مدن الديكابولس الأردنية : أبيلا المدينة التي أضاء زيتها قناديل روما

مقدمة

أبيلا (حرثا)، المدينة التي أضاء زيتها قناديل روما، إحدى مدن الديكابولس الأردنية الثمانية وواحدة من أهم المراكز التجارية والزراعية في العالم القديم. في هذا البحث من سلسلة مدن الديكابولس سنسلط الضوء على مدينة أبيلا في الحقبة الكلاسيكية ونناقش جوانب تطورها وازدهارها في زمن الأردنيين الغساسنة الذي اعتنوا أيما اعتناء بمدن الديكابولس الأردنية.

الموقع والطبوغرافيا

تقع أبيلا شمال الأردن على الحدود الأردنية السورية، وتتبع إداريا لبلدية الكفارات، لواء بني كنانة. تبعد  18 كيلو عن مدينة إربد. يحد المدينة من الشمال نهر اليرموك (5 كلم) وهو أحد أهم مصادر المياه بالنسبة لها. ترتفع أبيلا 440 متر عن سطح البحر. تتألف المدينة من ثلاثة مناطق وهي أم العمد وتل أبيلا، ووادي أبيلا (القويلبة). (Khries: 2010) فهي متنوعة التضاريس ما بين السهل المنبسط والتل الخفيف والوادي، مما أكسبها مزيدا من الأفضلية في الزراعة والحصاد المائي.

إطلالة على وادي أبيلا وتل أبيلا حيث تنتشر أشجار الزيتون المعمرة

التسمية

أبيلا هو الاسم الروماني لمدينة حرثا وقد جرى استخدامه بالعربية على حاله دون تغيير. أما الاسم أبيلا فهو تحوير للاسم العبري (تل أبيل /هابيل) والذي يعني التدفق الدائم أو مجرى المياه أو القناة المائية وهذا يوافق الطبيعة الطبوغرافية لأبيلا التي تمتلك مصدر مياهها الطبيعي والمتجدد: عين القويلبة؛ والتي يأتي اسمها من الكلمة العربية “القليب” وتعني البئر و”قويلب” تصغير البئر.  ولهذا يرجح  المستكشف جلوك أن تكون مدينة أبيلا هي موطن نبوءة النبي إيليا المذكور في العهد القديم وذلك لأنها تطابق المواصفات المذكورة في العهد. وربما يمنحنا هذا تصورا عن المكانة التي حظيت بها هذه المدينة في العصور السالفة. [1]

أما الاسم الحالي (حرثا) فهناك نظريتان الأولى أنه عربي من الجذر (حرث) ويعني قلب التربة لتجهيزها للزراعة وهو يناسب طبيعة المدينة وما اشتهرت به من إنتاج زراعي وفير.[2] وترجح نظرية أخرى أنه اسم سرياني يعني “ديار الحارث” والحارث هو أشهر ملوك الأردنيين الغساسنة.

أبيلا عبر التاريخ

كانت المدينة مأهولة بالسكان منذ العصر الحجري القديم (2 مليون سنة-12 ألف سنة ق.م) بتعداد سكان بسيط حتى العصر النحاسي (3300- 4250 ق.م.) بعدها بدأ التعداد السكاني بالزيادة في العصور البرونزية والحديدية ولكنه عاد للانخفاض. أما لاحقا فتشير المصادر التاريخية والنقوش أن عدد سكان أبيلا كان كبيرا جدا في العصور البيزنطية وهذا يوافق مكانة المدينة التجارية والصناعية في العهد الغساني. (Khries: 2010) ظلت أبيلا مأهولة وبكثافة عالية حتى في العصور الإسلامية، خصوصا الأموية والعباسية ولكنها هجرت تماما في العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي، وجاء الاحتلال العثماني فظلت مهجورة أيضا نتيجة لسياسات الاحتلال الغاشمة، في فترات لاحقة صار أغلب سكانها من البدو الأردنيين، أما في الوقت الحاضر فهي قرية صغيرة.

كان أول من اكتشف مدينة أبيلا الأثرية هو المكتشف الألماني سيتزن وهو مكتشف مدينة جراسا (جرش) أيضا. في الخامس والعشرين من شباط عام 1806 وصل سيتزن إلى تل أبيل (تل أبيلا) وكانت المدينة في حالة دمار كبيرة.  تعاقبت حملات الاستكشاف والتنقيب عن الآثار في أبيلا، فعام 1879 زار المدينة المستشكف ميرل وكتب عنها في كتابه “شرق الأردن”، وعام 1888 زارها المستكشف شوماخر ووثقها في مقالاته العلمية. في القرن العشرين بدأت دائرة الآثار تنقيباتها عام 1959، ومن ثم بدأت حملات التنقيبات من الجامعات العالمية كجامعة  لويس الأمريكية. ظلت الحملات التنقيبية تتوالى حتى عام 2004 وأسفر عنها اكتشاف المدينة الأثرية بأكملها. (Khries: 2010)

حلف الديكابولس

انطلقت فكرة الديكابولس في الحقبة الهلنستية لغايات تنظيمية سياسية، ومن ثم اكتسبت أهمية عسكرية عام 64 ق.م.  عندما اتخذها الإمبراطور الروماني بومبي كحصن دفاعية في المشرق. تعني “ديكا” العشر أما بوليس  فتعني “المدن” ومجتمعة تعني مدن الحلف العشرة. ضمت المدن العشر في البداية (جراسا (جرش) ، فيلادلفيا (عمان)، جدارا (أم قيس)، كانثا (أم الجمال)، هيبوس (الحصن)، دايون (ايدون)، بيلا (طبقة فحل)، سكيثوبوليس (بيسان)، أبيلا (حرثا)، دمشق، وبوسطرا (بصرى))  وكما نرى ثمان منها أردنية ثابتة، لاحقا انضمت مدن أخرى كجادورا (السلط) وبيت راس.

خريطة توضح مدن الديكابولس الأكثر شهرة ثمان منها أردنية

في زمن الأردنيين الغساسنة، تدعمت فكرة المدن العشرة ذات الاستقلال والحكم الذاتي بينما كان الغساسنة يشكلون حكومة مركزية بين تلك المدن. لاقت هذه المدن اهتماما بالغا من قبل الأردنيين الغساسنة، فأصبحت مراكز تجارية على طول خطوط القوافل في الطرق التجارية القديمة وتلك الطرق التي استحدثوها هم بذكائهم وحنكتهم.

الزراعة في أبيلا

 أجريت الكثير من الاختبارات على تربة أبيلا، ولم تظهر النتائج تغيرا في المناخ. أما العينات النباتية فقد اشتملت بشكل أساسي على الزيتون والقمح والدخن والعنب والعدس والكزبرة (Mare: 1984).

 علميا، تصنف تربة حوض اليرموك بأنها من نوع “تيرا روسّا Terra Rossa” وتتصف بالكتلة الكبيرة والقدرة الاستيعابية العالية للماء مما يسمح لها بأن تكون شديدة الخصوبة حتى في فترات جفاف الصيف. غالبا ما تكون تربة تيرا روسا خصبة بالرغم من فقر المصادر المعدنية ويصنفها الباحث (fisher: 1971) والباحث (Bender: 1974) بأنها التربة الأكثر ملائمة لزراعة الزيتون والمحاصيل. وهي كما لاحظ الباحثون، التربة الأكثر تواجدا في أراضي مدن الديكابولس. أما النوع الثاني من التربة فهي تربة “رندزينا Rendzina” وهي تربة جافة خفيفة أقرب للون الأصفر ولها قدرة استيعابية عالية للماء وخصوبة ممتازة وغالبا ما يفضلها المزارعون الأردنيون لكونها هشة وخفيفة للحراثة. (Orni and Efrat:1973)

وتوافرت مصادر الماء بشكل طبيعي ومتجدد وكان أهمها عين القويلبة التي تقع على بعد حوالي كيلومتر واحد إلى الجنوب من الموقع الأثري للمدينة. ويتدفق تيارها إلى الشمال ثم يتحول إلى الشمال الغربي قليلاً، ويصب في نهر اليرموك وفي النهاية إلى نهر الأردن. [3] إضافة لاستخدام الوادي كسد طبيعي لأغراض الحصاد المائي.

خريطة تقسم المواقع الأثرية في أبيلا ويظهر فيها التل والوادي (khries: 2010)

ساهمت كل هذه العوامل الطبيعية إضافة لذكاء وحنكة الأردنيين الغساسنة في التجارة إلى جعل مدن الديكابولس عامة ومدينة أبيلا خاصة مركزا تجاريا وزراعيا مهما في المنطقة لدرجة أنها سميت “قنديل روما”. بحسب المصادر التاريخية، كانت أبيلا مركزا لصناعة زيت الزيتون وتجارته، فلم تكن فقط تشتهر بجودة زيتها إلا أنها كانت مركزا تبعث إليه المدن إنتاجها من الزيت ليتم تصديره إلى روما. [4]

ظلت أبيلا تشتهر بكونها من يضيء زيتها روما حتى وقتنا الحاضر حيث تساهم بشكل كبير في مجمل إنتاجية لواء بني كنانة في إربد والذي بلغ 19 ألف طن في عام 2015. وقد أوردها عدد من المؤرخين في كتبهم فيقول المؤرخ العربي ابن خرداذبة: ( من كور الأردن طبرية… كورة آبل الزيت)

وذكرها أيضا الحازمي فقال (ناحية من كور الأردن ، ويذكر ياقوت الحموي في كتابه ( معجم البلدان) أن “آبل الزيت هي القويلبة / حرثا التي تقع بالأردن على مشارف طبريا”، ويذكر المؤرِّخ مصطفى مراد الدبَّـاغ أنها تقع في لواء إربد بالأردن واطلق عليها اسم (آبل الزيت) لجودة الزيت الذي تنتجه كروم أشجار الزيتون التي تـُغطي أراضيها. [5]

آثار أبيلا

بنيت أبيلا على غرار مدن الديكابولس الأردنية الأخرى أمثال فيلادلفيا (عمان) وجراسا (جرش) فهي تتكون من شارعين رئيسيين (كاردو وديكيمانوس) ومدرجات وساحة عامة وأضرحة وكنائس.  إضافة لثلاث قنوات للماء تغذي المدينة ويسمى هذا الطراز المعمار “هيبودامي”. أما المسح الذي أجراه الباحثون على النظام الهيدروليكي والجوفي فقد كان صادما حيث أن النظام المائي للمدينة بالغ في التعقيد والسعة. [6] وللأسف فقد دمر زلزال 749 م. الكثير من معالم المدينة ومبانيها.

مخطط عام لأبيلا يظهر فيها الشارعان الرئيسان (Khries: 2010)

الكنائس

أزالت التنقيبات اللثام عن أكثر من كنيسة أربعة منها تندرج تحت نمط البازيليكا المعماري وهو طراز معماري خاص بكنائس تلك الحقبة يتميز ببناء مستطيل.

كنيسة أم العمد: اكتشفت كنيسة أم العمد في منطقة أم العمد في أبيلا وقد بنيت في القرن السادس ميلادي، وهي كنيسة على طراز البازليكا بأبعاد 20×34 متر، وفيها ثلاثة ممرات، وهي محاطة بالأعمدة الكورنثية (المبنية على الطراز الروماني) تشبه كنيسة أم العمد كنيستي القيامة والمهد في فلسطين. حيث تتكون من صالة وسطى بعرض 10 متر ويفصل صفان في كل منهما 12 صف، أما الهيكل فهو من ثلاثة محاريب نصف دائرية متجاورة. وللكنيسة ثلاثة أبواب وشرفة  تشير بعض الدلائل أن الكنيسة كانت من طابقين. وفي الكنيسة أرضية فسيفسائية بديعة ذات أشكال هندسية ويرجح أن الجدار الشرقي كان مزدانا بالفسيفساء أيضا. (قاقيش: 2007)

كنيسة التلة: وهي كنيسة مستطيلة تتكون من صالة وسطى وجناحين ولها ثلاثة محاريب، بنيت الكنيسة  من الحجرين الكلسي والبازلتي. وقد كان البناء مسقوفا بدلالة آلاف قطع القرميد التي وجدت على الأرض. وقد عثر على بقايا بناء قديم قد يكون معبدا رومانيا. رصفت الأرضية بحجارة بازلتية سوداء وكلسية بيضاء قصت بشكل هندسي، يرجح بناء الكنيسة في القرن السادس ميلادي (قاقيش: 2007)

عينة من فسيفساء أبيلا المكتشف بالكنائس (Khries:2010)

كنيسة المجمع المدني: الكنيسة مستطيلة بأبعاد 30.50×17.20 متر ولها جناحان شمالي وجنوبي ويقسمها من الداخل صفان من الأعمدة. الكنيسة كبيرة وبها عدة مرفقات كثلاثة محاريب ومدخل مهيب وأدراج وغرف وحمام ومدافن أضيفت في القرنين السادس والسابع الميلادي. وما يميزها وجود كرسي الأسقف بارتفاع 1.40 متر، كما وجدت فيها منحوتات عديدة وزخارف كالصليب وزهرة التوليب والأكباش وصولا إلى فسيفساء زجاجية وعدد وافر من المسكوكات والفخاريات. (قاقيش: 2007)

الكنيسة الغربية:  قياسات البناء 32.40×19.80 متر والكنيسة مستطيلة فيها جناحين شمالي وجنوبي، عثر فيها على قرميد دلالة على كونها مسقوفة كما عثرت التنقيبات على فسيفساء زجاجية تصور الحيوانات والنباتات وجدران مكسوة بطبقتين من الجص ويرجح بناؤها في القرن الخامس أو السادس ميلادي. (قاقيش: 2007)

الكنيسة الشرقية: تتراوح أبعاد بناء الكنيسة 15.60×14.90 متر وفيها صالة وسطى وجناحين كالكنائس السابقة. ولها باحة واسعة وبركة سداسية الشكل. الحجارة التي بنيت منها الكنيسة متقنة الصنع ومشذبة بشكل جيد، كما أن الجدران متقنة ومغطاة بالجص. الأرضيات مكسوة بالرخام. كما عثر على كرسي للأسقف يعلو عدة درجات. كما عثر على بقايا لمنبر الأسقف إضافة لفسيفساء زجاجية، يرجح أن الكنيسة قد بنيت نهايات القرن الخامس الميلادي. (قاقيش: 2007)

كنيسة الوادي وتظهر الأعمدة الكورنثية (Khries: 2010)

كنيسة (المنطقة DD): تقع الكنيسة في الوادي على الجهة الجنوبية من تل أبيلا، وهي مستطيلة بثلاثة محاريب وتشبه في تخطيطها الكنائس السابقة، من المرجح أن حجارتها استخدمت في بناء كنيسة أخرى وأفضل ما وجد فيها هو المصابيح الزجاجية التي كانت تعلق لإضاءة الكنيسة. (قاقيش: 2007)

سبيل الحوريات

اكتشفت بقايا سبيل حوريات في أبيلا، وسبيل الحوريات هو مزيج بين الجمنازيوم (القاعة الرياضية) والحمام الساخن ويستخدم لأغراض الترفيه والاستجمام وهو مبنى متواجد في تخطيط أغلب مدن الديكابولس الأردنية. لسبيل الحوريات في أبيلا حوض مائي أسفله يستخدم للتخزين وهو متصل بقناة مائية يعتقد العلماء بأنها متصلة بقناة أخرى رئيسة. (Khries: 2010)

إحدى القنوات المائية التي تتصل بسبيل الحوريات (Khries: 2010)

المدافن

بسبب تعاقب الحضارات على أبيلا، وجدت العديد من المدافن التي تعود لحقب مختلفة، ولكن أهمها تلك التي تعود للحقب الكلاسيكية خصوصا الرومانية والبيزنطية. اكتشفت أكثر من 25 مقبرة تعود لتلك الفترة، وكلها تتبع ذات الطراز “الفريكسو” أو التصوير الجصي الذي يستخدم فيها الجص لتشكيل زخارف ورسوم. تتباين الزخارف والرسوم بين التصويرات البشرية والحيوانية والنباتية والأشكال الهندسية. (Khries: 2010)

الخاتمة

استعرضنا في هذا البحث أبيلا، مدينة الديكابولس المميزة التي تشتهر إلى الآن بزيتها عالي الجودة. كان للمدينة تاريخ طويل من الاستيطان البشري منذ العصور الحجرية وحتى يومنا هذا. تخبرنا آثار مدينة أبيلا أنها كانت مدينة عظيمة الشأن رغم الزلزال الذي دمر معالمها ورغم الهجران التي عانت منها لقرون.

المراجع العربية

المراجع الأجنبية

  • Luke. B. (2008), soils and land in the Decapolis region-
  • Shahid, I. (2009) Social History Vol2, Part 2 Dumbarton Oaks, Harvard University. –
  • Jhon Brown University, Abila Archeological Project –
  • Khries, N. (2010) Geoenviromnetal Evaluation in Abila Archeological site (Um Al Amad basilica) master Thiess in Applied and environmental geology, Aristotle University.

[1] المصدر السابق نفسه.

[2] انظر  معجم المعاني https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%AD%D8%B1%D8%AB%D8%A7/

[3] المصدر: مشروع تنقيبات جامعة جون براون الأثرية في أبيلا، للمزيد انظر Jhon Brown University, Abila Archeological Project

[4] للمزيد راجع بحث قنديل روما على موقع إرث الأردن http://jordanheritage.jo/1725-2/

[5] المصدر السابق نفسه.

[6] المصدر السابق نفسه.