الموسيقار الأردني عامر ماضي

الموسيقار الأردني عامر ماضي

الولادة والنشأة 

وُلِدَ الموسيقار الأردني عامر ماضي عام 1953 في العاصمة عمّان، في جوٍّ أسريٍّ مفعمٍ بالانفتاح والتفاعل الثقافي، فأبوه أردني عقباوي وأمّه أردنية شركسيّة. وقد جمعت هذه الأسرة في روحها بين الأصالة والحداثة، فقد كان جدّه قاضيًا عشائريًا معروفا في الجنوب، في مدينة العقبة تحديدا، حيث تنحدر أصول عائلة ماضي، وعمل أبوه في سلك العسكرية في عهد الانتداب البريطاني كمأمور إشارة، ثم عمل في مؤسسة البريد الأردني في العاصمة عمّان، وأسس فيه قسم التلغراف معتمدًا على خبرته بهذا المجال في عمله السابق مع الجيش، الأمر الذي أتاح له فرصة التعرّف والتواصل المباشر مع الملك عبدالله الأول المؤسس، الأمير في حينها، والذي شهد على زواج والد عامر ماضي من فتاة أردنية شركسية بعد لجوئهما إلى قصر الأمير طلبًا لمساعدة الأمير في تكليل قصّة حبهما بالزواج إثر معارضة شقيقها الأكبر، فعُقِد قرانهما بمباركة وشهادة الأمير عبدالله.

وُلِد عامر ماضي، أصغر اخوته، في بيت العائلة في جبل القلعة، وكبُر في عدة بيوت سكنتها عائلته في جبل الحسين ثم في جبل التاج إلى أن استقرّ بهم الحال فيما بعد في بيتٍ قرب المدرّج الروماني، وكان لذاكرة المكان الأثر الكبير في ذاكرة ماضي التي احتلت ايقاعات المكان جزءً كبيرًا منها ما ساهم في تشكيل وعيه وإدراكه للأشياء والأصوات. وكان لسكن عامر ماضي في جبل التاج تحديدًا الأثر العميق في إدراكه السمعي للموسيقى وضبط أعماقه على ايقاعاتها، ففي جبل التاج حيث الليالي الهادئة كانت أصوات عزف الكمنجة تتسلل إلى مسامعه من منازل أحد الجيران. أما في بيتهم الذي كان قريبًا من المدرّج الروماني تعرّض ماضي للنشاطات الموسيقية التي كانت تُقام في المدرّج وبعضها يأتي من ثقافات وبلدان بعيدة، مما أعطاه سعة في الثقافة الموسيقية وتدرّبت أذنه على تذوق أكثر وتعمّقت في نفسه لذة الموسيقى. ولم تكن الموسيقى ببعيدة عن جو العائلة أيضًا، فقد كان عامر ماضي يشاهد والده وهو يعزف على العود في بعض المناسبات العائلية، وكذلك أمه ذات الثقافة الشركسية التي كانت تعزف الأكورديون باحترافيّة.

في هذه الأجواء المفعمة بالجماليات وزخم المكان وداخل أسرة محبّة للموسيقى، تذوّق عامر ماضي الموسيقى كاستجابة شعورية ووجدانية أثرت على جميع حواسه وجعلت من الموسيقى تجربة واقعية عاشها بكل تفاصيل حياته اليومية حتى صارت خبرة إنسانية وجمالية عاشها منذ الصّغر. وعلى الرغم من ذلك، لم يكتشف عامر أو المحيطون به موهبته الفريدة والمميزة، إلا بالصدفة المحضة عندما قرر أخوه مالك أن يتعلّم عزف العود وبدأ يمارس تمارينه الموسيقيّة في البيت أمام عامر الذي لم يكن آنذاك قد تلقّى أي تعليمٍ موسيقيٍّ أو أبدى رغبته بذلك، لكنه كان، وكأي موسيقيٍّ محترف، يصحح لأخيه أخطاءه التي كان يرتكبها خلال عزفه على العود، وبذلك بدأت موهبته تُظهِر نفسها بإلحاح على شخصيته وسلوكه، فاندفع لتعلّم العود عام 1968 على يد الأستاذ عبدالكريم عوض والذي كان يعمل في المركز الوطني (وهو مركز ثقافي كان يقع بالقرب من دخلة سينما عمّان ويتم تعليم الموسيقى والطباعة وغيرها فيه).

الدراسة 

التحق عامر ماضي بالمعهد الموسيقي الأردني عام 1972، هذا المعهد الذي افتُتِحَ عام 1964، وكان قد تعثّر نشاطه إبّان حرب عام 1967، وأُعيد افتتاحه في العام الذي تلا الحرب. وكان المعهد فترة التحاق عامر ماضي به يضم نخبة من المُدرّسين مثل : عطية شرارة، أمين ناصر، يوسف نصرة، إلياس فزع، فؤاد ملص، هالة نسيبة. كما أن الخطة الدراسية كانت محكمة لتأهيل الموسيقيين، حيث بلغ عدد المواد التي على الطالب اجتيازها 14 مادة تشتمل على آلات الاختصاص والآلات الثانوية. كان لهذا الأثر الكبير في تمكين البدايات الموسيقية الأكاديمية لدى عامر ماضي وغيره من زملاء الدراسة في المعهد آنذاك. ودرس ماضي في هذه المرحلة آلة العود وآلة التشيللو.

اعتزم ماضي إكمال دراسته للموسيقى هو وأخوه مالك، فالتحقا بالمعهد العالي للموسيقى العربية – أكاديمية الفنون في القاهرة، ولقيا الدعم النفسي والمادي من والدهما لاستكمال مسيرتهما الأكاديمية على الرغم من المحددات الاجتماعية آنذاك. في السنة الأولى من انتظام ماضي في الدراسة في مصر حصل على الدبلوم الموسيقي (الثانوية الموسيقية)، ثم ثابر أربع سنوات وحصل على درجة البكالوريوس في اختصاص آلة التشيللو وبتقدير ممتاز. وتخرّج عام 1979. شكّلت له هذه الفترة فرصة التعرف إلى الموسيقيين الكبار في القاهرة كما أتاحت له المجال للتعرف عن كثب على الموسيقى العربية وأهم الأعمال والعروض الموسيقية المصرية. واجتهد ماضي خلال دراسته بزيادة مخزونه الثقافي من المجالات التي تتقاطع مع الفنون بشكل عام، لقناعته بضرورة أن يكون الفنان مثقّفاً بالضرورة، ولعدم اكتفائه بما توفّره مساقات الدراسة المُدرجة في الخطة الدراسية لاختصاص الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى – أكاديمية الفنون في القاهرة، من ثقافة عامّة ضرورية للفنّان.

وخلال دراسته، سواء في الأردن أو في مصر، كان عامر ماضي قد واصل نشاطه التلحيني الذي كان قد بدأه بعد شهرٍ واحدٍ من التزامه في أولى مراحله الدراسية مع أستاذ العود عبدالكريم عوض، فقام بتلحين أغنية على مقام الهُزام(1) ودوّنها بنفسه على شكل نوتات موسيقية وطلب إلى أستاذه أن يعزفها على العود للتأكد من صحّتها وكانت كذلك. كما وبدأ مبكرًا بالتوجه نحو تأليف الموسيقى الدراميّة، حيث قدّم لوحة غنائية (يا حاملة الجرّة) في مسرحيّة لفؤاد الشوملي في مسرح الواصفية عام 1971.

زاوج الراحل عامر ماضي بين تحصيل العلم وتأصيل الإبداع، إذ أنه خلال فترة دراسته في القاهرة كان في إجازات الصيف يعمل في الإذاعة الأردنية فلحّن خلال هذه الفترة أغانٍ للكثير من المطربين الأردنيين المعروفين ومنهم : اسماعيل خضر، فهد النجّار، صبري محمود، سهام الصفدي، فؤاد حجازي. شكّل ماضي مع زملائه خلال هذه الفترة أيضًا فرقة موسيقية كان يعزف فيها آلة التشيللو، وأطلقوا على هذه الفرقة اسم “فرقة أوتار عمّان”. وكانت هذه الفرقة ذاتية الإنشاء والتشكيل، ولم تتلقَّ أي دعم من جهات رسمية أو خاصة، وكانت تُجري تمارينها في بيوت العازفين أنفسهم.

مرحلة العمل والانتاج 

بعد تخرّجه من القاهرة عمل عامر ماضي في الإذاعة الأردنية مدة أربعة عشر شهرًا أعد خلالها موسيقى لمسلسل إذاعي من تأليف سليمان المشيني واخراج موسى عمّار اسمه (أميرة سجلماسا). وواصل في الثمانينات إعداد الموسيقى الدراميّة للمسلسلات الإذاعة ومنها مسلسل كان يؤرخ لـ (أبو خليل القبّاني)، وكان ينجز كل عام عملين إلى ثلاثة أعمال على مدار خمس سنوات إلى أن توقف منتج هذه المسلسلات عن انتاجها.

كما أنه لحن الكثير من إشارات مسلسلات الأطفال الشهيرة مثل : سنبل، زيكو العجيب، دكان الألعاب، مكارم الأخلاق : وهو برنامج من ثلاثين لحنًا.أما أول عمل تلفزيوني له فكان (فيروز والعقد) والذي كانت اشارته “عذّب الجمال قلبي” اشتهرت كأغنية تغنّى بها الناس وحفظوها.

عامر ماضي وهو يقود الفرقة الموسيقية في رحلة حرحش

محطات في مشواره الفني 

رابطة الموسيقيين الأردنيين

أسس الموسيقي الأردني عامر ماضي مع مجموعة من زملائه رابطة الموسيقيين الأردنيين وترأسها منذ العام 1980 وعلى مدى ست دورات متتالية، وكانت الرابطة خلال رئاسته لها نموذجًا للرابطة المكافحة العصامية حيث عملت في ظل إمكانات تكاد تكون معدومة وعانت صعوبات مادية جمّة، ومع ذلك قدّمت الكثير بالإرادة والعزيمة، ولطالما ردد عامر ماضي واصفًا نشاطات الرابطة بأنها نشاطات مجانية وهدفها نشر الثقافة الموسيقية، وكان قد استطاع خلال رئاسته لها أن يحقق أحلامه التي سعى لتحقيقها فانبثقت عن الرابطة ثلاث فعاليات موسيقية رئيسية هي : فرقة النغم العربي، أوركسترا الأردن السيمفونية، وأوركسترا الصغار.

فرقة النغم العربي

وهي أول فرقة موسيقية غنائية أردنية عُنيت بالإرث الموسيقي العربي، وقد انبثقت عن رابطة الموسيقيين الأردنيين ممثلة برئيسها عامر ماضي بدون أي دعم ما خلا جهود أعضاء الرابطة وتصميمهم على الحضور الفاعل في المشهد الموسيقي الأردني وتطويره، وكانت بدايتها من خلال المهرجان الموسيقي الأول للرابطة مطلع العام 1982، ولمّا لاقت استحسان الجمهور وثنائه على مستواها استطاعت أن تستمر لسنوات عديدة بقيادة عامر ماضي وآخرين.

أوركسترا الأردن السيمفوني

 كانت فكرة إنشاء أوركسترا سيمفونية أردنية حلمًا تحقق بالتعاون مع الراحل الكبير عامر ماضي الذي كان له القدرة على استشراف المستقبل واستشعار ضرورة تقديم الدعم لمثل هذه الأفكار التي من شأنها الإسهام في الارتقاء بالموسيقى الأردنية ووضعها على خارطة المشهد الفنّي في المنطقة والعالم، ولذلك لم يدخر جهدًا في ذلك عندما وجد الفرصة سانحة لتأسيس أوركسترا ترتكز على الطاقات المحلية المعطاءة لتتمكن من أداء دورها الثقافي.

بدأت نواة هذه الأوركسترا في قسم الموسيقى بجامعة اليرموك بقيادة الدكتور سيد عوض، والذي كان قائدًا سابقاً لأوركسترا القاهرة السيمفوني، والتحق عامر ماضي بتأسيس المشروع مبكّرًا بصفته موسيقي أردني ورئيسٌ لرابطة الموسيقيين الأردنيين وقدّم ما استطاع تقديمه لإنجاح المشروع. وكانت ثمرة هذا التعاون أن ضمّت هذه الفرقة الأوركسترالية أكثر من 20 عازفًا أكاديميًا محترفًا، وبعد اكتمال التأسيس والتدريبات أقيم الحفل الأول لها بقيادة د. سيد عوض في أيار 1984 على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي. وقد قُدِّم في هذا العرض مقطوعات عالمية، كما أدّى عامر ماضي على العود بمرافقة الأوركسترا في ذات الحفل مقطوعة بعنوان “فانتازيا لآلة العود مع الأوركسترا” من تأليف د. سيّد عوض، وهي مقطوعة موسيقية أشبه بالكونشيرتو(2).

أوركسترا الصغار

سعى الراحل الأردني المبدع عامر ماضي جاهدًا إلى فتح أبواب الحركة الموسيقية الأردنية على أوسع ما يمكن، فقد توّج عمله وسعيه الذي تحقق بفرقة النغم العربي وأوركسترا الأردن السيمفوني، بإنشاء أوركسترا الصّغار التي أرادها، وعيًا منه، أن تكون لبنة راسخة في صناعة مستقبل الموسيقى في الأردن وعدم الاكتفاء بفرق الموسيقيين الكبار والمحترفين، ولكي تكون مساحة حقيقيّة للتجربة الموسيقية بالنسبة للمواهب الموسيقيّة في سن الطفولة. وكان تأسيس هذه الفرقة سابقة لا مثيل لها على الصعيد المحلّي والعربي.

وقد تألّفت أوركسترا الصغار من 20 عازفًا تترواح أعمارهم بين (8 – 16) سنة، بقيادة الفنان محمد فضل الذي قام بتدريبهم، أما الإشراف الفني والإداري فكان على عاتق عامر ماضي. وقدّمت أوركسترا الصغار أول عروضها في أيار 1985 حيث عزف الصغار خلال هذا الحفل مقطوعات كلاسيكية لكبار المؤلفين العالميين من أمثال : باخ، موتسارت، هايدن، وبيتهوفن. ولاقت إقبالاً جماهيريًا غير متوقعًا من مختلف الفئات العمرية.

أعماله الفنيّة 

تنوّعت أعمال الفنان الأردني الراحل عامر الماضي الفنية بين الموسيقى الآلية والغنائية والدرامية، واكتسب بعضها شهرة بين أجيال متعاقبة كبرت على سماع أعماله، ولعلّ نشيد الجامعة الأردنية واحد من أكثر ألحانه شهرةً وترديدًا بين أجيال كثيرة من الذين درسوا في الجامعة وحفظوا نشيدها الذي له، لحنًا وكلمةً، مكانة في وجدان كل أردني.كما أن ألحانه التي كتبها لمسلسلات الكرتون أيضًا تداولتها الأجيال ورددتها مثل : ماروكو، الفارس الشجاع، عودة سنبل، الأحباء الثلاثة، افرح وامرح وتعلّم.

أما حصيلة أعماله الفنية في مجال الموسيقى الدرامية فهي 28 مسلسل تلفزيوني، 5 مسلسلات إذاعية، 13 قطعة موسيقية وأغانٍ لأعمال مسرحية، 25 مسلسل كرتون، أغنيتين لمهرجان الأطفال، نشيد الجامعة الأردنية، نشيد الكلية الجامعية المتوسطة.

وعلى صعيد الموسيقى الآلية فقد ألّف عامر ماضي 7 مقطوعات موسيقية في قالب اللونجا(3)، و4 مقطوعات موسيقيّة في قالب السّماعي(4)، وما يزيد على 25 عملاً غنائياً لمطربين أردنيين مثل : اسماعيل خضر، فهد نجار، فؤاد حجازي، سهام الصفدي، صبري محمود، وليد أبو زياد.

حياته العائلية

تزوّج عامر ماضي عام 1985 من ابنة عمّه نبيلة ماضي، التي كانت تعمل مديرة شؤون إدارية في مركز دار الفن الذي يشكّل الفرع التربوي من مؤسسة أضواء الفن، ورُزِقا بطفلة في العام التالي أسمياها عبيدة، ألحقاها في سنٍ مبكرة بالمعهد الوطني للموسيقى، وهي اليوم عازفة كمنجة أردنية وعضو هيئة تدريس في قسم الفنون الموسيقية في الجامعة الأردنية بالإضافة إلى نشاطاتها الفنية المختلفة ومشاركاتها الأكاديمية والثقافية داخل الأردن وخارجه.

توفّي الموسيقار الأردني عامر ماضي في 16 كانون الثاني عام 2009 إثر نوبة قلبية، تاركًا وراءه إرثًا موسيقيًا وثقافيًا مُلهِمًا للكثير من أجيال الموسيقيين الأردنيين والمهتمين بالشأن الثقافي، وسيرةً ذاتيّة مشرّفة تظهر فيها الشخصية الفنّية الأردنية التي تمتاز بقدرتها على الابتكار وإصرارها على الحضور في المشهد الثقافي بفعالية.

تعريف مفردات البحث 

  1. مقام الهُزام : واحد من السلالم الموسيقية الشرقيّة التي تُسمّى في علم نظريات الموسيقى الشرقية بالـ “مقامات”.
  2. الكونشيرتو : عمل موسيقي كبير يكتبه المؤلف لآلة موسيقيّة معيّنة بمرافقة الأوركسترا، ويكون مبني على حوار بين الآلة المنفردة والأوركسترا، وهو قالب موسيقي ظهر في العصر الكلاسيكي.
  3. اللونجا : أحد قوالب التأليف الموسيقي الآلي الشرقيّة، وهو قالب سريع الإيقاع ورشيق الألحان.
  4. السّماعي : أحد قوالب التأليف الموسيقي الآلي الشرقيّة، وهو قالب معتدل إلى بطيء الإيقاع، وجاءت تسميته من اسم الإيقاع المستخدم فيه وهو إيقاع السّماعي الثقيل.

مراجع 

  1. حتّر، صخر، عامر ماضي (رحلة مع النّغم)، 2009 الطبعة الأولى، وزارة الثقافة.
  2. عبيدة ماضي، مبادئ نظريات الموسيقى الشرق-عربية، الجامعة الأردنية، 2011.