أنظمة الزراعة عند الأردنيين الأنباط

1

عاش الأردنيين الأنباط في بيئة يغلب عليها الطابع الصحراوي جنوب الأردن، فقد كانوا في بداياتهم يعيشون حياة البداوة المبينة على الرعي والتنظيم البدوي البحت ، بعد ذلك و نظرا لأعداد السكان التي كانت بتزايد عال، فقد تنامت حاجتهم لوجود مصدر آخر لتلبية احتياجاتهم فقد عقدوا العزم على تطوير الأراضي الواقعة ضمن حدود دولتهم ليتمكنوا من القيام بأعمال الفلاحة فأصبحت من أهم أعمالهم و مصدرا رئيسيا للحصول على طعامهم و تأمينه و بذلك كانت المملكة النبطية الأردنية مركزا متقدما يجمع الأنماط الزراعية السائدة في ذلك الوقت وتلك المتقدمة عن الأمم التي عاصروها.

وبالرغم من أن معظم الأراضي الواقعة ضمن حكم الأردنيين الأنباط كانت غير صالحة للزراعة وتحتاج لحلول مبتكرة لتطويرها زراعيا فضلا عن قلة الأمطار أيضا ، إلا أنهم تمكنوا من حل العديد من المشاكل التي واجهتهم في ذلك فقد نجحوا بخلق وسائل زراعية مبتكرة فعمدوا إلى الزراعة في الجبال و التلال و اعتمدوا لها أنظمة تتلائم و طبوغرافيتها فضلا عن وسائل منع التربة من الإنجراف فقد أسسوا الأسيجة الحجرية و الجدران الاستنادية، وبذلك قام الأردنيين الأنباط بتوسيع مدى زراعتهم في الصحراء وتحولوا ليكونوا أكبر منتجي القمح و الشعير و أنواعا أخرى من الحبوب في المنطقة بالإضافة إلى زراعة الزيتون و البلسم و الكروم و كان ذلك في القرن الثاني قبل الميلاد، اذ أطعم الأردنيون الأنباط شعوب الشرق القديم من مزروعاتهم، ولم تقتصر البترا العاصمة على كونها مدينة تجارية لاستقبال القوافل من الشرق الأدنى بل تميزت بكونها مركزا للأنماط الزراعية المتقدمة، وهذا ما أوضحته العديد من الوثائق التي أورثها لنا أجدادنا الأردنيين الأنباط فيما يتعلق بالوسائل التي تم اعتمادها لتوسيع الرقعة الزراعية في الأراضي الصحراوية

و لعل التوسعات التجارية التي خاضها الأردنيين الأنباط هي من دعت إلى ظهور التوجه الوطني الذي دعا إلى قيامها بإتقان الزراعة وتطوير أدواتها في عهد الملك الحارث الرابع (9 ق.م – 40 م) أو كما يُلقب باسم “المحب لشعبه”  فقد شهدت فترة حكمه ازدهارا زراعيا على كافة الأصعدة .

2

و من باب انسجام الأردنيين الأنباط مع الحياة الزراعية، وانسجام ثقافتهم مع كون الزراعة نمطا حياتيا ليدهم، فقد تم اكتشاف مخربشة جدارية في إحدى المدن النبطية المعروفة بالحجر و التي كانت مأهولة آنذاك و تم قرآتها بـ ” السلام ، أكور بن يقوم ” حيث ظهر الاسم ” أكور ” من الفعل ” أكر ” و يعني ” زرع ” باللغة السريانية و قد اُختلف على دلالة هذا الاسم إلا أنه يشير عموما إلى وجود نشاط زراعة و فلاحة أو أن صاحب الاسم ينتمي إلى عائلة تعمل في الزراعة .

تمهيد الأراضي الزراعية عند الأنباط

شرع الأردنيين الأنباط في استصلاح الأراضي و تنظيف التربة من الزوائد  قبل غرس الأشجار وقذف البذور فيها، وقد استحدثت عدة طرق لتتماشى وطبيعة الأراضي التي سيُزرع فيها فقد استعمل الأردنيين الأنباط أساليب التمديد والحرث البدائية في الأراضي ذات المساحات الصغيرة كـ ( المعوَل ) الذي استخدم لتكسير الحجارة، و( المسحاة ) التي يُعمل بها في حراثة الأراض الطينية (المشبعة بالماء) و( المعزقة ) أو كما هو متعارف عليها باسم ( الفأس ) ، و من الأساليب التي استُخدمت لحراثة الأراضي ذات المساحات الواسعة كانت تلك الآلآت التي تجرها الحيوانات كـ ( الفدان ) و هي آلة الحراثة التي يجرها ثوران أو كالكراب الذي يستخدم أيضا للحراثة و تجره بقرة .

و بعد حراثة الأرض ينشغل الفلاح النبطي بنثر الحبوب بطريقة متساوية ومنتظمة ويستخدم لأجل ذلك بعض الآلآت كـ ” المالق” أو ” المملقة” وهي خشبة عرضية يجترها ثور أو ثوران لتملس التربة المزروعة  أو “المجز” و لعل شكلها كان كالأسنان و تنعقد من الأعلى بثوران فيجراها ثم تنغرس أسنانها في الأرض إلى أن تصل إلى قاع الأرض المحروثة و تقلب التربة على الحب لتضمن دفنه و طمره.

وقد استخدم الأنباط السماد لتقوية الأرض وإستعادة حيويتها حيث استخدموا فضلات الحيوانات و الزبل أو تدبيل الأرض باستخدام السرقين أو السرجين.

الأنماط الزراعية عند الأردنيين الأنباط

استخدم الأردنيون الأنباط نظام المدرجات أو المصاطب لزراعة الأشجار في المرتفعات الجبلية وعملوا على إسناد جوانبها بالصخور والحجارة تجنبا لإنجراف التربة وانهيار المزروعات فيها وتنبع أهمية هذا النظام  بأنه يعمل على إبطاء جريان المياه مما يساعد في ترسيب أكبر كمية من المياه والمواد العضوية في التربة المزروعة  فقد قاموا بزراعة العديد من المزروعات التي تقوم بامتصاص الرطوبة ككروم العنب وهذه الأنماط لا تزال ظاهرة للعيان في منطقة الجي و براق و عيلمون بالقرب من البترا و من الجدير بالذكر أن الأنباط كانوا يقومون بزراعة الأشجار من النوع الغير صالح للأكل أو السام على هذه المدرجات من أجل ترتيب التربة وتثبيتها وتقليل جريان المياه.

و قد كان نظام “تليلات العنب” أو ما يعرف بـ “أكوام الكروم” و هو أحد الأنماط الزراعية المتطورة التي استخدمها الأردنيون الأنباط للتحكم بالمياه واستصلاح الزراعة في سفوح التلال فقد كانت على شكل أكوام من الحجارة مرتبة هندسيا وقد ظهرت عدة نظريات تفسر الغاية من وضع الأكوام الحجرية فقد كانت النظرية الأولى تتحدث عن التقليل من عملية التبخر في التربة ولأجل تجميع قطرات الندى أما النظرية الأخرى فكانت تتحدث عن أن هذه الحجارة كانت قد أزيلت عن الارض لتنظيم عمليات التعرية و جعل الوديان أكثر خصوبة .

المزروعات والمحاصيل النبطية و مواطنها

 

تعد عمليات التبادل التجاري عاملا أساسيا في ازدهار الزراعات النبطية ولاعتبار الزراعة أيضا منحى من مناحي اقتصاد الدولة النبطية الأردنية ولهذا عُدت عملية استصلاح الأرض بما يتماشى مع نوعية المحاصيل وطبيعة التربة أحد أهم الخطوات التي تسبق الزراعة، و بذلك قاموا باستغلال ما يمكن استغلاله من الأراضي التي كان من المجدي استصلاحها، فكانت منطقة جبال الشراه موطنا لزراعة الفواكة كالكرمة و الرمان بالإضافة إلى الزبيب ومنقوعه اللذان كانا يعتبران مادة مناسبة لاستهلاك المهاجرين والتجار كما كانت هذه المنتوجات أحد عناصر صناعة الخمور في الحضارة النبطية باعتبارها أحد الطقوس الدينية والاجتماعية عدا عن أهميته كمنتج تجاري مهم في ميزان الصادرات النبطي، فقد تم اكتشاف معصرة للعنب في خربة ذريح إلى الجنوب الشرقي من المعبد، كما توسع الأنباط في زراعة الفاكهة كالتين الذي يعد من المنتجات المناسبة صيفا و شتاءا فضلا عن تصديره للتجار بعد تجفيفه.

اعتبرت زراعة البلسم من أكثر الزراعات الأهمية لمكانته الاستراتيجية في التجارة و البلسم هو أحد أنواع الصمغ الذي يستخرج من شجرة البلسان أو البيلسان و يعتقد أن زراعة البلسم قد توطنت في المناطق الواقعة على الضفاف الشرقية لنهر الأردن.

و قد توسع الأردنيون الأنباط في زراعة الحبوب تبعا للزيادة السكانية الحاصلة فقد توسعوا في سهول حوران الأردنية الشمالية وصولا إلى جنوب دمشق وأجزاءا من سهول مؤاب بالإضافة إلى الصحراء النبطية المحيطة بجبال الشراه فزراعة الحنطة تمت بالتحديد في منطقة الحميمة و منطقة عبده لتوفر المياه والتربة الخصبة فيها بالإضافة إلى زراعة الشعير فضلا عن اتباع الأساليب الزراعية ذاتها في كلا المنتجين.

و تجدر الإشارة إلى إلى أن الأنباط كانوا يصدرون الزيت المستخرج من السمسم (زيت السيرج) باعتباره بديلا مهما وأكثر رواجا من زيت الزيتون .

و من المحاصيل الزراعية التي اهتم الأردنيون الأنباط بزراعتها شجر الزيتون حيث أنها كانت أنسب المزروعات التي تتم على الجبال بالإضافة إلى أنها لا تحتاج للرعاية والري الدائم  فعلى الجهة الجنوبية الغربية من المعبد بنيت معاصر الزيتون، و يعد وجود مصنع النبيذ و معصرة الزيتون أحد أهم الدلائل على تقدم الأردنيين الأنباط في مجال الانتاج الزراعي و قد ذكر بعض المؤرخين ومنهم  “بليني” و “سترابو” أن بداية العمل في المعصرة كانت في نهاية القرن الأول قبل الميلاد و قد ثار الجدل بين  بعض الباحثين على تاريخ عصر الزيتون عند الأردنيين الأنباط لوجود أكثر من معصرة داخل حدود الأنباط  بالأخص في جبال الشراه النبطية و وادي موسى.

ونتيجة للانفتاح النبطي الأردني على الحضارات والممالك المجاورة، وامتدادا لعمليات التبادل التجاري البينية مع هذه الحضارات فقد جلب التجار القادمين من بلاد الرافدين إلى المملكة النبطية شجر النخيل الذي زُرع في المناطق الغورية لتناسب زراعته مع مناخ الغور الاردني .

ويعتقد بعض الباحثين بأن شجرة الصنوبر كانت ذات قيمة رمزية مهمة للأردنيين الأنباط وذلك لقداسة الشجرة في طقوسهم الدينية فزينوا منحوتة الإله Eros بثمار نبتة الصنوبر.

كما قام الأنباط بزراعة الأصطفرك – وهو نبات معمر يستخدم لتثبيت العطور – والزعفران و نبتة “costas” المعطرة بالإضافة إلى زراعة الفلفل الأخضر.

الميثولوجيا الزراعية عند الأنباط

انفتحت الآفاق الروحانية لدى الأنباط بما يخص العبادات والطقوس الروحانية على كافة المجالات الحياتية فقد اندمج الأردنيون الأنباط مع مجامع الحضارات التي كانت متواجدة في تلك الحقبة ليصيغوا من هذا الخليط آلهة متعددة  عكست جمالية الطقوس الدينية وحولت انجازات الأردنيين الأنباط وتقدّمهم إلى رموز دينية، و على أثر هذا الانخراط الحضاري الحاصل، تشبّع الأنباط بالعقائد الدينية الزراعية مما حفّزهم على إنشاء المعابد و تقديم القرابين النباتية وتقديس الكروم باعتبارها رمزا للإله ذو الشرى ولقد تعددت مسميات الآلهة وارتباطاتها الزراعية كالآله “بعل” وهو امتداد للآله  “حدد” والذي يرمز له بإله المطر والصواعق، وتقول الميثولوجيا بأن الأنباط استطاعوا أن يضفوا عليه طابعا وتقديسا زراعيا ليتماشى مع حياة الأردنيين الأنباط و زراعتهم الصحراوية.

الإله حدد 2

الإله حدد

و من الآلهة النبطية المرتبطة بالزراعة أيضا الإله “قوس” أو “قيس” أو “قيسو” أو كما وجد على خربة تنور بـ “قس إله حورا” قد عُرف ارتباط هذا الإله بالمطر و قوس قزح، و قد أدى ارتباط الآلهين “حدد ” و “قيس” إلى التحامهما بإله ” ذو الشرى”  وإعطاءه طابعا زراعيا. ويقترح أحد الباحثين أن اسم “شرى”  لا يرتبط بجبال الشراه بل يُعنى بالزراعة الكثيفة. في المرحلة المتأخرة من الحضارة النبطية وتأثره بالحضارة اليونانية  أصبح ذو الشرى يوازي الأله “زيوس” في اعتباره إلها للخمر والكروم وانتشرت فيما بعد عادات تقديس الكرمة وعادة إراقة الخمر على القرابين إضافة إلى ما تذكره المصادر من أن الأنباط كانوا يحجون إلى غابة ويتبركون بمائها وأشجارها.

Dushara

الإله ذو الشرى حاملا قطف العنب

أما الآلهة الأنثوية النبطية فلم تعبد إلا بوصفها آلهة للخصب، فاللات والعزى ذوات رموز زراعية كحزمة القمح والخلفية شديدة الخضرة وأعيادهما مرتبطة بمواعيد الحصاد والبذر وتكاثر الحملان. كما وجدت الآلهة “اترعتا” أو “اتر- تا” حيث كانت زوجة الإله “حدد” فقد كان عرشها مجنحا بالأسود على غرار عرش زوجها المجنح بالثيران.

و على ضوء هذا كان الأردنيون الأنباط سباقين لاستصلاح الأراضي فضلا عن تحسين التربة والمحافظة على المياه لأغراض الزراعة في بقاع عديدة من دولتهم لا سيما في وادي عربة الذي كان القسم الخصب للزراعات النبطية، إضافة إلى منطقة مؤاب في جنوب الاردن التي كانت موردا زراعيا لا مثيل له للملكة النبطية الأردنية لقرنين من الزمان.

لقد مرت الحضارة النبطية بمرحلتي البداوة والترحال إضافة لمرحلة ازدهرت فيها الزراعة ازدهارا عظيما. لقد أدى هذا الانتقال إلى ثورة نبطية في النظم المائية رافقتها ثورة أخرى على صعيد الميثيولوجيا والعبادات. كانت حياة أجدادنا الأنباط عبارة عن نظم رائعة متداخلة أفضت إلى حضارة في غاية التعقيد والجمال.

 

المراجع :

عباس ، إحسان ، تاريخ دولة الأنباط ،الطبعة الأولى ، 1987 ، (بيروت – لبنان)

المحيسن ، زيدون ، الحضارة النبطية ، وزارة الثقافة ، الطبعة الأولى ، 2009 ، (عمان – الأردن)

الحموري ، خالد ، مملكة الأنباط : دراسة في الأحوال الإجتماعية والإقتصادية ، الطبعة الأولى ، 2002 ، بيت الأنباط ، (البتراء – الأردن)

سورية الجنوبية (حوران) ، بحوث أثرية في العهدين الهلليني و الروماني ، ترجمة أحمد عبد الكريم ميشيل عيسى سالم العيسى ،1988 ، – كتاب مترجم عن الفرنسية –

حضارة الأنباط من خلال نقوشهم ، أحمد العجلوني ، الاردن ، 2003

الفلاحة النبطية لابن وحشية ، ترجمة أبو بكر أحمد بن علي بن قيس الكسداني ، القرن العاشر الميلادي

الماجدي ، خزعل ، الأنباط (التاريخ ، الميثولوجيا ، الفنون) ، الطبعة الأولى ، 2012 ، دار النايا و دار المحاكاة للدراسات والنشر والتوزيع ، (سوريا- دمشق )

الأنباط : تاريخ و حضارة ، عزام أبو الحمام ، 2009، عمان

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (الجزء السابع) ، جواد علي ، ط 2 ، 1993 ، بغداد

تاريخ سورية و لبنان و فلسطين ، فيليب حتي ، ط 3 ، 1957 ، بيروت

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *