الطقوس الزراعيّة في الإرث الموسيقي الأردني

مقدمة

اهتم الأردنيّون منذ فجر تاريخهم بالزراعة وطقوسها، فعلى أرضهم ظهر أول منجلٍ في التاريخ قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، وهو رمز الحصاد ومحاصيل الخير التي تجود بها الأرض، وفي البادية الشماليّة الشرقيّة عثر الباحثون على بقايا خبز قمح تعود لأربعة عشر ألف عام قبل الميلاد. وظلت التقاليد الزراعيّة وطقوسها تنتقل من جيل إلى جيل عبر أجيالٍ من الأردنيين الذين حافظوا على هذه التقاليد واهتمّوا بها اهتمامًا جعل لها حيّزًا في المرويات والأمثال والقصص الشعبيّة، بالإضافة إلى حيّزٍ فنيٍّ وجماليٍّ في إرثهم الموسيقي.

طقوس استجلاب المطر (الغيث)

تبدأ السنة الزراعيّة بانتظار موسم المطر، الذي يحيّي الأرض ويوفّر أهم العناصر للشروع بكامل مراحل الزراعة، وعليه؛ فإن طقس “أم الغيث” هو من أبرز الطقوس الإيمانيّة التي استنّها الأردنيّون لاستجلاب المطر والخير من السماء، و”أم الغيث” هي شخصية معنوية يؤمن الأردنيون بأنها ترمز للمطر والغيث، لذا فهم يغنّون لها طلبًا للمطر. وتختلف طقوس الغيث من منطقة لأخرى اختلافاتٍ طفيفةٍ، إلا أنها عامل مشترك بين جميع الأردنيين تاريخيًا. ويُقال لمن يغنّين لأم الغيث أو يقمن بطقوسها “الغيّاثات”، ومن جملة الأغاني التي تُقال لها :

يمّ الغيث غيثينا .. ملّي الجرة واسقينا

يمّ الغيث غيثينا .. خبز وزيت طعمينا

راعينا حسن الاقرع .. طول الليل وهو يزرع

يزرع قمحنا القصري .. تـ نملّي خوابينا

يمّ الغيث غيثينا .. بلّي شويشة راعينا

راعينا شرد عنّا .. وبدّو جدايل حنّا

يمّ الغيث يا حدرج .. تخلّي سيلها يدرج

يمّ الغيث غيثينا .. ومن ميّاتك اسقينا

يمّ الغيث غيثينا .. واسقي حلال راعينا

يمّ الغيث غيثينا .. بلّي زريع راعينا

راعينا أكل الجلّة .. وحسبها خبز ملّة

يمّ الغيث يا دايم .. بلّي زريعنا النايم

 بلّي زريع أبو جابر .. هاللّي ع الكرم دايم

يمّ الغيث غيثينا .. بلّي زريع راعينا

راعينا حسن الأقرع .. ما يشبع ولا يقنع

يا الله الغيث يا الله الغيث .. واحرقتنا شمس الصيف

يا الله الغيث يا ربّي .. تسقي زريعنا الغربي

يا الله مطر يا الله رشاش .. يا الله عرايس ببلاش

يا الله الغيث يا رحمن .. تسقي زريعنا العطشان

يا الله الغيث يا ربي .. خبز يقرقد في عبّي

شتّي وزيدي بيتنا حديدي .. عمنا عطالله ورزقنا على الله

أما طقوس أم الغيث، فهي أن تقوم نساء القرية بحمل عصاة عليها ثوب إمرأة، ويرفعونها ويطوفون فيها داخل الأزقة والأحياء، ويغنّون أغاني أم الغيث، وتكون صفة الطواف أن يبدأ موكب أم الغيث من الشرق إلى الغرب، ثم إلى الشمال، ثم إلى الجنوب، على أن ينتهي الطواف عند بيت رجلٍ كريمٍ أو “صاحب بخت”، استبشارًا بحظّه بأن يُستجاب لطلبهم، فيستقبلهن صاحب البيت بإطلاق البارود ترحيبًا بأم الغيث، ثم يذبح ذبيحة لها، وتقول المرويات الشفهية أنه ساعة “ما يفجّ الدم” من الذبيحة، تكون ساعة مباركة وفي أغلب الأحيان يهطل الشتاء ولفترات طويلة. وفي بعض الأحيان يقوم بطقوس أم الغيث مجموعة من الأطفال، يجمعون من كل البيوت مواد غذائيّة ويعطونها لصاحب البيت الذي تقع عنده أم الغيث بعد رميها عشوائيًا، فيقوم بعمل وليمة جماعية لكل الأهالي في بيته. وخلال جمع المواد الغذائية للوليمة يغني الأطفال لسيدات البيوت :

أم “فلان” يا أميرة .. يا لابسة التقصيرة

بحياة عيسى وموسى .. لا تبخلي علينا

كانت هذه الطقوس تقام في معظم البوادي والقرى والمدن الأردنية، وفي بعضها يُطاف بأم الغيث حتى تصل إلى مقام مبارك، كمقام الخضر في السلط أو ماحص أو الكرك (شفيع البوادي الأردنيّة) أو مقام أبي الدرداء في قرية سوم/إربد، فعلى سبيل المثال كانت النساء السلطيات يغنين :

يا الخظر جيتك زايرة .. وأنا بأموري حايرة

كل القرايا فلّحت .. وقريتنا ظلّت بايرة

مجموعة من نساء قرية السماكيّة في الكرك يقمن طقوس استسقاء شبيهة بطقوس أم الغيث عام 2014، المصدر : موقع أبونا

وفي بعض المناطق الشمالية كانت النساء تضع قطعة قماش على عود قصب، ويُسمّى “الشرشوح”، وتحمله إحداهن وتسير في مقدمة مجموعتين تقومان بترديد المغايثة على شكل حوار :

ياربنا يا ربنا واحنا صغار شو ذنبنا

طلبنا خبز من امنا ضربتنا على يدنا

ياربي تبل الشرشوح واحنا تحتك وين نروح؟

ويستمر الموكب بمسيره، وعند مروره بكل بيت فعلى أصحابه أن يرشوا على الشرشوح قليلاً من الماء، وينتهي الموكب في ساحة المسجد الذي يكون ممتلئًا بالعجائز اللاتي يطحنّ الرحى طحنًا وهميًا دون حبوب، ويستقبلن الموكب بالغناء لأم الغيث :

راحت أم الغيث تجيب رعود .. ما اجت وان الزرع طول القاعود

راحت أم الغيث تجيب امطار .. ما اجت وان الزرع طول الاشجار

وعندما تمطر يغنّي الأردنيون عمومًا :

نقّطت نقّطت .. عين الراعي دوّدت

والرّاعي بده عشب .. قاعد صافن ع الدرب

التنبؤات الجوية

طوّر الأردنيون عبر تاريخهم الحضاري الطويل والمتسلسل غير المنقطع، تجربتهم في معرفة أحوال الطقس والمناخ، والتنبؤ بالأوضاع الجوية وانعكاسها على الزراعة، من خلال عدة مؤشرات انتبهوا لها وحفظوها وراقبوها وتأكدوا من دقّتها، ولتسهيل نقل هذه المعارف الطبيعية والخبرات التي حصدها الانسان الاردني نتيجة احتكاكه وتفاعله مع الطبيعة على مدى آلاف السنوات بشكل مباشر، فقد حوّلها إلى أمثال وأغانٍ سهلة الحفظ والترديد.

كان الأردنيون يعرفون مسبقًا طبيعة الموسم المطري من مراقبة سلوك الطيور، ومن أقوالهم التي تلخّص حالات مختلفة :

  • بسنة الشنّير احفر البير : أي في السنة التي يظهر فيها طائر الشنّير، يمكن للشخص أن يحفر بيره استعدادًا لاستقبال موسمٍ مطريٍّ مبشّر.
  • بسنة الزرزور احرث البور : أي في السنة التي يظهر فيها طائر الزرزور، فإن الأرض البور يمكن حراثتها والاستفادة منها.
  • بسنة الحمام تغطّى ونام : أي في السنة التي يظهر فيها الحمام بكثرة، فإن المقولة الشعبية تنصح المزراع بأن لا يفارق فراشه، لأنه لا فائدة من الموسم.
  • بسنة القطا بيع الوطا : أي في السنة التي يظهر فيها طير القطا، يُنصح ببيع “الوطاة” أي الأرض، لعدم جدوى الزراعة فيها.

أغاني الحراثة

تعتبر الحراثة من المهن الشاقة، وهي تتم من خلال الاستعانة بالحيوانات، كثورين أو حمارين أو بغلٍ. ومن أغاني الحراثة ما يغنيه الحرّاث على بغله داعيًا إياه للحذر في الحراثة من الدخول في أراضي الجيران، من باب الأمانة، مع بعض الغزل الذي يحتل مساحته في غناء الأردنيين الشعبيّ، بصفة شبه دائمة، وهي من قالب الدلعونا :

أقطع بالحدّ وأقطع بالحدّي .. خطبت الحلوة وما حدا قدّي

بالله يا بنيّة تيجي لعندي .. سلطة بندورة وملح الليمونا

ومن أغاني الحراثين أيضًا :

كل الحراثين حلّت .. عيني على فدّانه

يا سكته من فضّة .. غزلان بثيران

**

قوّمني من سروة ليل .. من الصبح مع نجم سهيل

ويلي من الصقعة يا ويل .. يا ويلي من الحورة

مرّة أعبي ومرة أبذر .. وأبذر ورا البقرة

أغاني الحصاد

تعتبر الحصيدة ذروة النشاط الزراعي اجتماعيًا في الأردن، فهي اللحظة التي ينتظرها الناس منذ الشتاء، ويشارك فيها كل شخص مقتدر، وهي مرحلة شديدة القسوة، إذ تكون خلال فترات الحر، لذا فإن السلوك الإنساني في استخدام الأغاني للتخفيف من وطأة العمل، نجده في فترات الحصيدة في أوجه. ومن أغاني الحصادين الشهيرة ما قيل في المنجل، أداة الحصاد ورفيقه :

منجلي يا من جلاه .. رايح للصايغ جلاه

ما جلاه إلا بعلبة .. ريت هالعلبة عزاه

منجلي يابو الخراخش .. منجلي بالزرع طافش

أحصد وألوّي عليه .. وانده الجمّال ليه

منجلي بولاد رن .. ما بقي لك غير سن

من بعد الأربع سنون .. ما بقي لك غير سن

ومن أغاني الحصادين أيضًا :

زرع شيخة وما عليه .. وادمجه وألوي عليه

زرع شيخة ما يبات .. يا ولاد النايمات

يوم اسمعت الزغاريت .. كنت عيان وبريت

يا بنية يلي بالبيت .. شوفيني كنّي ذليت

جابوها واجت تنجرّ .. جابوها بشوب وحرّ

زرعنا للحلوة شكارة .. والرقم ثلاث صاعات

راح الطلال يطل .. لاقاهن قذل بنات

حصدناهن وغمرناهن .. سوّن ثلاث تلّات

درسناهن وذرّيناهن .. وعبّيناهن بشوالات

جبنا جمال الحوارنة .. مع جمال الحويطات

أولهن خش المدينة .. وتاليهن ع البيدر بات

**

تلولح بالمنجل ودوّر .. وارمي للزينات غمور

هات مروّة هات مروّة .. والعزيمة بدها قوّة

بدها ساعد بدها قوّة .. سبعك يل ما بيك مروّة

ومن الأغاني التي يغنيها الحصادون لمعاودة شحذ الهمم وتجديد النشاط بعد الدخول في حالة التعب والكسل :

لاحصد في أيديّ الثنتين .. من خوف الغلا والدّين

لاحصد في أيديّ العشرة .. من خوف أبيع البقرة

حنتوري يم الدربين .. يا خي خذلي مكاتيبي

وسلم سلم ع الغالي .. مع جيرة الجنايبي

يا شباب ارموا المطوح .. العنب والتين روّح

والشباب اللي تراهم .. وافتح القادم وراهم

ومن الحوارات الغنائية الجميلة والظريفة بين الحصادين وكبيرهم “المعلّم” :

الحصادين : يا معلّم لا تخاف .. حصيدة ع بو نظاف

المعلم : والنبي صلّوا عليه .. ألف صلى الله عليه

الحصادين : يا معلم حلّنا .. لـ انقيقب كلنا

المعلم : لن قيقبتوا كلكوا .. والعصاة بتلمّكوا

والعصاة عصاة لوز .. كل هواة بتحوز حوز

وفي الحوارية السابقة نجد روح الفكاهة والمزاح بين الحصادين والمسؤول عنهم، ما يشير إلى روح المساواة وإقصاء قيم العبودية والاستغلال، أو الطبقية التي تمنع صغار العمّال أن يمازحوا كبيرهم.

أغاني الرّجاد

تأتي عملية الرّجاد بعد الحصيدة فورًا، ويقوم بها الأطفال أو الشباب الصغار، وتشمل تحميل القش (المحصول) على ظهور الجمال بواسطة الشبكات، أو على ظهور البغال والحمير بواسطة القادم، ولا يقل الشقاء في هذه العملية عن غيرها من عمليات الحصاد والحراث، ومن أغاني الرّجاد :

وانت يا جمّالنا .. يا شيّال حمالنا

وانت يا جمّال وانت .. يلي عينك عين البنت

لا تخلّي غمورنا .. وانقلها لدورنا

وشاركنا بسرورنا .. قوم يا شوق البنات

أغاني الدراس

يقوم بعملية الدراس غالبًا من قام بالرجاد، وتشمل عملية الدراس دق غمور القمح التي تم جمعها وجرزها على شكل ربطات مضغوطة، يتم طحنها بواسطة أداة ثقيلة، حتى يتسنى لحبوب القمح الخروج من السنابل، ومن أغاني الدراسين :

هب الهوا يا ياسين .. يا عذاب الدراسين

يا عذابي انا معهم .. ما للقوم تطالعهم

تطالعهم وتباريهم .. وتشلّع طواقيهم

ويردد الدراسون أثناء عملية الدراس :

لا كاب الدور لموه .. لمه ما هو علي

لمه ع الشواعبية .. والشواعبية ثلاثة

واحد روح على الدار .. تاني قيل بالفية

ثالث قرصته حية .. قرصته حية ومات

وابكن عليه يا بنات .. ابحشوا له وغمقوا له

وبعده عيونه مبحلقات

وعندما يقوم الدراسين بعملية التذرية، وهي أن يقوم الشواعبي (الذي يستخدم الشاعوب)، بتذرية (نثر) الكوم المدروس عاليًا بواسطة الشاعوب، آخذًا بعين الاعتبار اتجاه الهواء، ومع تكرار نثر الكوم في الهواء ينفصل إلى كومين، حيث تترسب حبوب القمح في الأسفل بسبب وزنها الأثقل من وزن القش الفارغ الذي يحمله الهواء ليكوّن كوم آخر يتم استخدامه كتبن، ويقال عند عملية التذرية :

يا مذارية صفوا النية .. الواحد منكو يسوى مية

هب الهوا يا ذاري .. كيلة بلا مصاري

هب الهوا يا ذاري .. يا عذاب المكاري

هب الهوا يا ياسين .. يا عذاب الدرّاسين

المراجع

  • العمد، هاني، أغانينا الشعبيّة في الضفّة الشرقيّة من الأردن، 1968، دائرة الثقافة والفنون، وزارة الثقافة والإعلام، عمّان، الأردن.
  • الزعبي، أحمد شريف، الأغاني الشعبيّة الأردنيّة، 2015، وزارة الثقافة الأردنية، عمّان، الأردن.
  • مقابلات ميدانيّة مع السيّدة آمنة محمد مناور أبو الغنم أجراها فريق عمل إرث الأردن، 2017، عمّان، الأردن.