الأديب والفيلسوف الأردني أديب عباسي

على تلة من تلال الحصن ، تجد ذاك البيت القديم ذو العقد المؤابية مثله كمثل باقي بيوت الأردنيين ، إلا أن ذاك البيت تحديداً شهد على أحد معجزات الأردن في القرن العشرين ، هو القلم المبدع و العقل الفيلسوف ، الراهب الناسك، المتبحر في العلوم ، تارةً يلاعب القطط و تارةً يجادل الفيزياء، تارةً يداعب الحمام و تارةً يسطّر جُملاً لو أنها خرجت لحملت بصاحبها فوق الأكتاف وطافت به بين الأجيال ، إلا أن هذه المعجزة بقيت حبيسة غرفتها البسيطة ذات الشباكين ، إنه أديب عباسي الذي شهد له الغريب بقلمه قبل جاره ، همته ، كهمة الفلاحين الأردنيين و عزيمة باديته و أبناءها ، نسير في هذا البحث عبر حياته لنرى كيف عاش وكيف أصبح إبن الأردني و الأردنية ، معجزة .

الميلاد والنشأة

أديب عبّاسي (1905-1997)، أديب ومفكّر وشاعر وفيلسوف وعالِم أردني، وُلد في بلدة الحصن، في بيت العائلة الذي بُني أواخر القرن التاسع عشر على طراز القناطر والعقود وعاش فيه حتى وفاته. عرفه أقرانه منذ صغره على أنه الطفل الذكيّ والموهوب، وكان مرجعًا لزملائه في المسائل الدراسيّة المختلفة، وظل معروفًا في وسطه الاجتماعيّ بهذه الصفة حتى في مراحل دراسته الجامعيّة. كما امتاز بشخصيته التي تحب المجادلات الفكريّة والنقاشات العلميّة مع المثقّفين المحلّيين والأجانب. بالإضافة إلى أنه أتقن اللغة التركية بحكم ولادته في عهد الاحتلال العثماني، وبالرغم من سياسات التجهيل الممنهجة وأساليب فرض الثقافة التركية الدخيلة التي مارستها سلطات الاحتلال العثماني على الأردنيين آنذاك، إلا أن أديب عباسي ومنذ شبابه كان منفتحًا على الثقافات الأخرى، وأتقن اللغة الإنجليزية وتحدّثها بطلاقة، وعبر الموجات الراديوية القصيرة كان يستمع لإذاعات هنديّة وكان يفضّل أصوات المغنّيات الهنديات اللواتي استمع إليهن عبر الإذاعة.

أديب عباسي في كهولته

تعليمه وعمله

تلقّى جزءًا من تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه حتى الصف الرابع، ثم وعلى إثر خلافٍ نشأ بينه وبين إدارة المدرسة انتقل، وبحكم نشاط والده التجاريّ، للدراسة في مدينة الناصرة ليكمل المرحلة الابتدائية، وواصل بعد ذلك تعليمه في معهد دار المعلّمين في القدس وتخرّج منه. ونظرًا لتميّزه الأكاديمي حصل أديب عبّاسي على منحة من الإمارة الأردنية آنذاك لدراسة الاقتصاد في الجامعة الأمريكيّة في بيروت، وكان من بين قلّة قليلة من الروّاد الذين حصلوا على منح للدراسة في الخارج، وقبل أن يُكمل متطلبات الحصول على شهادة البكالوريوس أُجْبِرَ على تغيير تخصصة لدراسة اللغة العربيّة وعلم النفس، وتخرّج في العام 1929. وكان إجباره على تغيير تخصّصه قرارًا من سلطات الانتداب البريطانيّة التي رأت فيه أردنيًا ذا تطلّعات تحرّرية، وقد ظهرت عليه ملامح النبوغة والذكاء وصفات الإنسان الوطنيّ الذي لا يرضى لوطنه البقاء تحت رحمة الاعتماد على سلطات أجنبيّة، ولذا استخدمت السلطات البريطانيّة نفوذها لتغيير اختصاصه من الاقتصاد، بصفته اختصاصًا مؤثرًا وحيويًا.

عمل بعد تخرّجه لمدّة عام واحد فقط في وزارة الاقتصاد، وبعد استقالته منها عمل مُعلِّمًا منذ العام 1932 وحتى الأربعينيات، وانتقل خلال هذه الفترة للتعليم في السلط والكرك والحصن، ثم اضطر مجددًا لترك مهنة التعليم بسبب نشاطه الصحفيّ في الصحف المصرية، وتفرّغ بعدها بالكامل لانتاجه الفكريّ وعاش في بيته زاهدًا رغم يسرة حاله.

الانتاج الأدبي

كانت شخصية أديب عباسي متنوّعة وثريّة، اذ تمتّع بنمطٍ فكريٍّ متحرّرٍ ومَرِن، الأمر الذي جعله صاحب أثرٍ ملموسٍ في مجالات مختلفة، سواءً في مجال الاقتصاد الذي درسه في الجامعة الأمريكيّة ببيروت، أو على صعيد المجال التربوي والعلوم والآداب والفلسفة والفِكر الاجتماعيّ، كما أنه كان مُهتمًا بعلوم الفيزياء والفلك، وله كتابات علمية نقد فيها النظرية النسبية للعالم الألماني الشهير آينشتاين.

مارس أديب عباسي الكتابة في سن السابعة عشر، وراسل مجموعة من الصحف الأردنية والسورية والمصرية آنذاك من بينها (الرسالة، المقتطف، الهلال، الرواية)، ونشر فيها مقالاته، كما دخل في مناظرات فكرية مع مجموعة من الأدباء والمفكّرين الكبار في القرن العشرين كان من بينهم العقّاد، وله مقالات في الفلسفة الإسلامية نُشِرَت في مجلّة الرسالة في أواسط ثلاثينيات القرن العشرين.

كتب أديب عبّاسي مجموعة من المخطوطات باللغتين العربيّة والإنجليزية ومنها مخطوط بعنوان “فيلسوف الغابة”، بالإضافة إلى عدد من الكتب كان من أوّلها “عودة لقمان” بعدّة أجزاء، تضمن حكايات خيالية على لسان الحيوانات، مرّر خلالها مجموعة من أفكاره الأدبيّة ومفاهيمه الفلسفية التي تعبّر عن فكره الشخصيّ بأسلوبٍ قصصي مستوحى من بيئته المحلّية والأحداث التي عايشها والمزاج الشعبيّ الذي عاصره أديب عبّاسي في القرن العشرين.

نُشِرَ له بعد وفاته كتاب “بُنيّات الطريق”؛ أي التفرّعات الصغيرة من الطريق الكبير، وقد كتب فيه مجموعة من الخواطر والأفكار والمقولات التي تعالج زوايا فلسفية اهتم بها أديب عبّاسي، منها ما هو جدليّ أو وجوديّ، أو ذات صلة بالقيم والأخلاق الإجتماعيّة، ومما جاء في الكتاب :

  • “المتكبّر كالرّابية الجرداء”
  • “الفضيلة سياجٌ من شوك ليس له باب، يجدُ الداخِلُ والخارِجُ منه صعوبةً على السّواء”
  • “كلّما دَنَت النفوسُ من الأرض، هانَ قِطافُها، شأنُها شأنُ الثّمر”

أديب عباسي مستنداً على باب غرفته

محطات مميزة في حياته

كان الاهتمام الإعلامي بأديب عباسي لا يرقى إلى المستوى الذي يليق بمكانته وانتاجه الفكريّ، ويُعزى ذلك إلى عدة أسبابٍ منها شخصيته التي امتازت بالزهد وعدم اللهث وراء تسويق الذات. في أواسط السبعينيات قام أحد الصحفيين من جريدة الرأي بإجراء مقابلةٍ مع أديب عبّاسي، وبعد نشر المقابلة أحدثت ضجّة في الأوساط الثقافية والإعلاميّة، وسُلِّطَت الأضواء عليه لأوّل مرّة بهذا القدر، وكان من تداعيات هذه المقابلة أن زاد الاهتمام به إعلاميًا على صعيد الإذاعة والتلفزيون والصحف المحلّية، كما نُظِّمَت له مجموعة من الندوات العلمية في عدّة محافظات منها إربد وعمّان.

تفضل جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال – رحمه الله – بتكريم أديب عباسي بمنحه وسامًا ملكيًا تقديرًا لمكانته الأدبية وأثره الفكريّ القيّم ، وفي العام 1995 تبرّع سموّ الأمير الحسن بن طلال وليّ العهد – آنذاك – بمبلغٍ ماليٍّ شهريٍّ لأديب عبّاسي وذلك لتغطية نفقات علاجه أثناء إقامته في المستشفى في السنوات الأخيرة من عمره، ولقد كان سموّ الأمير شغوفًا بكتابات أديب عبّاسي، حيث استعار سموّه مجموعة من مخطوطاته باللغة الإنجليزيّة من وزارة الثقافة ليطّلع عليها، اهتمامًا من سموّه بالانتاج الفكريّ والأدبي لعبّاسي.

حياته الشخصيّة

عاش أديب عباسي حياته زاهدًا في بيته الذي وُلِد فيه، وهو بيتٌ بُني أواخر القرن التاسع عشر، واهتم بانتاجه الفكريّ بعيدًا عن الأضواء وحبّ الظهور. كما عُرِفَ عنه قربه من الناس وتواجده في مناسباتهم وتواصله معهم، تمامًا كما هي شخصيّة الأردنيّ المتفاعل مع بيئته والمنتمي إليها مهما بلغ نسيجه الفكريّ من التعقيد. ولم يكن له مزاجٌ غذائيٌ غير الذي يعرفه الأردنيّون في كل بيوتهم، لكنه كان ميّالاً إلى الطعام النباتي أكثر من الحيوانيّ، الأمر الذي يُضاف إلى مميزات زهده وتواضعه وانشغاله بالفكر أكثر من أي شأنٍ من شؤون الحياة اليوميّة، رغم توفّر الامكانيات المادّية لديه للعيش برفاه أكثر.

لم يتزوّج أديب عباسي طيلة حياته، لأنه كان يرى في الحياة عذابًا لا يريد أن يتسبب به لأطفاله في حال أنه تزوّج، ولربما أيضًا أنه كان يعي تعقيدات حياته الشخصية وعدم قدرته على القيام بواجبات الارتباط بالزوجة بسبب انكبابه على الانتاج الفكريّ والأدبيّ. وبالرغم من موقفه الحازم تجاه الزواج إلا أنه وفي إحدى قصائده التي كتبها في العقد التاسع من عمره لام نفسَه على هذا القرار فقال :

عسى الكربَ الذي أمسيتُ فيهِ              يجيئ وراءَه فرجٌ قريبُ

بموتٍ أو حياةٍ لا توالى                        لنا فيهِ بلا عدٍّ كروبُ

وبعد الكلِّ يأتينا مُضاعًا                       أضعْناهُ بحمقٍ لا يتوبُ

كزوجٍ والبنينَ وكلِّ نجلٍ                      كما يختارَهُ أبدًا نجيبُ

كان أديب عبّاسي إنسانًا وادعًا مع البيئة التي يعيشها، وكانت صديقاته الحمائم التي عاشت في “العقد”، بيته، ولم تتركه حتى بعد وفاته، وقال فيها قصيدة جاء في مطلعها :

فيمَ النواحُ لديكما الجنحانُ             يا جارَتيَّ، وباعَها الإنسانُ

بدماغِه، لا بورِكَت من صفقةٍ            أبدًا، لو فيها انبرى سَجّانُ

كما كانت له أسرةٌ من القطط التي تعيش معه وبلغ عددها تسعًا، كُنَّ يشارِكنَه الجلوس والطعام، وفي يومٍ من الأيام تعثّر أديب عباسي بمدفأة الحطب، فاضطر للبقاء في الفراش لمدّة من الزمن، ولاحظ أن واحدةً من القطط حزينة لبقائه في الفراش، فقال القصيدة “أنا وأسرتي من الهررة” التي جاء فيها :

قالوا على الهرّات تحنو               مثلما يحنو على أبنائهم آباءُ

قلتُ : الذين عرفتُهم أبدًا               بهم غدرٌ كما تغدرُ الرقطاءُ

أما لنا الهرّاتُ فهي مُحِبّةٌ              مهما عَرَتْ سرّاءُ أو ضرّاءُ

بل أنّ منها مَن بَكَت كصغيرةٍ         لما عثرتُ وطالَ بيَ استلقاءُ

وفاته

عانى أديب عباسي في سنواته الأخيرة من أمراض الهرم والشيخوخة، وأقام إثر ذلك في المستشفى، وقد كُتِبَتْ تفاصيل الرعاية السيئة التي عانى منها أديب عباسي في الصحف فأثارت اهتمام المسؤولين وعلى رأسهم ولي العهد آنذاك سموّ الأمير الحسن بن طلال.

 أديب عباسي في فراش المرض

دأبت على رعايته ابنة أخيه السيّدة يسرى عبّاسي، التي ربطتها منذ طفولتها عاطفة مميّزة بعمّها الذي كان يبادلها ذات الشعور العائلي الدافئ والخاص، فكتبَ لها كلمة وداع وشكر على رعايتها له :

أرجّي اليُمنَ واليسرَ المُرجّى                  لأهلِ البِرِّ في الكربِ الشديدِ

أرجّيه ليسرى مُذْ رَعَتْني                      ثلاثَ سنينَ في كربٍ مديدِ

تُوفّي رحمه الله عام 1997، وكان قد تبرّع بقرنيّتيه بعد وفاته، وأبصر شخصان الحياةَ من جديد بفضل سلوكه الذي يجسّد كرم الأردنيين وإنسانيّتهم، كما أوصى أن يُدفَن في قبرٍ متواضعٍ يُشاد ببعض تركته، وأن يُكتَب على القبر بيتان من الشّعر يجيب فيهما على أسئلة الناس التي ألحّوا بها عليه عن عدم زواجه :

إنّي شقيتُ ولمْ أُرِدْ             مِثلي هُنا يشقى بَنيّ

أدنى الدُّنى أبدًا لهُ              ذو العقلِ والسّعيِّ الأبيّ

أعماله

لأديب عباسي ستُ وتسعون مجلداً و مخطوطاً غير مطبوع ولا منشور، وهناك كتب احتوت هوامشها على نقد و كتابات بعضها قد سُرق .
لم ينشر للعالم الأردني أديب عباسي إلا بعض الكتب كان أبرزها عودة لقمان كتاب في حكمة الانسان بلسانه وعلى لسان الحيوان وسائر الكائنات و بنيات الطريق : خواطر وآراء في الحياة والأخلاق والاجتماع والفلسفة .

الغلاف الأول للنسخ القديمة من عودة لقمان

المراجع والمصادر

  1. مقابلة لفريق عمل إرث الأردن مع السيدة يسرى عباسي، الحصن، 2017 .
  2. مقابلة لفريق عمل إرث الأردن مع الدكتور مازن مرجي،الحصن،2017 .
  3. النمري ، ناصر(1998) أي الكونين هذا الكون، دار الكرمل، عمّان .
  4. النمري، ناصر(1987) أديب عبّاسي فلسفته العلمية والأدبية، دار الكرمل، عمّان .