده الذين وصلوا الى عمّان. مما يعني ان الجيل الثالث قد كوّن ‘جماعة لغوية’ جديدة، بالإضافة الى تكوين لهجة جديدة.

وبالنسبة للصيغة موضوع هذا المنشور فإن ما وصل عمّان مع الجيل الاول كان كالتالي:

جدول ١: الصيغ المستعملة في لهجات الأجيال الثلاثة مُمَثلة بتعبير ‘كيف حالكم’.

 ملاحظة: سأقوم بوضع خط تحت الكلمة التي يُلفَظ فيها حرف الياء كما يُلفَظ في كلمة ‘ليش‘، وسأضع كسرة اسفل الياء اذا كانت الياء تُلفَظ كما في كلمة ‘عيِد’.[ii]

الجيل

السلط نابلس
الجيل الأول كيف حالكو (مذكر) كيِف حالكُن (للجنسين)
كيف حالكِن (مؤنث)
الجيل الثاني كيف حالكو (للجنسين) كيِف حالكُن
كيِف حالكو
كيِف حالكُن*
الجيل الثالث كيف/كيِف حالكم كيِف حالكم

يُبيِن الجدول ١ ما يلي:

أولا، تحافظ اللهجة السلطية التقليدية –الجيل الاول- على تخصيص صيغة لكل جنس (مذكر/مؤنث) بينما تدمج النابلسية الجنسين في صيغة واحدة.

ثانياً، في النابلسية، كما في لهجات معظم المدن الفلسطينية والسورية واللبنانية، فإن الصيغة المعممة للاستعمال مع المذكر والمؤنث بها ‘نون’، وربما كانت هذه هي صيغة المؤنث وعُممت بحيث أصبحت تستعمل مع المذكر أيضا.

 

ثالثا، تختفي صيغة المؤنث عند الجيل الثاني ممن ينحدرون من أصول سلطية ويتم تعميم استعمال صيغة المذكر فقط للدلالة على الجنسين، مع ان بعض النساء استعملن ‘كيِف حالكُن’. كما نجد هذا التطور في لهجات السلط الحديثة حيث ان صيغة المؤنث في تناقص مضطرد –وربما تختفي مستقبلا- ولا نجد تعميم المؤنث، كما في اللهجات المدينية الفلسطينية والسورية واللبنانية، في أي من اللهجات الأردنية على الاطلاق، وانما ما نجده، مثلا في لهجة السلط الحديثة والتي في طريقها الى ادماج الصيغتين، ان صيغة المذكر هي التي تُعَمم فنقول: ‘كيف حالكو’ عند مخاطبة مجموعة من الرجال او مجموعة من النساء.

رابعاً، الصيغة المستعملة في الجيل الثالث مُتّفق عليها من قِبَل جميع افراد العينة، بغض النظر عن ارثهم اللهجي، سلطي كان ام نابلسي، ولا تطابق هذه الصيغة الجديدة ايٍ من اللهجتين الاصليتين، أي انها صيغة جديدة لم تنتقل من الأجيال السابقة وانما اعتمدها الجيل الثالث كصيغة لهذا اللاحق. فما هو السبب، او الأسباب، التي أدت الى ظهور هذه الصيغة؟ لما لم تعتمد العمّانية ‘كيف حالكو’ او ‘كيِف حالكُن’؟

صيغة –كُم هي طبعاً الصيغة المستعملة في الفصحى الرسمية، وقد يخطر بالبال ان الجيل الثالث ينحى الى الترسيم باختيارهم هذه الصيغة. ولكني لا أرى في التطابق مع الفصحى سببا في اعتماد هذه الصيغة في عمان – ايّ انني أرى أنَّ تطابقها مع الصيغة المستعملة في الفصحى هو محض صدفة.[iii]

واما الأسباب الرئيسية التي اراها تُفَسّر لنا هذا التطور ‘الالتوائي’ نوعا ما فسوف اوجزها تحت عنوانين:

خاصية لفظ –كُن

نلاحظ ان الصيغة التي وصلت عمّان من اللهجات المدنية الفلسطينية، -كُن، تختلف عن الصيغة او الصيغ المستعملة في اللهجات الأردنية بصورتين رئيسيتين. أولا، -كُن بضم الكاف تختلف لفظياً عن –كِن مكسورة الكاف والتي نجدها في لهجات الوسط والشمال وتختلف عن –كَن مفتوحة الكاف والتي نجدها في لهجات الجنوب، الكرك مثلا: حالكَن. أي ان –كُن بالضم تبرز، بمعنى يمكن ملاحظتها لاختلافها عما حولها، كلفظ غريب. إضافة الى اختلافها لفظيا فان بها خاصية تعميم المؤنث، وكما ذكرت أعلاه فإن اللهجات الأردنية التي تدمج الصيغتين تدمجهما دائما بتعميم المذكر وليس المؤنث. فتصبح –كُن غريبة ايضاً من منحى قواعدي-صرفي مقارنة باللهجات المحلية.  هذه الخصوصية المزدوجة للفظ –كُن يجعله اقل حظاً عند الاختيار ويسهّل التخلص منه عند نشوء لهجات جديدة ناتجة عن احتكاك لغوي. وهذا هو المبدأ المعروف بعلم اللغة والمسمى
Markedness

وبناء عليه يتم التخلص من الصيغ اللغوية ال لاعتيادية او الغريبة بالنسبة للمحيط المحلي. وهذا يفسّر سبب انحسار –كُن في اللهجة العمّانية. ولكنه لا يُفسّر سبب انحسار –كو مع ان هذه هي المستعملة في اللهجات المحلية الاخرى.

 

نظام صرفي مرتب مع العزيزة –كُم

هنالك عامل ثانٍ يرجّح كفة –كم وهو معني بالتناسق والترتيب في نظام اللواحق والذي يزداد ترتيبا باختيار لفظ –كُم، كما يبين جدول ٢ والذي يُدرج صيغ الغائب والمخاطب لتوضيح هذا الترتيب الذي ينشأ عند اختيار –كُم

Linguistic schedule
ملاحظتي الأخيرة هي ان لهجة القاهرة كان بها حتى وقت قريب –كم وقد تخلّت عن هذا اللفظ وتطورت الى –كو، أيّ عكس ما حدث في عمان، فهل يأتي يوم وننقلب نحن أيضا على –كُم؟كما هو ملاحظ من الجدول أعلاه فبالاستقرار على –كُم يتحقق نظام مرتب جداً ومتناغم، فجميع اللواحق حينها تنتهي بهذي الميم، -هم/-كم.

 

[i] حتى لا أطيل أُحيل القرّاء الكرام المهتمين الى مقالاتي المنشورة المدرجة ادناه للاطلاع على التفاصيل

Amman Arabic. In Encyclopedia of Arabic Language and Linguistics (central articles). 2007. Vol II, 505-517. Leiden: Brill

The formation of the dialect of Amman. In C. Miller, E. Al-Wer, D. Caubet, J. Watson (eds.) Arabic in the City. 2007, 55-76. New York: Routledge.

New dialect formation: the focusing of –kum in Amman. In D. Britain & J. Cheshire Social Dialectology In honour of Peter Trudgill. 2003, 59-67. Amsterdam: Benjamins.

Jordanian and Palestinian dialects in contact: vowel raising in Amman. In Mari Jones & Edith Esch (eds.) Language Change. The interplay of internal, external and Extra-linguistic factors, 2002, 63-79. Berlin: Mouton de Gruyter.

 

 

[ii] اللهجات الأردنية، بما فيها السلطية، لا تكْسِر الياء في ‘كيف’ كما في ‘عيد’ وانما تلفظها باستعمال حرف علّة متوسط الارتفاع كما في لفظ كلمات {ليش، وين، عيب}.

[iii] لا متسع لشرح رأيي هذا في سياق هذا المنشور، ولكني سأعود الى قضية اثر الفصحى عامة في منشورات لاحقة.